1 - عندما يطرق الماضي الباب

يقولون إن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح...

بل بالذكريات.

وبعض الذكريات، عندما تعود، لا تعيد أصحابها كما كانوا.

---

في تلك الليلة، كان القمر مكتملًا على نحوٍ غريب.

كأن السماء نفسها تحاول تذكّر شيءٍ نسيته منذ زمنٍ بعيد.

الريح الباردة كانت تمرّ بين أشجار القرية النائمة، فتجعل أغصانها تتمايل ببطء، وكأنها تهمس بلغاتٍ قديمة لا يفهمها أحد.

أما داخل المنزل الصغير القابع عند طرف البلدة...

فكان الصمت سيد المكان.

ضوء مصباح زيتي وحيد يتراقص فوق الجدران الحجرية، ناشرًا ظلالًا طويلة بدت أحيانًا وكأنها تتحرك من تلقاء نفسها.

جلست زينب قرب نافذتها المعتادة.

فتاة في الثامنة عشرة من عمرها.

شعر فضي طويل ينسدل على كتفيها مثل خيوط ضوءٍ هربت من القمر، وعينان زمرديتان تحملان حزنًا أكبر من عمرها بكثير.

كانت أمامها مذكّرة جلدية قديمة.

المذكّرة نفسها التي بدأت الكتابة فيها يوم اختفى والدها.

ثماني سنوات...

وثماني سنوات من الأسئلة بلا إجابات.

أمسكت الريشة، ثم ظلت تحدق في الصفحة البيضاء طويلًا.

كأن الكلمات تخاف الخروج.

وأخيرًا كتبت:

"مذكرتي العزيزة...

اليوم أبلغ الثامنة عشرة.

أنا وزين أصبحنا بالغين رسميًا.

كان أبي يقول دائمًا إن هذا العمر سيغيّر كل شيء.

لا أعرف لماذا...

لكنني أشعر أن شيئًا ما ينتظرنا."

توقفت.

حدقت في آخر جملة.

ثم شعرت بقشعريرة تسري في جسدها دون سبب.

رفعت رأسها نحو النافذة.

هناك...

خلف زجاجها البارد...

كان القمر يحدق بها.

للحظة قصيرة جدًا...

شعرت وكأن أحدًا يراقبها من الخارج.

قفز قلبها بعنف.

نهضت سريعًا واتجهت نحو النافذة.

فتحتها.

اندفعت الرياح إلى الغرفة.

لكن الخارج كان فارغًا.

لا أحد.

فقط الأشجار...

والقمر...

وصوت بعيد يشبه الهمس.

أغلقت النافذة ببطء.

ثم ضحكت على نفسها.

"ربما لأنني لم أنم جيدًا..."

همست بذلك محاولة طرد التوتر.

لكن شعورًا غامضًا ظل عالقًا داخل صدرها.

شعور يقول إن هذه الليلة ليست ليلة عادية.

وأن شيئًا ما...

سيبدأ الليلة.

---

وقبل أن تستسلم لأفكارها...

دوّى صوت طرقات على الباب.

طرقات هادئة.

لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يتوقف لثانية.

نظرت نحو الساعة المعلقة على الجدار.

منتصف الليل تقريبًا.

من قد يأتي في هذا الوقت؟

ازدادت الطرقات.

نهضت مسرعة.

هبطت درجات السلم الخشبي.

واحدة...

ثم أخرى...

ثم أخرى...

حتى وصلت إلى الباب.

وضعت يدها على المقبض.

ترددت.

ثم فتحته.

وعندها...

اتسعت عيناها.

"لقد عدت يا أختي."

كان زين واقفًا أمامها.

مبتسمًا.

كما لو أن كل شيء في العالم ما زال بخير.

لم تستطع زينب أن تتحرك لثوانٍ.

كأن عقلها احتاج وقتًا ليتأكد أن الشخص الواقف أمامها حقيقي، وليس مجرد أمنية تسللت من بين أحلامها.

وقف زين عند عتبة الباب، يحمل حقيبة سفر صغيرة فوق كتفه، بينما كانت قطرات المطر الخفيفة تلمع فوق شعره الأحمر الداكن. بدا أطول مما تتذكره، وأكثر نضجًا... لكن ابتسامته بقيت كما هي.

الابتسامة نفسها التي كانت تطمئنها دائمًا.

ارتجفت شفتاها.

ثم اندفعت نحوه فجأة.

اصطدمت بصدره وعانقته بقوة حتى كادت تسقط الحقيبة من يده.

ضحك بخفوت وهو يربت على رأسها.

"مهلًا... هل غبت عشر سنوات أم شهرًا واحدًا فقط؟"

لكن زينب لم تجب.

كانت تشد على معطفه بصمت.

وكأنها تخشى أن يختفي إذا تركته.

مرّت عدة لحظات قبل أن تبتعد عنه قليلًا وتمسح دموعها بسرعة.

"اشتقت إليك..."

نظر إليها بعينين دافئتين.

"وأنا أيضًا."

دخل المنزل وأغلق الباب خلفه.

في اللحظة التي وطئت فيها قدماه أرضية المنزل...

صدر صوت خافت.

طَق.

صوت غريب.

قصير جدًا.

كأن شيئًا في أعماق المنزل استيقظ للحظة.

التفت زين نحو مصدر الصوت.

لكن كل شيء كان ساكنًا.

لم يبدِ اهتمامًا كبيرًا.

أما زينب فلم تسمعه أصلًا.

---

بعد ساعة...

كانت رائحة الطعام تملأ المنزل.

حساء العدس الساخن

والباذنجان المحشو الذي كان الطبق المفضل لدى والدهما.

جلسا حول المائدة الخشبية القديمة.

لأول مرة منذ شهر كامل.

ضحكا.

تحدثا.

وتبادلا القصص الصغيرة التي تراكمت خلال غيابه.

لكن شيئًا ما كان ناقصًا.

كان هناك مقعد فارغ دائمًا.

مقعد العمّة نرجس.

كانت زينب تنظر إليه بين الحين والآخر دون أن تشعر.

لاحظ زين ذلك.

فهدأت ابتسامته.

نظر هو الآخر إلى المقعد.

ثم قال بصوت منخفض:

"ما زلت أتوقع أن تدخل فجأة وتوبخني لأنني أترك حذائي عند الباب."

ابتسمت زينب بحزن.

"وأنا ما زلت أتوقع أن أستيقظ فأجدها تعد الشاي."

ساد الصمت.

صمت ثقيل.

لكن ليس صمتًا مؤلمًا.

بل صمت يشبه الدعاء.

صمت الأشخاص الذين فقدوا أحدًا وما زالوا يحبونه.

---

بعد انتهاء العشاء.

جلسا قرب المدفأة.

كانت ألسنة النار تتراقص داخلها بهدوء.

خارج المنزل كانت الرياح تعصف بين الأشجار.

أما الداخل فكان دافئًا على نحو مريح.

أخذت زينب نفسًا عميقًا.

ثم قالت:

"زين."

رفع رأسه.

"نعم؟"

ترددت للحظة.

ثم قالت:

"ألا تشعر أن الوقت قد حان؟"

عقد حاجبيه.

"لأي شيء؟"

نظرت إلى النار المشتعلة.

ثم همست:

"للعودة إلى منزل أبي."

اختفت ابتسامته.

فجأة.

وكأن السؤال أيقظ ذكرى قديمة.

ذكرى كان يحاول تجاهلها.

أطرق برأسه قليلًا.

"لماذا الآن؟"

"لأننا أصبحنا في الثامنة عشرة."

رفعت عينيها نحوه.

"لأننا انتظرنا ثماني سنوات كاملة."

صمتت لثانية.

ثم أضافت:

"ولأنني تعبت من الجهل."

ساد الصمت مجددًا.

كانت النار تشتعل بينهما.

تلقي بظلال متراقصة فوق الجدران.

وأخيرًا تنهد زين.

"كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي."

"إذن؟"

ابتسم ابتسامة صغيرة.

"إذن سنذهب."

اتسعت عيناها.

"حقًا؟"

هز رأسه.

"غدًا صباحًا."

ثم أضاف وهو ينهض:

"لكن إن ظهر شبح في ذلك المنزل فأنتِ من ستتحدثين معه."

ضحكت رغم توترها.

"وأنت ستختبئ خلفي كالعادة."

_"هذا افتراء."

"بل حقيقة."

_"أعترض."

"مرفوض."

..........

ولأول مرة منذ أسابيع...

امتلأ المنزل بالضحك.

لكن لا زين.

ولا زينب.

لاحظا أن صورة والدهما المعلقة فوق المدفأة...

كانت قد مالت قليلًا نحو اليمين.

وكأن أحدًا لمسها للتو.

رغم أن لا أحد اقترب منها.

ورغم أن النوافذ كلها كانت مغلقة.

في مكان ما...

بعيدًا جدًا...

كان شيء ما ينتظر.

وكان يعلم...

أنهما أخيرًا قررا العودة.

يتبع...

2026/06/14 · 93 مشاهدة · 873 كلمة
زين
نادي الروايات - 2026