حتى في اللحظات الأخيرة من حياته، وهو يشعر بجسده يتحطم تحت عجلات تلك الشاحنة الضخمة، كان يعتقد بسذاجة أنه سيستيقظ في غرفة طوارئ بيضاء.

محاطاً بأجهزة الإنعاش الطبية، أو ربما يجد نفسه متصلاً بجهاز دعم الحياة في غيبوبة طويلة كما يحدث للذين يتعرضون لحوادث سير مروعة.

لكن ما شعر به لم يكن أياً من ذلك.

في البداية، كان هناك ظلام دامس، وصوت طنين خافت يتلاشى تدريجياً في أذنيه، وكأن وعيه عبارة عن شاشة تفقد طاقتها ببطء. ثم... انقطاع تام.

صافرة مستمرة وحادة اخترقت عقله لتعلن نهاية اتصاله بالعالم الذي كان يعرفه.

*

"آخ!"

شهق زين بقوة، وفتح عينيه فجأة، وكأن شخصاً ما قد سكب دلواً من الماء المثلج على رأسه.

الهواء الذي دخل رئتيه كان بارداً، ثقيلاً، ويحمل رائحة تشبه رائحة الطحالب الرطبة الممزوجة برائحة احتراق غريبة، وكأن صاعقة سحرية قد ضربت المكان للتو.

المكان من حوله لم يكن غرفة مستشفى على الإطلاق.

كان يستلقي على أرضية حجرية باردة، تتخللها نقوش محفورة بعناية لكنها متآكلة بفعل الزمن.

'هل هذه أنقاض قلعة مهجورة؟ أم سرداب سري تحت الأرض؟'

"هل أنا حقاً... مت؟"

همس زين لنفسه بصوت مبحوح. هذا الهراء حول انتقال الأرواح بعد حوادث الشاحنات... كان يسخر منه دائماً في تعليقات البث المباشر مع متابعيه.

لم يتوقع أبداً أن يصبح بطل إحدى تلك الحبكات الرخيصة التي تملأ روايات وقصص الفانتازيا.

رفع يده اليمنى المرتجفة وتلمس وجهه. ثم، وبحركة لا إرادية للتأكد من واقعه، صفع خده بقوة.

"أوتش!"

رأى وميضاً من النجوم أمام عينيه. حسناً، الألم حقيقي وواضح. هذا ليس حلماً تفاعلياً ناتجاً عن غيبوبة، ولا هو محاكاة للواقع الافتراضي.

نهض ببطء، مستنداً على ذراعيه، محاولاً استيعاب الوضع المحيط به. كان هادئاً بشكل مدهش، لكن ربما لأن عقله المعتاد على الأزمات المفاجئة في الألعاب الاستراتيجية قد فَعّل وضع تحليل البيئة تلقائياً لحمايته من الانهيار العصبي.

إذا كان قد انتقل حقاً إلى عالم آخر، فما هو هذا العالم؟

تجول بنظره في المكان. كانت قاعة ضخمة مبنية من حجر السج الأسود، جدرانها تبدو وكأنها تعرضت لخدوش عملاقة بمخالب وحش أسطوري.

في نهاية القاعة، كان هناك هيكل ضخم ومحطم، يبدو وكأنه تمثال لحيوان قديم، مقيداً بسلاسل معدنية ضخمة تخرج من الجدار.

اقترب زين منه بحذر. أسفل التمثال المحطم، كانت هناك بركة صغيرة من المياه الراكدة والداكنة، انعكست عليها صورته بوضوح تحت ضوء خافت.

رمش عدة مرات غير مصدق ما يراه. هذا ليس وجهه.

الوجه الذي ينظر إليه من الانعكاس كان يخص شاباً في مقتبل العمر، بملامح حادة أرستقراطية وبشرة شاحبة خالية من العيوب، تبدو وكأنها لم تتعرض لشمس العمل الشاق يوماً. كان يرتدي قميصاً من الحرير الفاخر الممزق عند الأكمام، لكن الأغرب كان لون عينيه... كانتا تشعان ببريق بنفسجي خافت.

"همم... وجه نبيل ووسيم بشكل مزعج."

كان هذا تقييمه المختصر. إذا كان في عالم عادي، فبهذا الوجه وتلك الملابس يمكنه العيش كابن لعائلة ثرية أو عارض أزياء.

لكن الأولوية الآن لم تكن لشكله الخارجي، بل للبقاء على قيد الحياة.

التفت مبتعداً عن البركة والتمثال المحطم، وتوجه نحو ما يبدو أنه مخرج القاعة. البوابة الخشبية الضخمة كانت ممزقة من المنتصف، وكأن شيئاً هائلاً قد اقتحمها من الخارج.

عندما خطى للخارج، توقفت أنفاسه.

الممر الذي أمامه كان يطل على شرفة حجرية متصدعة، وما كان يحيط به كانت سماء زرقاء أرجوانية بطريقة غير منطقية.

"يا له من مشهد سخيف للعينين..."

تابع السير في الممر الحجري المكشوف. خطواته الخفيفة يتردد صداها في سكون المكان الموحش.

وفجأة...

طقطقة... خشخشة...

توقف زين متجمداً في مكانه. جاء الصوت من نهاية الممر المظلم. لم يكن صوت خطوات بشرية منتظمة، بل كان أقرب لخدش مخالب صلبة على الحجر، مصحوباً بصوت شم خشن.

تنهد ببطء، محاولاً السيطرة على معدل ضربات قلبه. كلاعب محترف، كان يعرف هذا النمط جيداً.

"الحدث الأول للانتقال إلى عالم آخر، يجب أن تواجه وحشاً بمجرد استيقاظك لتثبت جدارتك وقدرتك على النجاة."

نظر حوله بسرعة باحثاً عن أي سلاح. لم يجد سوى بقايا هيكل عظمي قديم في الزاوية، يمسك بقبضة سيف مكسور. كانت الشفرة محطمة، ولم يتبق منها سوى قطعة خشنة وحادة بطول ساعده.

انتزع زين النصل المكسور من بين العظام البالية. كان ثقيلاً، وحوافه غير المستوية كانت حادة كالشفرة.

"هذا سيكون طقس العبور الخاص بي."

أحكم قبضته على النصل المعدني، وركز نظره على الظل الذي بدأ يتشكل ويخرج من الظلام أمامه.

غرررر!

ظهر الكائن أخيراً تحت الضوء الخافت. لم يكن كلباً ولا ذئباً برياً عادياً. كان وحشاً يقارب حجم نمر بالغ، جلده أسود كالقطران ومغطى بتقرحات تنبض بطاقة حمراء خبيثة. من فمه المشوه، برزت أنياب صفراء تقطر مادة حمضية لزجة أذابت سطح الحجر ببطء مُصدرة صوت هسهسة مزعج.

"كلب وحشي غريب... مظهرك مألوف جداً لسبب ما."

لم ينتظر زين ليتأمل المشهد أكثر. في الألعاب الاستراتيجية، المبادرة بالهجوم تمنحك أفضلية تكتيكية لا غنى عنها.

التقط حجراً صغيراً من الأرض بيده اليسرى، ورماه بكل قوته نحو رأس الوحش، تماماً كما يفعل لاختبار دفاعات الخصم وتوجيه ضربة استباقية.

كلينك!

ارتد الحجر عن درع عظمي سميك يغطي جمجمة الوحش، دون أن يترك حتى خدشاً صغيراً.

غرررراااا!

غضب الوحش وانقض نحو زين بسرعة مرعبة لم تتوافق مع كتلته العضلية الضخمة.

"تبا..!"

حاول زين التدحرج جانباً لتفادي الهجوم المباشر، لكن رد فعل جسده كان أبطأ بجزء من الثانية من سرعة عقله المعتادة على اتخاذ القرارات في أجزاء من الثانية.

تشاااك!

مرت أنياب الوحش بجانب عنقه، لكن مخالبه الحادة مزقت كتفه الأيسر بوحشية.

"آآآآآه!"

صرخة ألم لا إرادية أفلتت من حنجرة زين. قطعة من اللحم تم انتزاعها مع قميصه الحريري!

الألم... لم يكن شيئاً يمكن وصفه بالكلمات. كان ألم احتراق وتمزق في نفس الوقت، مصحوباً بلسعة طاقة مظلمة تتغلغل في جرحه، ألم يجعله يتمنى فقدان الوعي الفوري.

تشوشت رؤيته، وبدأ جسده يرتجف بشدة. الخوف من الموت مجددا بهذه السرعة. كان ينهش عقله.

تدحرج على الأرض كالحشرة لتفادي هجمة ثانية من الوحش، محاولاً الابتعاد عن تلك الأنياب بأي ثمن، تاركاً خلفه مساراً من قطرات الدماء الحمراء.

توقف للحظة يلهث بصعوبة. الوحش لم يتبعه فوراً. كان يقف هناك، يلعق دماء زين من مخالبه، ويصدر صوتاً يشبه الضحك الخشن والمتقطع.

إنه يلعب به. إنه يستمتع بيأس فريسته.

الخوف الذي كان يسيطر على عقل زين قبل ثانية واحدة، تبخر فجأة، وحل محله شعور آخر تماماً. شعور حارق يغلي في صدره.

شعور بالمهانة المطلقة.

هو كان، اللاعب الذي تربع على عرش لعبة "تكتيكات الإمبراطورية السحرية"، والذي أسقط أساطير السيرفرات العالمية بذكائه، يتم الاستهزاء به من قبل كلب وحشي لعين لا يتجاوز خصره؟

كان زين شخصاً لا يحتمل الخسارة. يمكنه تحمل أي شيء، الألم، الإرهاق، الجوع، لكنه لا يحتمل أن ينظر إليه الخصم بنظرة دونية واحتقار.

نهض ببطء، متجاهلاً الدماء التي تنزف بغزارة من كتفه وتسقط على الأرضية الحجرية. التقط النصل المكسور الذي سقط بالقرب منه مرة أخرى، وأحكم قبضته عليه حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

الوحش رأى حركته، فانخفض بجسده واستعد للانقضاض مجدداً لإنهاء اللعبة.

"هيا، أيها الحثالة!"

صرخ زين بأعلى صوته لتركيز انتباه الوحش واستفزازه.

انقض الكلب الوحشي نحوه كالسهم. المسافة تتقلص بسرعة. ثلاثة أمتار... متران...

لم يتراجع زين هذه المرة. لم يهرب. بدلاً من ذلك، قام عقله التحليلي بحساب زاوية الهجوم ومسار الوحش بناءً على قفزته الأولى.

وفي اللحظة الحاسمة التي فتح فيها الوحش فكيه الواسعين ليعضه، انحنى زين أسفله بمليمترات قليلة، منزلقاً على ركبتيه فوق الحجر الخشن.

وبحركة تعتمد على التوقيت أكثر من القوة، دفع النصل المعدني الحاد بكل ما أوتيت يده اليمنى من قوة نحو نقطة الخصم العمياء، حنجرته الرخوة غير المدرعة بالعظام.

سحق!

اخترق المعدن الصدئ اللحم الفاسد بسلاسة مرعبة، وانفجر سائل أسود داكن ولزج في وجه زين.

كيااااانغ!

أطلق الوحش صرخة ألم مزعجة، وسقط متدحرجاً على الأرض خلف زين، فاقداً توازنه بسبب سرعة اندفاعه وقوة الطعنة المفاجئة التي مزقت قصبته الهوائية.

لم يمنحه زين أي فرصة للتعافي أو الرد.

"قاعدة النخبة، لا تترك لخصمك مساحة للتنفس أبداً!"

قفز زين فوق جسد الوحش الذي كان يتلوى من الألم، وأمسك النصل المكسور بكلتا يديه، وبدأ في طعن حنجرته وعينيه مراراً وتكراراً بوحشية مجردة.

طعن! طعن! طعن!

أسلوبه في اللعب لم يكن يعتمد على المهارة الفردية فقط، بل على الخنق التام للخصم حتى ينهار نظامه بالكامل. وهذا ما فعله في العالم الواقعي. لم يتوقف عن الطعن حتى توقف الكائن عن الحركة تماماً، وتحول رأسه إلى كومة من السوائل المظلمة والأشلاء الممزقة.

سقط زين على ركبتيه بجانب الجثة، يلهث بعنف، وصدره يعلو ويهبط بسرعة بينما تتقاطر دماء الكلب من يديه ووجهه.

"إياك... أن تستهين بلاعب محترف مرة أخرى."

وبينما كان يحاول استعادة أنفاسه المتلاحقة، والسيطرة على ارتجاف يديه، رن صوت ميكانيكي بارد وخالٍ من المشاعر، لم يأتِ من الخارج، بل رن داخل رأسه مباشرة.

[جار المزامنة....]

رفع زين رأسه بذهول، ونظر إلى جثة الكائن التي بدأت تتحول إلى رماد أسود يتلاشى في الهواء، تاركة وراءها بلورة صغيرة داكنة.

هذا الصوت... وهذا الوحش الذي تحول إلى رماد...

"أليس هذا كلب الهاوية المتجول..."

همس زين بصدمة. إنه وحش من المستوى الثاني، مجرد عقبة تافهة مخصصة للمبتدئين في اللعبة الاستراتيجية التي كان يصنف كالأول فيها.

اتسعت عينا زين وهو ينظر إلى يديه الملطختين بالدماء، ثم إلى سماء هذا العالم الغريب.

يبدو أنه... قد تم إلقاؤه فعلياً وبجسد مادي، داخل لعبة "تكتيكات الإمبراطورية السحرية" التي كان يحترفها!

2026/04/07 · 6 مشاهدة · 1411 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2026