الفصل 333: أمير السيوف المكسورة [1]
-----------
تذكّرتُ... كلّ شيء.
بما أنّ خالدريث كان متّصلًا بمايكل، فإنّ إظهاره بمناداة اسمه قد أعاد البطل إلى الواقع أيضًا.
وإعادة مايكل جعلتني أتذكّر كلّ شيء عن الحاكم الذي يأكل، وعن هجماته الكمينيّة المتكرّرة علينا.
للأسف، لم يكن لديّ وقت للتفكير في الكثير منه.
لأنّ اللحظة التي نطقتُ فيها اسمه، توقّف العالم عن التنفّس.
توقّفت الريح الباردة عن التدفّق، ولم يعد ضوء القمر القرمزيّ يصبغ الوادي بظلال الصدأ.
ساد الصمت كلّ شيء في الوادي بأكمله، من أنين الصخور البعيدة المتحرّكة إلى عواء الهواء المستمرّ بين المنحدرات، كلّه غرق تحت لون رماديّ وأسود كئيب.
نزفت الألوان من العالم.
تجمّد الزمن، وتجمّدتُ معه.
...حسنًا، ليس كلّي.
كأنّ الواقع لفّ سلاسل غير مرئيّة حول جسدي، لكنّ عقلي بقي حرًّا في الحركة. ظلّ وعيي متيقّظًا بألم، يواصل معالجة المنظر حولي حتّى وإن توقّف كلّ شيء آخر.
فلمّا رأيته بوضوح عندما ظهر أمامي.
أمير السيوف المكسورة.
الأمير الشيطانيّ السادس.
خالدريث.
كان طويلًا بشكل غير طبيعيّ، لكن ليس مجرّد طول أطراف ممدودة أو ارتفاع شاهق.
كان يشعر بالطول بسبب اليقين الهادئ الذي يحمله، يخبرك أنّه شخص كسب هذا الارتفاع عبر قرون من الوقوف فوق المهزومين.
كان إطاره عريضًا وثقيلًا، مغطّى بقطع مدمّرة من درع أوبسيديان تبدو أقلّ ما تكون مصنوعة وأكثر ما تكون نبتت فوق جلده، كأنّها اندمجت معه عبر الزمن.
لكنّ أكثر ما يلفت النظر فيه... كانت السيوف.
عشرات بل عشرات السيوف المكسورة، من كلّ صنعة وأصل، مغروزة في جسده كلّه، بارزة بزوايا بشعة من كتفيه، أضلاعه، عموده الفقريّ، حتّى فخذيه.
بعض الشفرات مقطوعة نصفين نظيفين. أخرى متشظّية، كأنّها تحطّمت عليه بقوّة جعلتها تندمج في لحمه.
حديد صدئ، فولاذ لامع، شفرات مقدسة متوهّجة — كلّ سيف يخترقه يروي قصّة محاولة إعدام فاشلة أو موقف أخير يائس، محاولة لإنهاء شيء ببساطة لا يمكن إنهاؤه.
لم يبدُ أيّ من تلك السيوف المكسورة احتفاليًّا.
بدت مستخدمة، كأنّ كلّ شفرة دُفعت فيه بحقد أو أمل أو رعب... ولم يكن أيّ من ذلك كافيًا.
لم يكن أيّ من ذلك قادرًا على إسقاطه.
كانت لحمه رماديًّا أسود، متخلّلًا بخطوط قرمزيّة خافتة كجمر مدفون تحت صهارة باردة.
حيث تخترق السيوف جسده، لم يكن هناك دم. بدلاً من ذلك، بدا المعدن حول الجروح... مُمتصًّا، كأنّ جسده ابتلع الأسلحة وادّعاها كغنائم.
لكنّ أسوأ جزء، على الأقلّ بالنسبة لي، كان وجهه. قد تتوقّع أن أقول إنّه بشع أو مخيف إلى ما لا يوصف... لكنّه لم يكن كذلك.
كان وجه خالدريث حادًّا، منحوتًا بتناسق شبه ملكيّ. عظام وجنتين عالية وفكّ قويّ أعطياه مظهر شخص قد يكون في حياة أخرى فارسًا أنيقًا أو قائدًا محترمًا.
رفعتُ نظري إلى عينيه ووجدتهما فارغتين بالطريقة التي تكون بها ساحة معركة فارغة بعد أن تتلاشى صرخات المهزومين. حفرتان لا قرار لهما من الظلام حدّقتا إليّ، لا تعكسان شيئًا، ولا حتّى نفسي.
إن كانت العيون نوافذ الروح تحمل أيّ صدق، فإنّ روحه كانت أرضًا قاحلة لم يبقَ فيها شيء.
بدت حقًّا كـ... وحش مولود من الحرب والخراب.
...على الأقلّ، حتّى ابتسم.
انحنى أحد زوايا شفتيه الرفيعتين إلى الأعلى، كاشفًا عن أنياب تشبه أنياب الخفّاش وهو يدرسُني كما تدرس شيئًا أدنى منك بكثير لدرجة أنّه بالكاد يستحقّ الاعتراف.
حينها توقّف عن أن يبدو كبقايا مأساويّة للحرب وبدأ يبدو كمفترس حاسب.
عندما تكلّم أخيرًا، جاء صوته مشوّشًا، متداخلًا بأصوات متعدّدة تتحدّث معًا. "وها أنا أظنّ أنّك ذكيّ."
لم أستطع الكلام. ليس خوفًا، بل لأنّ فكّي رفض الحركة تمامًا كباقي جسدي.
كلّ عضلة في لحمي، كلّ عرق في جسدي كانت متجذّرة في مكانها، مرفوضة أدنى حركة من كيان لا أستطيع تحدّيه.
كان ذلك عندما مدّ يده فجأة ووضع إصبعًا طويلًا على صدري.
ثمب—!!
ثمّ لم أعد داخل جسدي.
•••
"...ما هذا بحقّ الجحيم؟" ابتلعتُ ريقي بقوّة.
مشاهدة نفسي واقفًا هناك، أمامي مباشرة، كانت تجربة مربكة بطرق لم أجد كلمات لوصفها.
بقي جسدي متجمّدًا في الوضعية نفسها، عيناي مثبتتان إلى الأمام، فكّي مشدود، وأنفاسي محبوسة في منتصف الشهيق. بدا صلبًا، حقيقيًّا قدر الإمكان. وبدا حيًّا جدًّا.
ومع ذلك، كنتُ هنا، أطفو على بُعد خطوات قليلة، بلا وزن وبلا رباط.
نظرتُ إلى أسفل نحو ذراعيّ ووجدتهما شفّافين، لا يختلفان عن حالة العمّة مورغان عندما التقيتُها آخر مرّة.
كان إصبع خالدريث ما زال مستقرًّا على صدر جسدي، ومع ذلك شعرتُ بثقله على صدري أنا أيضًا.
ظلّ السكون الذي يغطّي الوادي دون انقطاع. بقي كلّ شيء متجمّدًا في ذلك الرماديّ الصامت، كأنّ العالم نفسه لم يُسمح له بالحركة بعد.
لكن إن كنتُ صادقًا، كنتُ أعرف أفضل.
لم يكن العالم متوقّفًا.
كان عقلي فقط يتحرّك أسرع من الواقع، آلاف المرّات أسرع.
أو، بكلمات أبسط، كنتُ أعيش ثانية واحدة آلاف المرّات أبطأ.
عندما تنطق اسم كيان أعلى أو تتواصل معه عبر وسائل طقسيّة، تخلق رابطًا. والكيانات العليا تحتاج فقط إلى أرفع خيط من ذلك الرابط لتؤثّر فيك.
تمامًا كما فعل.
في اللحظة التي قلتُ اسمه، سحب عقلي إلى فضاء ذهنيّ متسارع.
ثمّ، على الأرجح، قطع الرابط بين وعيي وجسدي، فاصلًا روحي قسرًا.
لأنّ اللحم مقيّد بقوانين الفيزياء، بينما الروح ليست كذلك.
"مفاجأ؟" سأل، يبدو تقريبًا مهذّبًا في فضوله.
لم أكن كذلك حقًّا. فقط مذهولًا.
واصل، مديرًا وجهه كاملًا لملاقاة نظري.
"إنّه نسخة مخفّفة من تقنيّة فصل الروح الخاصّة بي. لا تقلق. قطعتُ الرابط بين روحك وجسدك مؤقّتًا فقط. ستعود إلى لحمك عندما أشاء." اشتدّت ابتسامته وهو يضغط إصبعه أكثر على صدري، وشعرتُ بضغط شديد رغم أنّني خارج جسدي. "إن شئتُ. لأنّني إن رفعتُ إصبعي دون سحب روحك مرّة أخرى... ستموت."
كانت تهديدًا بسيطًا، يُقدَّم دون زخرفة، ولا يترك مجالًا للشكّ في أنّني كليًّا تحت رحمته.
لكنّني كنتُ أتوقّع هذا السيناريو.
...أو، حسنًا، كنتُ آمل أنّني فعلتُ.
ترى، عيب نسيان شخص عندما ينزلق من ذاكرتك هو أنّك قد لا تتذكّر إن اتّخذتَ احتياطات ضده.
فلما لم أستطع تذكّر خالدريث، لم أستطع أيضًا تذكّر إن كنتُ استعددتُ لمواجهة الأمير الشيطانيّ السادس.
الآن، مع ذلك... عرفتُ أنّني فعلتُ.
"بالتأكيد،" قلتُ، أومض له ابتسامة ودودة، "لكنّك لن تريد فعل ذلك."
ردّ على الإيماءة بابتسامة شيطانيّة خاصّة به، بوضوح مستمتعًا بإرضائي. "أوه؟ ولماذا ذلك؟"
هززتُ كتفيّ بيديّ. " لأنّ... لديّ صفقة لك، يا أمير السيوف المكسورة. "