منذ آلاف السنين يتحدث الحكماء عن سبع سماوات تعلو هذا الكون، ويقابلها في الأسفل سبع أراضٍ عظيمة.
لكن البشر لم يعرفوا سوى الأرض الأولى…
الأرض التي يعيشون عليها.
أما الأراضي الست الأخرى، فقد بقيت أسرارًا غامضة لم يصل إليها إنسان، ولا عرف أحد أين تبدأ… وأين تنتهي.
في هذا العالم الواسع، وفي صحراء شاسعة تمتد بلا نهاية، حيث تعوي الرياح بين الكثبان وتبتلع الرمال آثار المسافرين، عاش شيخ يُدعى جيافاكرو.
كان رجلًا تقدّم به العمر، وامتلأ قلبه بالضيق من البشر.
فقد أمضى سنوات طويلة بين الناس تاجرًا يجوب المدن، لكنه لم يرَ منهم إلا الكذب والخيانة والطمع.
خُدع من شركاء وثق بهم، وسُلبت منه أموال جمعها بعرق السنين، حتى أصبح قلبه مثقلًا بالمرارة.
وفي ليلة هادئة، كان جيافاكرو جالسًا وحده في غرفته، ينظر إلى الظلام من حوله.
تنهد ببطء وقال لنفسه:
"لماذا أعاني من الناس؟ لماذا لا أجد بينهم سوى الكذب والطمع؟ أهذا ما تبقى لي في آخر عمري؟"
ظلّ الشيخ طوال الليل يفكر، يبحث عن طريقة تمنحه بعض السلام في ما تبقى من حياته.
ومع طلوع الشمس…
حسم أمره أخيرًا.
قرر أن يترك كل شيء خلفه.
باع بيته، وتخلى عن معظم ممتلكاته، ثم غادر المدينة التي كانت الرمال تحيط بها من كل جانب، متجهًا نحو عمق الصحراء.
حمل معه عربة صغيرة وضع فيها بعض المؤن، وسيفه القديم، وعدة براميل من الماء، ثم بدأ رحلته الطويلة.
كان جيافاكرو يعرف طرق الصحراء جيدًا، فقد قضى سنوات من حياته تاجرًا يسافر بين المدن.
ورغم كبر سنه، إلا أن جسده كان لا يزال قويًا.
لكن هدفه هذه المرة لم يكن التجارة…
بل الهروب من البشر.
بعد مسيرة ثلاثة أيام بين الكثبان، بدأ يخشى أن ينفد الماء.
لكنه تذكر وجود بحيرة صغيرة في تلك المنطقة، فقرر التوجه إليها.
كانت البحيرة مكانًا تقصده الحيوانات والطيور، وكذلك التجار العابرون في الصحراء، إذ لم يكن هناك مصدر ماء آخر قريب.
وعندما وصل إليها، نزل من عربته ببطء.
شرب هو وحصانه حتى ارتويا، ثم ملأ براميله بالماء.
بعد ذلك بدأ يبحث عن مكان مناسب ليعيش فيه.
وبين مجموعة من الهضاب الصخرية، وجد موقعًا مخفيًا عن الأنظار، تحيط به الصخور من كل جانب.
رأى أنه مكان مثالي.
جمع بعض الأخشاب، وبنى كوخًا بسيطًا أصبح منزله الجديد.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت حياة جيافاكرو تسير بهدوء.
كان يخرج كل صباح ليجمع الحطب، ويتدرب قليلًا بسيفه حتى لا يضعف جسده، ثم يعود إلى كوخه ليعد طعامه.
أما بقية يومه، فكان يقضيها في قراءة الكتب التي أحضرها معه من المدينة.
مرت الأيام بسلام…
حتى جاء يوم بدأ فيه الطعام ينفد.
جلس جيافاكرو يفكر في حل لهذه المشكلة.
وبينما كان غارقًا في التفكير، لمح نبتة صغيرة تنبت قرب الصخور.
اقتلعها ليتفحصها، ثم اتسعت عيناه دهشة.
لقد كانت نبتة طبية نادرة يعرفها جيدًا من أيام تجارته.
أسرع وأحضر سلة، وبدأ يجمع كمية كبيرة منها.
ثم ذهب إلى البحيرة وانتظر مرور بعض التجار.
وعندما وصلوا، باع لهم تلك النبتة مقابل الطعام.
استمر على هذا الحال عدة أيام.
لكن مع مرور الوقت، بدأت تلك النبتة تختفي من المناطق القريبة من البحيرة، فأصبح يبتعد أكثر فأكثر في الصحراء بحثًا عنها.
وفي أحد الأيام…
ابتعد كثيرًا… أكثر مما ينبغي.
وعندما حاول العودة، توقف فجأة.
نظر حوله بقلق.
لم يعد يتعرف على المكان.
الكثبان لم تعد في أماكنها…
والصخور بدت مختلفة…
حتى الرياح كانت تهب من اتجاه غريب.
شعر جيافاكرو بأن الصحراء نفسها تغيرت.
ظل يمشي يومين كاملين بلا اتجاه واضح، حتى نفد منه الطعام.
وكان التعب ينهش جسده.
وفي الأفق ظهرت سلسلة جبلية داكنة.
لم يكن يريد الذهاب إليها.
فقد سمع شائعات قديمة تقول إن من يدخل تلك الجبال يضيع فيها إلى الأبد… ولا يعود.
لكن لم يكن أمامه خيار آخر.
فاتجه نحوها.
مشى أربعة أيام بين الصخور والوديان، يبحث عن ماء أو طعام، حتى كاد جسده ينهار من الإرهاق.
ثم…
رأى كهفًا.
وعندما اقترب منه، سمع صوت خرير ماء يأتي من الداخل.
دخل الكهف بسرعة.
وفي أعماقه وجد بحيرة صغيرة، وكان الماء يقطر من سقف الكهف.
انحنى وبدأ يشرب بشراهة.
وبعد أن هدأ عطشه، لاحظ وجود طحالب تنمو على الصخور.
لم يكن أمامه خيار.
أجبر نفسه على أكلها، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيه.
جلس في زاوية الكهف، وصوت الرياح يتردد في الممرات المظلمة.
وقال بصوت مكسور:
"هل كان قراري بترك المدينة… خطأ؟"
وفي تلك اللحظة…
دوّى صوت عميق في ظلام الكهف.