كانت رائحة الثلج والدم أول ما اقتحم وعيي، تبعها الألم.
انبثق الألم كزهرة ندية مسمومة في خاصرتي وجع نابض عميق سحبني بعنف من أحضان الغيبوبة التي كانت ملاذي.
مع كل اهتزازة عنيفة، كانت موجة جديدة من النار تتغلغل في أحشائي.
كنت أتحرك، لكن قدمي لم تكونا تلامسان الأرض .
كان العالم يتأرجح أمامي بإيقاع مثير للغثيان والضغط الحاد والبارد على معدتي يؤكد أنني معلقة على ظهر سرج جواد مثل كيس قمح.
عادت الذاكرة كفيضان من صراخ الرياح وزئير التنانين المعركة فوق قمم " الأنياب الدامية".
الوميض المبهر للعيون الحمراء.
"نيكتيس"، الرعب الأسود يتحرك
بسرعة تتحدى قوانين الطبيعة. وفارسه.
الأمير كيرن.
رأيت وجهه، وتلك العينان الرماديتان العميقتان كغيوم عاصفة قبل هطول المطر، تحدقان بينما كان "جليسير"، تنيني الأبيض المهيب ، يتعثر تحت ضربة قاضية.
حاولت الحركة، لكن معصمي كانا مقيدين بإحكام خلف ظهري.
القنب الخشن يعض في جلدي همهمة منخفضة تسربت من شفتي، وعلى الفور توقف الاهتزاز.
انقلب العالم رأسا على عقب بينما قبضة حديدية تشبثت بدرعي الجلدي من الخلف، تشدني إلى وضع الوقوف.
لامست قدماي الأرض الصخرية، وانکمشت ساقاي والألم في جنبي يصرخ محتجا. لكنني لم أسقط، فقط بفضل تلك القبضة التي لا ترحم.
كان واقفا هناك بالطبع. كان أطول مني برأس وكتفين، وحضوره طاغ كالظل الذي يلتهم ضوء الشمس .
" استيقظت أميرتي؟" جاء صوت کیرن کهدیر منخفض، يمزج بين النعومة والتهديد المتأصل أشبه برعد بعيد ينذر بعاصفة وشيكة.
رفعت رأسي بقوة، وشعري الأبيض الطويل يلتصق بوجهي الملطخ بالعرق والقذارة.
التقت عيناي الزرقاوان الصافيتان بعينيه الرماديتين الضبابيتين. كان جماله سلاحاً، حاداً وغير مألوف. وجه نحيل بأنف مستقيم كالنصل وشفتين حادتين، ويُطارده شعر أسود طويل يصل إلى كتفيه بعضه مربوط للخلف .
كان يتحرك بقوة مفترس مبكولة، وكل حركة من جسده الرياضي القوي تذكرني بالقيود.
" أطلق يدي." نطقت الكلمات بصوت أجش .
ارتسمت لمحة ابتسامة قاسية على شفتيه. "وأترك أميرة نيفيس الشجاعة تسقط على وجهها في الوحل؟ كبرياؤك لن يتعافى أبداً."
كبريائي هو كل ما تبقى لي. هو الوقود الذي يحافظ على استقامة ظهري وارتفاع ذقني.
انتزعت نفسي من قبضته، متعثرة لكنني بقیت واقفة. الألم أطلق موجة جديدة من العذاب في جنبي، لكنني ثبت ركبتي وتحملت في صمت . أنا إيليانا من نيفيس، لا أظهر ضعفي لأعدائي.
خاصة له.
لم يطلق سراحي بل أدارني حول نفسي وما زالت قبضته على ذراعي، حتى واجهت مشهد الدمار. كانت ساحة المعركة الممتدة عند سفح الجبال تمزق قلبي قبل أن تمزق جسدي.
تصاعد الدخان من الأشجار المحترقة واختلط التراب الأسود بالثلج الأبيض، لتتشكل لوحة قائمة لخسارتي.
في الأفق، حيث كان يجب أن تلمع القمم الثلجية لـ "نيفيس"، لم تكن هناك سوى سحابة داكنة من الخزي.
انظري جيدا، يا أميرتي" همس كيرن منحنياً حتى لامست شفتاه أذني. دفء أنفاسه، على الرغم من البرد القارس، أحرق بشرتي. هذه هي نتيجة تحدي أمبر. هذا هو ثمن كبريائك. "
علقت رائحة الرماد والمعدن المحترق في حلقي كنت أعرف أن رجالي مبعثرون هناك بين الأشجار المحطمة. وأين "جليسير"؟ أين تنيني الأبيض؟
رفعت عيني نحو السماء، والخوف الذي أخفيته خلال القتال يخنقني الآن فراغ.
"ماذا فعلت به؟ خرج صوتي حشرجة مكسوراً وغريباً، حتى في مسمعي.
أدارني مرة أخرى لمواجهته، كانت عيناه الضبابيتان تدرسان ملامحي بتركيز مثير للقلق، وكأنه يقرأ كل شق في درعي النفسي. "التنين الأبيض لا يزال حياً. جرحه ليس قاتلاً." توقف أن يضيف، على عكس رجالك."
كانت الضربة متعمدة مصممة لإشعال غضبي ودفعي للتصرف بتهور حتى يتمكن من كسري.
شعرت بالدماء تغلي في عروقي، ورغبة جامحة الابتسام في إسكات ذلك المتعجرف على شفتيه. لكن سنوات التدريب كقائدة محاربة كبحت جماح الغريزة.
أغمضت عيني لثانية استنشقت الهواء البارد الذي لسع رئتيّ، ثم فتحتهما مجدداً .
"الموت في ساحة الشرف هو مصباح كل محارب في نيفيس " قلت بصوت أهدأ بقليل من همسي "سيكونون فخورين لأنني قاتلت حتى النهاية. أمر أعتقد أن أمير أمبر سيجد صعوبة في فهمه."
ساد الصمت للحظة. ثم حدث شيء غريب لمحت بريقاً في أعماق عينيه الرماديتين، ليس غضباً ولا قسوة، بل شيء آخر. كان سريعاً جداً، شبه خيال.
لكنه كان هناك هل هو الاحترام؟
انکسرت لحظة الصمت عندما هرع "مالاكاي"، قائد سرب تنانین کیرن نحونا "كيرن القلعة تنتظر عودتك." نظرة مالاكاي الخاطفة نحوي كانت مليئة بالازدراء، لكن تحتها كان هناك فضول لا يمكن إخفاؤه.
رفع کیرن رأسه، وعاد الأمير القاسي المحارب. "الغنيمة لا تزال تتنفس، مالاكاي. وهذا يجعلها أثمن وأكثر خطورة. " سحب يده من ذراعي، لكن شعور الاحتراق استمر. اربطها بحصاني. رحلة العودة ستعلمها التواضع."
بينما كنتُ أقاد نحو الحصان العملاق التقطت همسة كيرن الأخيرة لمالاكاي التي حملت تهديدًا لم تسمعه أذناي بوضوح. "لا أحد يلمسها. إنها لي." و همست لنفسي وأنا أقيد بحبل قصير إلى سرج الحصان، رافضة إظهار أي ضعف إضافي: "سأقتلك يوما ما."
ولكن حتى وأنا أنطق بهذه الكلمات أدركت أن ما رأيته في عينيه كان بداية حرب أخرى حرب أشد خطرًا بكثير، وكانت تدور رحاها في داخلي.