الفصل 322: شيء خاطئ [1]

-----------

مرت ستّة أيّام منذ معركتنا ضدّ آكل القمر. ستّة أيّام منذ هربنا من الكالديرا ودخلنا هذا الوادي.

ستّة أيّام من المشي المتواصل، وما زلنا بدون طعام لائق، بالمناسبة. لم يعد الإعياء يخدش عقولنا فحسب، بل اتّخذ فيها مسكنًا صغيرًا يرفض مغادرته.

ساقانا المترنّحتان تسحباننا إلى الأمام حتّى وإن كانت رئاتنا تحترق مع كلّ خطوة.

شعور الوخز واللسع الذي يصيب أعصابنا بسبب نقص الطاقة والإجهاد الزائد قد استقرّ منذ زمن في ألم مستمرّ.

لا أعرف إن كنتَ قد عانيتَ من اعتلال الأعصاب المستمرّ، لكنّه ليس تجربة ممتعة على الإطلاق.

كذلك لا أعرف إن كنتَ قد جعتَ لفترة طويلة، لكن عندما يحدث ذلك، يتوقّف الجوع عن الشعور بحدّة.

يصبح كليلًا.

يصبح ضغطًا فارغًا لا نهائيًّا ينخرك من الداخل، يجعل كلّ حركة أثقل من سابقتها. حتّى البلع يتطلّب جهدًا.

ذلك كان وضعنا.

امتدّ الوادي إلى ما لا نهاية أمامنا، تضاريسه تتبدّل بين مسارات صخريّة خائنة ووديان ضحلة.

دون أثر للخضرة في الأفق، صبغ توهّج القمر الدامي الأحمر كلّ شيء بظلال الصدأ، ممدّدًا ظلالنا طويلة ورفيعة عبر جدران الوادي المتشقّقة.

في مثل هذا المشهد المخيف، كنّا نتحرّك كأشباح.

استيقظ راي قبل أربعة أيّام، وبعد أن لام نفسه مرارًا وتكرارًا على ما حدث لأليكسيا، لم يفارق جانبها ولو للحظة.

لم أره يومًا جادًّا إلى هذه الدرجة.

كان ردّ فعل كانغ مشابهًا إلى حدّ كبير. في أيّ وقت آخر، كان سيزعجه اقتراب راي هكذا، لكن الآن لم يكن يبالي. كان يمشي فقط على جانب أليكسيا الآخر، وجهه متقلّص بقلق يثير الشفقة، كجرو رُكل.

حتّى أنا شعرتُ بشيء من الشفقة عليه.

أعني، لم أحبّ فتاة يومًا بهوسه، لكن لو فعلتُ، لكنتُ قلقًا عليها أيضًا.

على أيّ حال، بالحديث عن أليكسيا، الخبر الجيّد أنّها حيّة.

الخبر السيّئ أنّ العروق السوداء المنتشرة من الجروح المغلقة عبر صدرها لم تتراجع. بل إنّها صارت أرفع وأكثر تهذيبًا، كجذور دقيقة تغوص أعمق في لحمها.

كانت في ألم دائم، ومع ذلك رفضت أن تُحمل. مهما قلنا لها أن تتّكئ علينا أكثر، كانت تهزّ رأسها فقط وتواصل المشي بأسنان مشدودة، تكبت الأنين والأنّات لكن دون أن تبطئ.

لم يكن لديها التركيز لاستدعاء بطاقة أصلها، والعروق السوداء كانت تقطع أيضًا إحساسها بالجوهر، تجعلها غير قادرة على نشر قواها.

فكان كانغ يمسك يدها ليهديها.

رؤيتها في تلك الحالة كانت تؤلم قلبي.

كنتُ أكرّر لنفسي أنّه لا سبيل آخر.

...لكن ألم يكن هناك؟

يمكننا العثور على حاكم هذا الوادي، تحدّيه، وسرقة آثاره بعد قتله. إحدى تلك الآثار، إن تذكّرتُ جيّدًا، كانت خاتم شفاء.

يمكننا استخدام ذلك الخاتم لشفاء أليكسيا.

محاولة ذلك ستكون مخاطرة هائلة، مقامرة بفرصة نجاح أقلّ من واحد بالمئة.

ومع ذلك، أليس ذلك أفضل من مشاهدة أليكسيا تموت بهذا الموت البطيء المؤلم أمامي مباشرة؟

شددتُ قبضتيّ حتّى ابيضّت مفاصلي، حتّى شعرتُ بلدغة أظافري في جلدي.

لا، قلتُ لنفسي. لا أستطيع المخاطرة بحياة الجميع من أجل شخص واحد. أنا... لا أستطيع.

حقًّا لا أستطيع.

لم نكن في حالة تسمح بقتال حاكم، حتّى لو كان ساقطًا.

كان فينس بالكاد يتماسك، يبدو وكأنّه على وشك الانهيار من الجوع في أيّ لحظة.

وأمّا ليلي... حسنًا، بدت مكتئبة فقط. بعد كلّ بضع خطوات، كانت تحدّق في السماء المشقّقة وتبدأ بالبكاء.

بصراحة، كانت تثير فيّ الرعب.

كنتُ أعرف أنّ الجوع المطوّل يمكن أن يثير الاكتئاب لدى بعض الناس، لكنّ هذا بدا يتجاوز ذلك قليلًا.

وللتوضيح فقط، لم تكن تبكي أو تنهار. لا!

كانت الدموع تتجمّع في عينيها فقط وتنزلق بهدوء على وجهها بينما لا تتوقّف عن المشي.

كان ذلك مقلقًا إلى حدّ كبير!

"ليلي،" سألتُها مرّة بعد أن كادت تصطدم بجدار صخريّ للمرّة الثالثة، "هل أنتِ بخير؟"

رمشت بذهول، مسحت وجهها بظهر كمّها، وأومأت بسرعة زائدة لتكون ردًّا صادقًا. "مم. نعم. آسفة."

ذلك كان كلّ شيء.

كانت تتصرّف بغرابة حقًّا.

أغرب من جوليانا، وهذا يقول شيئًا.

حوّلتُ نظري إلى الأمام ورأيتُ ظلّي تسير في المقدّمة. كانت تتقدّم في صمت، لكنّها من حين لآخر كانت تلتفت إلى الخلف نحو الكالديرا.

يبدو أنّ خبر موت كيفن أصابها بقوّة. كانت تحبّ ذلك الشيء منذ البداية، لأنّ وجوده كان يخفّف سنوات من العواطف السلبيّة التي كانت تتخمّر في ذهنها، يسمح لها بالشعور من جديد.

لكن الآن وقد رحل، وقد انقطعت عن ذلك الحاجز العاطفيّ، صارت جوليانا صامتة بطريقة أزعجتني أكثر بكثير من برودها المعتاد.

لأنّها الآن لم تبدُ وكأنّها تُدبّر أو تخفي شيئًا.

كانت تبدو فقط... حزينة.

وذلك الحزن أقلقني أكثر ممّا أردتُ الاعتراف به.

بصراحة، كنتُ أفتقد كيفن أيضًا. لو كان هنا، لما كنّا نشعر بهذا الألم أو الإعياء.

لو كان هنا، على الأقلّ كان البؤس سيُخفّف.

•••

بعد بضع ساعات من المشي المتواصل، أخذنا أخيرًا استراحة قصيرة. ليس لأنّنا وجدنا مكانًا جيّدًا، بل لأنّنا حرفيًّا لم نعد نستطيع المشي.

انهرنا قرب انخفاض ضحل في أرض الوادي حيث كان الريح يهدأ قليلًا، متّكئين على الحجر البارد.

جلس راي أليكسيا بحذر، ينزلها كأنّها مصنوعة من زجاج.

هست الفتاة العمياء بهدوء بين أسنانها عندما لامس ظهرها الصخر، أصابعها تغوص في الحجر بقوّة كافية لتجرح الجلد.

"أنا بخير،" تمتمت قبل أن يسأل أحد.

ركع كانغ بجانبها على أيّ حال، مقدّمًا كتفه. تردّدت لجزء من الثانية قبل أن تتّكئ عليه.

ذلك وحده أخبرني مدى "بخير" التي كانت عليها حقًّا.

جلس فينس على بُعد قليل، ظهره على جدار الوادي ورأسه مائل إلى الأمام. كان صدره يعلو ويهبط ضحلًا، شفتاه متشقّقتان، ووجهه شاحب مريض.

لم يكن لديّ شكّ أنّه إن دفع نفسه أكثر، سيسقط مغشيًّا عليه.

على بُعد أماكن قليلة، بقيت ليلي واقفة. كانت عيناها مثبتتان على البُعد مرّة أخرى، مشوّشتين وزجاجيّتين، كأنّها تراقب شيئًا لا يراه إلّا هي... أو لا تراه.

"ليلي،" قلتُ بهدوء.

لم تبدُ وكأنّها سمعتْني.

تنهّدتُ، وقمتُ، ومشيتُ نحوها، متمركزًا مباشرة في خطّ رؤيتها. "ليلي."

ارتجفت هذه المرّة. انقضّت حدقتاها عليّ بسرعة وحِدّة كأنّها رُشّت بماء بارد.

"أوه— آسفة،" قالت بسرعة. "كنتُ فقط... أفكّر."

"في ماذا؟" رفعتُ حاجبي.

فتحت فمها، ثمّ أغلقته. ابتلعت ريقها. "...لا أعرف."

يا إلهي اللعين!

لقد تجاوزت بكثير الحدّ الآمن للإزعاج.

الآن كانت تُرعبني تمامًا.

2026/02/08 · 77 مشاهدة · 929 كلمة
نادي الروايات - 2026