المستند الثاني من رواية انتقام السيف (زيرو)
بعد مرور ما يقارب ثلاثمائة سنة من حادثة الياس ، وتكوين مملكة نصال الجديدة بحكم ابنه آسر ، تفرعت العائلة الملكية إلى ثلاث عوائل
رئيسية ، من نسل آسر بن الياس يتم تناقل الحكم فيما بينهم وكان يُنقش على الكتف الأيسر لكل مولود من العائلة الملكية شعار درع الياس ،
والذي يرمز الى الفخر والقوة ، والتي تعتبرها العائلة الملكية رمز فخري لها ، اُورث سيف إلياس بين العوائل الثلاث وقد تم تقسيم قوة
السيف إلى ... النصل ، المقبض ، الغمد ، تمتلك كل عائلة احدى عناصر السيف ، وتعتبر كل العوائل الملكية الثلاث عنصرها كرمز فخري لها
أيضا ، يتم توريثه فيما بينهم ، بنسبها الى آسر والياس ، ولكن يحرم استخدامه!، وفي فترتنا الحالية ، كان الحكم بيد عائلة قيس الابن الأكبر
من بين تلك العوائل ، حكم قيس مملكة نصال لفترة زمنية طويلة ، وكان يعرف بالقوة والغلظة ، وكان شديد القوام ولكن بدا ينهش الكبر
عظمه، ويفتر لحمه ، تراءى قيس أنه يجب يقوم بتحديد الوريث الجديد للمملكة بين العوائل الثلاث، عن طريق مراسم المبارزة الملكية لتحديد
الوريث الجديد للمملكة ، والتي تم توارثها منذ ثلاث مئة سنة ، لتحديد الملك الجديد من بين العائلات الثلاث، قاد بتحديد موعد المبارزة
المليكة والتي سوف تتم بعد عشر سنوات ، حيث يمكن لجميع العوائل الاستعداد ، وفي خلال تلك الفترة ، يتم فيها اختيار الابن الأكبر فقط
لكل عائلة ، وان لم يكن هنالك، لا تشارك تلك العائلة في المراسم وتخسر شرف حكمها للمملكة حتى الوريث القادم لذلك كل العائلات الثلاث ،
تسعى جاهدةً لنيل هذا الشرف وتعد له العدة كأنها سوف تخوض حرباً .
لقد أراد الملك قيس بشدة أن ينقل ميراث الحكم إلى وريث قوي يحمل فخر الأسرة في عروقه. ولكنه كان يعاني من مشكلة كبيرة؛ فلقد
كان لقيس صبيان توأمان متماثلان ، زين و زيد ، لا يفرق الناس بينهما، فأبناؤه الذين يشتد الشبه بينهم، زين وزيد، كانا يعيشان تحت سقف واحد
بينما يفصل بينهما عالم من الاختلافات ، يبلغ كل منهما تسع سنوات ، بدأ الملك قيس في تدريبهما على السيافة و المبارزة بصرامة شديدة
، ولكن كان الابن الأكبر زين ضعيف جدا ولا توجد به الموهبة والإمكانيات عكس أخيه زيد التي كانت تظهر عليه القوة و الموهبة منذ صغره ،
بدأ الملك قيس باحتقار زين لأنه ضعيف جدا ولا يستطيع ان يوصله الى مبتغاه ، لا بل لأنه يجب ان يشارك الابن الأكبر زين في هذه المراسم ولا
يستطيع زيد ذلك ، شعر الملك قيس أن مبتغاه بدء يبتعد عن متناول يده ، كان هذا قانون المبارزة الملكية ولا تهاون في ذلك .
صب قيس جم غضبه على زين ألقى اللوم عليه، كان يوسعه ضربًا يوماً بعد يوم ويلقي عليه كلماته التي كانت كالرمح الذي يخترق قلبه
قيس:"لماذا ولدت اصلاً؟" ،"ألم تمت بعد أيها الجرذ الضعيف ؟!!" حتى أنه في بعض الأوقات كان الملك قيس يحبس زين في زنزانة في القبو
لمدة أسابيع مع تدريبات شاقة يومية ومعاملة جاحفة واكل قليل ، كان دومًا يتبادر في ذهن زين اهذه محاولات لجعله أقوى؟ ام للتخلص
منه !!، استمر زين في تلك الحالة عدة سنوات ، حتى أصبح عمره اثني عشر سنة ، كان زين دائمًا ما يتسلل الى المدينة خارج القصر مرتديًا
عباءته ، يتمشى في الأسواق والأزقة بحثاً عن التعاطف والحب الذي لم يجده داخل جدران القصر
، يسمع أحاديث الناس لعله يجد ما يسلي به قلبه ، ولكن كان كل ما يدور حوله حديث الناس بالمدينة في ذاك الوقت ، "اسمعت عن ابن الملك
الأكبر ؟ يبدو أنه بلا فائدة " ، " سمعت أن ابن الملك الأكبر ضعيف جدا ولا فرصة لديه في الحكم ، سوف تخسر هذه العائلة حكمها بسببه"،
"نعم لن تصبح هذه المدينة العاصمة منذ الان وصاعدا ، سوف تكسد تجارتنا " ،" ليت الأمير زين لم يولد أصلا بسببه لا يستطيع زيد المشاركة"،
"آمل حقاً أن تحدث معجزة ما ، هاهاهاهاهاها" ، كانت تلك الضحكات تترد كالصدى في أذن زين اسدل زين عبائته وقبض على قلبه بيده ، وبدأ
بالركض بالأزقة مغمض عيناه تنهمر منها الدموع ، اصطدم برجل عجوز يبدو عليه الحكمة والهدوء. رفع الرجل العجوز رأسه ليرى زين، وكأنه
يعرف من هو تحت تلك العباءة قائلاً : " مالي أرى صبياً مكمد ! ، ما آلات بك الحياة يا فتى؟" فاستنكر زين قائلاً: "كيف عرفت ذلك؟" فأجاب
العجوز بابتسامة هادئة: "تستطيع العباءة أن تخفي هويتك، لكنها لا تستطيع إخفاء الحزن والألم الذي تعكسه نظرات عينيك."
صرخ زين قائلاً "اريد القوى ! " ، ضحك الرجل العجوز "اهي مهمةً لتلك الدرجة ؟ ، ألم تسمع بالقصة الحقيقية للشيطان الياس ؟
، غرق في يأسه بالرغم من قوته ومات وحيداً ، تلك هي الحقيقة المرة "
ولا زين هارباً ولم يكمل الحديث لم يرد السماع لهذا العجوز الخرف ، وتتردد في مسامع أذنيه كلمات كلام الناس عنه ، نحتها في عقله ، ولم يرد أن تتزحزح .
تغيرت مشاعر زين وتفكيره ، احتقر و كره كل شخص في هذا العالم!! … ماعدا أخاه زيد وأيضًا الخادمة الشخصية لهما، فلقد كانت كالوالدة
بالنسبة لهما ، ولكن اخاه ،كان هو الشخص الوحيد الذي يسانده ويساعده دايماً ، يجلب له الطعام خلسة، يضمد له جروحه ، ويجلب له ما
يدفئه في زنزانته المظلمة الباردة . كان يحاول دائمًا ان يكون بجانبه ، لكن كانت الشكوك تحوم في قلب زيد الاخر الاصغر، هل ما اذا كان
أخاه(زين) يكرهه ؟ ماذا يكن له في قلبه؟ كانت دائمًا تساوره هذه الشكوك ، احب زيد زين من كل قلبه ، لم يكن يريد له تلك المعاملة ، كا
ن يخاف من كرهه له ، كان دائماً يلوم نفسه .. كره زيد نفسه وقوته وكان ذلك يبدي في وجهه.
كان دائما ما يخرج زين وزيد معاً ليلعبها في حديقة القصر الكبيرة ، ولكن كانت تساؤلات زيد تطغى على قلبه في ذلك الوقت حتى لاحظ زين
ذلك ، جلس زين بجانب زيد تحت الشجرة ، مد رجليه مثله ونظر للأعلى وهو مبتسم ، قال" اعلم أنني ضعيف وبسبب ذلك يكرهني الجميع
ويتمنون ان تكون انت مكاني ولكن انا لا الومك على ذلك ابداً ، فقوتك هي فخرك انت عليك الاعتزاز بذلك ، وأنا سوف أبذل قصارى جهدي
لكي أصبح منافساً لك " وأخذ زين معطفه الذي كان يرتديه دومًا ويميزه الناس به و وضعه على كتف أخيه وهو مبتسم وقال له " فانا احبك
ولا اريد ان اخسرك ابداً " ، عندما وضع زين معطفه على أخيه ، تلألأت عيناه وهو يبتسم وطرأت له خطةً ما ، لكي يساعد أخاه ويحقق طموحات
الملك في نفس الوقت ، أخبره زيد بها بلهفه وعندما سمعها زين قام بالضحك كثيرًا ، كانت خطته انه سوف يقوم بالتنكر بزي زين و
والمشاركة في المعركة المليكة مكانه ، فلم تكن هناك فروقات بينهما في الخلقة ، يصعب جدا التمييز بينهما ، ولكن قابلها زين بالضحك و
الاعتراض على تلك الفكرة ، فلم يرد ان يعرض حياة اخيه للخطر بسببه ، قام زين وذهب قائلاً "سوف احضر بعض الحلوى انتظر هنا قليلاً"، واثناء
رجوعه وهو مبتسم نظر الى زيد فإذا به يرد له ابتسامته أيضًا … فاذا بسهم منطلق يخترق قلب زيد ويلصقه بالشجرة التي خلفه ويرديه قتيلًا
والدماء تنتثر من حوله ، حدث ذلك سريعًا جداً ، في لحظة، مازالت نظرات زين وابتسامته مرسومةً في وجهه ، تجمد زين في مكانه وهو
يشاهد ذلك المنظر ، كان ذلك يحدث ببطء كأن الزمن قد توقف عنده ، لم يستوعب ما حدث ، تشوش تفكيره ، تجمدت مشاعره ، محيت
ابتسامته ، ظل ينظر الى ذلك المشهد ولم يحرك ساكنًا ….