كنتُ أدلك حاجبيّ بشدة في تلك اللحظة.
"وما هي المشكلة الثانية؟"
تلاشت ابتسامة أسموديوس قليلاً.
"المشكلة الثانية... " بدأ ببطء
"هي أن ملك الروح لا يستطيع معرفة من يحمل أي شظية."
"لقد قلتَ للتو أن القدر قد وسمهم"
"نعم وسمهم، لم يصنفهم."
ضمّ يديه بإحكام على الطاولة، وتشابكت أصابع جيك الطويلة بهدوء متعمد.
"شظايا البطاقة العاشرة لا تتجلى كقدرات. لا تتبلور في بطاقات الأصل. لا تُعلن عن نفسها للعالم، إنها صامتة."
"ماذا تقصد؟"
"أقصد... "
قال بهدوء، "أنه لا توجد طريقة للنظر إلى شخص ما والقول..' آه، هذا الشخص يحمل قطعة من زر إعادة الضبط'... بالنسبة له، كل مختار يبدو كإنسان عادي ملفوف في قدر غير ملائم.السبيل الوحيد لمعرفة من هو الشخص الحقيقي... هو عندما ينهض ليحقق مصيره."
"ما هو؟"
أجاب أسموديوس: "لمعارضته، أو على الأقل محاولة ذلك قبل أن يموتوا في معركتهم الأخيرة لإنقاذ العالم."
كدتُ أتأوه و مررتُ يدي على وجهي.
"إذن لا يستطيع حل المشكلة بسهولة "
أومأ أسموديوس قائلًا: "اجل ، لا يسعه إلا حرق الغابة بأكملها على أمل أن تسقط الشجرة المناسبة. الأرض هي آخر مكان لا يزال الجوهر يتدفق فيه، مما يعني أنها آخر مكان يمكن أن توجد فيه شظايا البطاقة العاشرة. كل عالم آخر مثل هذا قد تم... حصده."
زفرتُ زفرةً خالية من المرح.
"دعني أفهم الأمر جيدًا.... يتم غزو الكون لأن كائنًا شبيهًا بالحاكم قتل بعض الرجال المسنين، وكسر زر إعادة الضبط، والآن عليه أن يطارد مجموعة من الحمقى المساكين على الأرض الذين لا يعرفون حتى أنهم يحملون قطعًا من لعبة بطاقات حكامية داخل أرواحهم."
أمال أسموديوس رأسه متأملًا
"عندما تصيغها بهذه الطريقة... فإنها تبدو غير فعالة."
حدقت فيه.
"وتتوقع مني أن أنضم إلى الجانب الذي يحاول إنهاء هذه المهمة."
لم ينكر "هذا صحيح. انضم إلينا، ولن تضطر إلى أن تكون إحدى الأشجار التي تسقط."
تلتفت أصابعي حول حافة الطاولة. "وما الذي يجعلك تعتقد أنني سأنضم إلى طائفة انتحارية؟ سيكون الأمر مختلفًا إذا أراد الإطاحة بالحكام و تولي الحكم بعد ذلك، لكن ذلك المجنون يريد إنهاء الوجود بأكمله. هل أنتم مجانين جميعًا؟ جديا؟! "
ارتعشت شفاه أسموديوس إلى الأعلى.
لم تعجبني الطريقة التي كان يبتسم بها.
كان يبتسم وكأنه طفل لم يفهم بعد شرح طويل
"لن تقول ذلك إذا كنت تعرف الغرض الحقيقي من الوجود. من كل الواقع. إذا كنت تعرف لماذا خلق المهندسون كل شيء، وما هو الدور الذي كان من المفترض أن يلعبه كل مخلوق"
عبس بشدة...
"جيد. اشرح لي، ابدأ بمن هم هؤلاء المهندسون ."
بدا أسموديوس مفكرًا للحظة.
لكن عندما ظننتُ أنه سيجيبني، لوّح بيده في إشارة استخفاف.
"لا، لا. أعتقد أنه سيكون أكثر تسلية عندما تكتشف ذلك بنفسك. كل ما أتمناه هو أن أكون هناك لأراك تغرق في أزمة وجودية كما حدث لي ذات مرة بعد أن عرفت الحقيقة."
حافظتُ على انتظام أنفاسي. شهيق وزفير. شهيق وزفير.
كان هذا الرجل يُثير غضبي حقًا، لا جديد في ذلك.
"على أي حال،" زمجرتُ، "أنا ممتن للغاية - حسنًا، ليس حقًا - لعرض العمل السخي هذا. لكنني أعتقد أنني سأرفض العمل لدى مختل عقليًا كوني. وإلى جانب ذلك، إذا كان القدر يُناصر المختارين، فسأُناصرهم أنا أيضًا، أحب المراهنة على الفائزين."
ابتسم أمير الشياطين عند سماع ذلك، وبدأ وجهه يُشبه وجهه أكثر من وجه جيك. "يا لك من فتى ساذج. متى قلتُ إنهم الوحيدون الذين يُفضلهم القدر؟"
... ماذا؟
تجمدتُ في مكاني.
لم يعجبني أسلوبه الساخر في صوته أيضًا. "انتظر - لا، ماذا؟! ولكن إذا كان الحكام نفسهم يؤيدون القدر، فلماذا..."
قاطعني أسموديوس قبل أن أتمكن من إكمال كلامي.
"لأن القدر ليس إرادتهم. إنه نظام. خوارزمية. وُجدت للحفاظ على النظام. لاستخلاص أقصى كفاءة من الواقع. صُمم ليُعاني الناس ويبكوا، ويفرحوا ويضحكوا، وييأسوا ويتعافوا. إنه قانون وقيد في آنٍ واحد... آلية تُجبر الأرواح على الحركة، والنمو، والانكسار والتجدد.
لسوء حظك، فقد حسمت تلك الخوارزمية أمرها بالفعل." خفض صوته... " لقد قررت أن ملك الروح سينتصر. وأن الحكام سيخسرون."
كنت لا أزال أحاول استيعاب ذلك عندما اقترب مني.
"أتعلم يا سامائيل، أريد تجنيدك لأنك ستكون وعاءً مثاليًا لأمير الشياطين العاشر" أشار عرضًا إلى نفسه - أو بالأحرى، إلى جسد جيك.
"أفضل بكثير من مضيفي الحالي. ليس من السهل العثور على شخص انهار مصيره، على أي حال. يموت معظم الناس عندما يُقرر القدر موتهم، كما تعلم؟ و لكن بوجودك أو بدونك، سننتصر لأنه مكتوب في النجوم نفسها".
كان رأسي يدور حقًا الآن.
"العاشر؟!"صرخت.
"ماذا تقصد بالأمير الشيطاني العاشر بحق خالق الجحيم؟! من المفترض أن يكون هناك تسعة فقط! من المفترض أن تكون ملكة العفن هي القطعة الأخيرة من أحجية الكابوس التي يبنيها ملك الروح!"
أومأ أسموديوس برأسه، ولا يزال يبتسم.
"في الأصل، نعم... كان الأمير الشيطاني العاشر مجرد احتمال. عرش شاغر في تسلسل المدنسين محجوز للكائن الوحيد الذي يمكن أن يوجد خارج خوارزمية النجوم."
نهض على قدميه. وبينما كان يفعل ذلك، بدأت كافتيريا الأكاديمية بالانهيار.
ذابت أرضية الرخام المصقولة في سديم دوامة من الحبر الأسود. تمزق السقف في الأعلى، كاشفًا عن سماءٍ تتلاشى فيها الكواكب الكثيفة واحدا تلو الآخر، مثل الشموع التي تحترق في عاصفة هوجاء.
قال أسموديوس بخفة: "يمثل الأمراء التسعة اكتمال جيش ملك الروح الأبدي. أنا أحكم الرغبة، التي تعطي التوجيه. التوجيه يولد القدر، الذي يستطيع فيغار رؤيته. مع مرور الوقت، عندما تولد ملكة العفن، ستكون قادرة على قطع خيوط القدر. لكننا جميعًا ما زلنا موجودين داخل حدوده. لهذا السبب لم نتمكن أبدًا من معارضة الحكام العلويين بشكل مباشر. أما العاشر... فهو منصب مخصص لشخص لم يعد لديه قدر يتم التلاعب به بعد الآن."
خطا عبر الأرضية المتلاشية وتوقف أمامي مباشرة، فحجب ظله المهيب النجوم المحتضرة في الأعلى.
لم يعد يرتدي جسد جيك.
لكن تلك الابتسامة المقلقة نفسها ارتسمت على وجهه الذي بات الآن غير بشري وهو يتابع: "أنت تُناسب هذا الدور تمامًا. لقد انهار نولك. أنت موجود خارجه الآن. ليس لديك أدنى فكرة عما يمكن أن يفعله بك الكائن الأسمى، ومدى القوة التي يمكنه أن يُشكّلك بها. خاصةً وأنك بالفعل ظلٌ لأحد الكائنين البدائيين."
أمال رأسه. "لكن لا تسئ فهمي. أنت لست خياري الوحيد. لديّ طريقة أخرى لإخراج مضيفي الحالي من النول أيضًا. ومن المفارقات، أنك بتغيير مصيرك، غيّرت مصيره أيضًا. أظن أنه يسير الآن في الطريق الذي كان مُعدًا لك، مُحققًا مصيرًا كان من المفترض أن يكون لك. يُمكنني العمل على ذلك في النهاية. لكن الأمر سيستغرق وقتًا. لذا آمل حقًا أن تعيد النظر. سيوفر عليّ ذلك الكثير من المتاعب."
وقفتُ هناك بين بقايا العالم المنهار ، والظلام يبتلع كل شيء من حولنا. ثم أخذتُ نفسًا عميقًا وأطلقتُ زفيرًا بكلمة واحدة.
"لا"
"عفوًا؟"
"لا." رفع أسموديوس حاجبه.
"لماذا يا سمائيل؟ لماذا كل هذا العناد؟ أنا أعرض عليك النجاة. السبب الوحيد الذي يدفعك لخوض هذه الحرب هو أنك لا تريد أن تموت مع بقية العالم. أقول لك إنك لن تموت. سـ...."
"تتحوّل إلى وحش،"
أكملتُ كلامه.
ضمّ شفتيه برفق. "لن تفقد وعيك. ستظل أنت"
"هل تعلم،"
قاطعته "كان هناك رجلٌ سُحقت سفينته بالجليد، وبقي طاقمه عالقًا لمئات الأيام في القطب الجنوبي عبر ما يقارب ألف ميل من أخطر محيطات العالم في قارب نجاة لمجرد العثور على المساعدة. ولم يفقد رجلًا واحدًا ".
حدّق أمير الشياطين السابع.
"عن ماذا تتحدث؟"
كانت انا من يتجاهله الآن.
"كانت هناك حربٌ وقف فيها بضع مئات من الفرسان في وجه آلاف الغزاة. عندما نفدت ذخيرتهم، التقطوا السهام التي أُطلقت عليهم وأعادوا إطلاقها. ثم كانت هناك فتاة مراهقة أُصيبت برصاصة في رأسها لمجرد رغبتها في الذهاب إلى المدرسة. نهضت بعد ذلك وأصبحت صوتًا لم يستطع نظامٌ بأكمله إسكاته."
صمت أسموديوس.
"نحن جنسٌ بُني على الحقد، أيها الشيطان الأحمق!" صرختُ. "لقد نجونا من عصور جليدية، وشتاءات بركانية، وقدرتنا اللامتناهية على تدمير أنفسنا. نحن مجموعة من فرصٍ نادرةٍ للغاية، لكنها أتت بثمارها بطريقةٍ ما. ربما قادنا القدر. ربما فعل الحكام لكن كانت لدينا حرية الاستسلام في أي لحظة... ولم نفعل.
حتى عندما تحطمت أرواحنا، ظللنا صامدين.
"إذن... "
"لا " صرختُ، بحدةٍ هذه المرة. "لن أنضم إليك.
لأنه لا يوجد شيءٌ أكثر دناءةً من مخلوقٍ يخون جنسه. ما تسمونه عنادًا... أنا أسميه إرثًا."
بدا أسموديوس متفاجئًا حقًا عندما رددتُ عليه كلماته.لكن ذلك لم يوقفني.
"لا يهمني إن قال القدر إننا سنخسر. لا يهمني إن كانت النجوم قد كتبت النهاية بالفعل. إذا كان خياري هو الموت كإنسان أو العيش كدمية في يد من يدّعي أنه الأعلى، فأنا أختار الموت. هذا هو جوابي على عرضك يا أسموديوس. ما دمتُ واقفًا على الأرض، لن تسقط البشرية. أحضر ملكك. أحضر جيشك. افعل ما يحلو لك. لكن عليك أن تجتازني لتأخذ شبرًا واحدًا من عالمي."
وبحلول الوقت الذي انتهيت فيه من كلامي، لم يبدُ أمير الشياطين غاضبًا... بدا عليه... خيبة الأمل.
"يا للعجب،" تمتم. " مؤسف، كما تقول.. يا للسذاجة. لم أظنك من النوع البطولي. حقًا لم أظن ذلك... ظننتك أكثر واقعية من ذلك."
ساد صمت مطبق.
للحظة، تباطأ السديم الدوّار، حتى أن النجوم توقفت عن الوميض.
وقف أسموديوس ساكنًا وفمه مفتوح قليلًا، قبل أن ترتسم ابتسامة خفيفة على شفتيه مرة أخرى.
"أنا محبط حقًا...لكن... لقد نطقت باسمي أخيرًا... "