فتح الفتى عينيه على مشهد مألوف؛ طاولة كبيرة ممتدّة بخيرات شتى، وأضواء ملونة تُزين المكان، وزينة مبهجة تنتشر هنا وهناك، بعضها ضبابي باهت، والآخر تتضح معالمه كبالونات وقصّاصات ملونة تشكلت على هيئة حيوانات.

نظر الفتى إلى الطاولة، ورغم تنوع الأطعمة عليها إلا أن تفاصيلها ظلت مبهمة. وعلى الكراسي المحيطة بها، جلس بضعة أشخاص يتهامسون بهمهمات غير مفهومة، لكن نبراتهم بدت مألوفة، لتسحب خلفها خيطاً دافئاً من أعماق قلبه.

وفجأة، تناهى إلى مسامعه صوت حنون يقول: «هل أعجبك الطعام يا عزيزي؟ لقد صنعتُ وجبتك المفضلة». وفي تلك اللحظة، امتدت يد تحمل ملعقة وتغمسها في شيء لم يتبين ماهيته، وقبل أن تصل الملعقة إلى شفتيه، اختفى كل شيء؛ تلاشت الأضواء، وغاب الأشخاص، وتبخر الطعام والأطباق في لمح البصر، ولم يتبقَّ سوى طاولة فارغة موحشة، لا يجلس عليها سوى ذلك الفتى بشعره الطويل وعينيه المتعبتين.

تمتم الفتى بتلذذ مرير: «إنه لذيذ يا...»، ثم صمت. رنا بنظرات هشة وحائرة نحو الفراغ الذي كان يضم طيف الشخص الذي يطعمه؛ كانت الكلمة تنبض في أعماق قلبه، لكن عقله كان يرفض تصديق هذا الواقع القاسي، فضغط على أسنانه الصغيرة وتابع بغصة: «إنه لذيذ يا.. أمي».

سكت لبرهة ثم تساءل بنبرة مكسورة: «أمي.. هل أنتِ..؟». نظر إلى الطيف الضبابي أمامه، لكنه تلاشى بالفعل، فلا أحد هناك، فقط طاولة مهجورة، وصوت رياح خفيضة يتسلل إلى المكان كأغنية حزينة ومبهمة لا تفسر شيئاً، تاركة في نفسه شعوراً غريباً ومقبضاً.

عدل الفتى جلسته على الكرسي، وبقي صامتاً ينظر إلى الطبق الفارغ أمامه، وكأنه يتأمل بقايا أحلامه التي تلاشت ولن تتحقق أبداً. تحدث بصوت يحمل نبرة ناضجة لا تليق بسنه، لكنه واهن كهمس الفراشات: «لقد عدت.. لقد استطعت الرجوع، ولكن.. لماذا حاولت الرجوع؟».

وفجأة، رفع يديه الصغيرتين وقبض بهما على رأسه صارخاً بمرارة: «لماذا؟ لماذا عدتُ وحدي؟ كان من المفترض أن يعودوا». صمت قليلاً بينما انهمرت الدموع من عينيه مدراراً، وتابع بنبرة توسل انكسرت بفعل الشهقات: «أرجوك.. أرجوك لا.. لا أريد هذا..»، ثم اختنق صوته بنشيج مرير: «آه.. آه..».

وفجأة، دوت جلبة عنيفة داهمت المكان كأنها مطرقة تهشم رأس أفكاره؛ كان صوت فتح الباب هادراً وواضحاً، يعلن عن قدوم أصحابه بجرأة مفرطة، وكأنهم لا يقتحمون منزلاً مهجوراً بل يعلنون فرض سيطرتهم داخل المكان بوقاحة.

تناهت إلى مسامعه أصوات واضحة لرجال بالغين يتقدمون في الداخل، فتساءل أحدهم بصوت يملؤه التشكك: «هل هذا هو المنزل المنشود؟». رد عليه الآخر متهكماً: «وماذا تظن؟ هل تعتقد أن هناك منزلاً آخر يطابق هذه المواصفات؟ انظر حولك، خيوط العنكبوت تملأ كل زاوية».

علق الرجل الأول قائلاً: «ظننته يمزح حين أسماه "بيت العناكب"، لكن بعد رؤية هذا المنظر، أظن أن وصفه لم يكن مبالغاً فيه أبداً. احترس ألا يلدغك عنكبوت، إلا إن كنت ترغب في أن تصبح "سبايدرمان"». رد الثاني بسخرية وهو يتلفت حوله: «ليتني أجد واحداً ليلدغني، أن أكون "سبايدرمان" أفضل بكثير من الاستمرار في هذه الوظيفة الوضيعة براتبها المنخفض».

ضحك الأول وقال بتهكم: «بالتأكيد، لكن استعد أولاً لخسارة حبيبتك ووالدتك، إنه مجرد ثمن بسيط للحصول على قوى خارقة. ولا تقلق، سأقوم أنا بدور عمك الأحمق لأوصيك قبل موتي ألا تستخدمها في الشر».

قهقه الرجل الثاني، ومع تقدمهما في ردهة المنزل المظلم، تجمد الرجل الأول في مكانه وسقط أرضاً من فرط الصدمة.

هناك، في عتمة الزاوية، كان الفتى جالساً يرقبهما بفضول وبراءة طاغية، بينما ينسدل شعره الطويل ليغطي ملامح وجهه. كانت نظراته غريبة ومبهمة، من ذلك النوع الفريد الذي يمتلكه بعض الأطفال؛ تجعلك تشعر وكأنه يخترق جسدك ليقرأ خفايا روحك ويجردك من أسرارك.

تمتم الرجل الثاني بوجل وهو يتراجع خطوة: «روح..؟». فزجره الأول محاولاً استعادة توازنه وتماسك نفسه: «روح ماذا يا أحمق؟ تباً لك».

تقدم الرجل الأول ببطء ونظر إلى الصغير قائلاً بنبرة متذبذبة: «هل أنت بخير؟ لماذا أنت...؟». انقطعت الكلمات في حنجرته بمجرد أن تبيّنت ملامح الفتى كاملة؛ كان الصغير جميلاً حقاً، بملامح ناعمة تشبه الفتيات، لكن المشكلة لم تكن في جماله، بل في التناقض الصارخ الذي تحمله عيناه؛ فراغ موحش وبراءة طفولية يجتمعان معاً في آن واحد، كأنما روحان متنافرتان في جسد واحد مقسوم.

فضلاً عن ذلك، كان جسد الفتى مغطى بالندوب والجروح الكثيرة، في منظر يجعلك تدرك فجأة قيمة سلامة جسدك وعافيته.

تقدم الفتى نحوهما بهدوء، يرافقه ارتعاش خفيف ومقلق، وتحدث بصوت واهن ومتقطع كأنه حفيف أجنحة الفراشات قائلاً: «أيها... العم...».

تحدث الفتى بصوت يحمل خزانة من الكلمات غير المنطوقة، بلسانٍ يكاد يخون صاحبه لينطق بها : «أيها العم.. أين أمي؟ لقد ذهبتْ إلى السوق، أليس كذلك؟».

تقدم الفتى نحوه بإصرار يملؤه اليأس والجوع ، وتابع ملاحقاً إياه بنظراته: «هي في السوق، صحيح؟ سوف تعود، أليس كذلك؟ سوف.. سوف.. سوف..». انقطعت الكلمات فجأة في حلقه وكأن غصة خنقته، ثم تمتم بصعوبة وعيناه شاخصتان: «هـ.. هـ.. هي ستعطيني...»، وقبل أن يكمل، انسابت الدموع بغزارة لتغسل وجهه الشاحب.

تقدم الرجل الأول ماداً يده المفتوحة، وقال بنبرة تقطر حناناً وشفقة: «اهدأ..».

وفجأة، قاطعه الرجل الثاني ممسكاً بذراعه بقوة ليمنعه، وقال بنبرة متوترة: «ماذا تفعل؟ هل تظن حقاً أن هذا الكائن فتاة؟ ادهسني بسيارة إن كان هذا الشيء مجرد فتاة».

التفت إليه الرجل الأول بغضب مكتوم وقال: «ماذا دهاك؟ اتركني أيها اللعين الجبان».

رد الرجل الثاني محذراً وهو يتراجع خطوة: «انظر إلى عينيه جيداً، هذه بالتأكيد ليست نظرة فتاة حزينة».

أبعد الرجل الأول يد صاحبه عنه بعنف وقال: «هل ستترك طفلة صغيرة لمجرد أوهامك اللعينة؟». ثم أعاد نظره إلى الصغير ومد يده إليه بهدوء، قائلاً بصوت منخفض: «اهدئي.. هل يمكنكِ أن تخبريني...».

وفجأة، اتسعت عينا الرجل الأول بصدمة، وتجمدت الكلمات في جوفه، بينما تراجع خطوة إلى الوراء والخوف يتسلل إلى ملامحه.

كانت عينا الفتى متسعتين إلى أقصى حد، والارتباك يلطخ ملامحه تماماً كما تلطخ الدموع وجنتيه. وفي تلك اللحظة، دار سؤال صامت في أعماق عقله الممزق: «ستعطيني ماذا؟ ماذا سوف تعطيني؟».

أمسك الفتى رأسه بكفيه بذهول شديد، ونظر إلى الأرضية المتهالكة، ثم أطلق صرخة مكتومة استنزفت كل ما تبقى من صوته؛ صرخة خافتة وهادئة لكنها مشبعة بالرعب والضياع، وقال بنبرة مرتجفة: «ماذا سوف تعطيني؟».

فجأة، أمسك الرجل الثاني بذراع الرجل الأول وقام بسحبه بقوة إلى الخلف، وهو يقول بنبرة متوترة: «ابتعد عن هذا الشيء الآن، إنه بالتأكيد ليس بشرياً، أنت لا تستطيع حتى رؤية ملامح وجهه بشكل طبيعي».

كان الرجل الأول غارقاً في ذهول شديد، والخوف يتسرب إلى أعماقه كالسُم. لم يكن الأمر منطقياً؛ طفلة صغيرة داخل منزل هُجر منذ سنوات، وتصرخ فجأة بهذا الشكل المريب. كان عقله يصرخ به كي يهرب، معلناً الحرب على كل غريزة إنسانية لحماية الأطفال داخل روحه. استسلم تماماً لصديقه الذي كان يسحبه وهو في حالة من الجمود التام؛ فمهما يكن الشيء الذي رآه، لم تكن تلك نظرة طفل أبداً، أو على الأقل كان شيئاً غريباً وموحشاً، وكان هذا الشعور كافياً لجعله يفر تاركاً الصغير وحيداً في عتمة المكان.

استمر الرجل الثاني في سحب زميله المذهول، بينما كانت أصوات خطواتهما المتسارعة تنطبع في أعماق ذاكرة الفتى، كذكرى مألوفة وقديمة تكررت كثيراً من قبل.

وبصيحة ذعر أطلقها الرجل الثاني، هرع الاثنان خارجين من المنزل يركضان بهستيرية، تاركين الباب وراءهما مفتوحاً على مصراعيه، ليعود الهدوء ويعم المكان من جديد، مخلفاً وراءه آثاراً خفية ستدوم في زوايا هذا المنزل لسنوات طويلة.. وفي نفس الفتى أيضاً.

في الخارج، كانت الأضواء الحمراء والزرقاء تخترق عتمة الليل، أضواء تنبعث من سيارة الشرطة المتوقفة، لتلوح في الأفق كأنها وهم زائف بالأمان.

تحدث الرجل الثاني فجأة بصوت متقطع ومتلعثم: «أقسم لك أنه كان شبحاً لقد رايته قبل ساعات ، كان شعره طويلاً، كان..». وانقطع كلامه ليتجرع بعض الماء من زجاجة قدمها له الشرطي الأول.

قال الشرطي الأول بنبرة هادئة: «هدئ من روعك، خذ نفساً عميقاً ثم تحدث».

في تلك الأثناء، سُمع صوت فتح باب السيارة، وخرج منها رجل آخر؛ رجل مسن ذو لحية كثيفة، يبدو من نظراته الساخرة أنه اعتاد على مثل هذه الأمور في عمله. تقدم نحوهما وقال بتذمر وانزعاج: «اتركه وشأنه، لن تستطيع فهم أي شيء منه الآن».

سأله الشرطي الأول، وكان شاباً يافعاً ذو جسد نحيف: «هل أنقلهما إلى المركز؟».

رد الرجل المسن وهو ينظر إلى الشاب: «أنت لم تفهم ما أقصد بعد». تنهد بملل وتابع: «الشيء الوحيد الذي سنقدمه لهما هو مخالفة بلاغ كاذب. اسمع مني، هناك رجال مثلهم مهووسون بالأشباح أو بأي هراء آخر، ويتصلون بالشرطة لمجرد أن يجدوا من يصدق ترهاتهم».

صاح الرجل الثاني باعتراض صدمه القرار: «غرامة؟ لكني لم أكذب، أقسم لك أنني رأيت شبحاً، اسأله هو». وأشار بيده المرتجفة نحو زميله.

كان الرجل الأول جالساً بصمت، يمسك بزجاجة الماء وينظر إلى الأرض الفراغ، وكأنه غارق في عالمه الخاص، معزول تماماً عن الضوضاء التي تدور حوله.

اقترب منه الشرطي وسأله: «يا هذا، هل لديك ما تضيفه؟».

صمت الرجل الأول لفترة طويلة، وبدا كأن روحه عادت إليه ببطء، ثم قال بصوت خافت ونبرة غائبة صدمت الجميع: «لقد كان طفلاً.. كانت طفلة صغيرة».

تحدث الرجل الكبير بنبرة تجمع بين الصدمة والسخرية قائلاً: «طفل؟ لو أخبرتني عن وحش بوجه إنسان أو هراء من هذا القبيل لقلت إنك تحاول الحفاظ على كرامتك، لكن طفل؟ هل تهرب من طفل؟».

ضحك الرجل بسخرية، وأمسك بالكشاف المثبت في جيبه مكملاً: «فلنذهب ولنرى تلك الروح المسكونة في هذا المنزل المهجور». ثم التفت نحو الشرطي الآخر بنظرة متهكمة وأضاف: «إذا هاجمتك، فقط اركلها».

تنهد الشرطي الأقل خبرة، وفتح باب السيارة ليتناول بعض الأدوات، ثم تبع خطوات الشرطي الكبير قائلاً: «سيدي، إذا كنت تظن أنه مجرد بلاغ كاذب، فلماذا لا نكتفي بفرض غرامة عليهم ونغادر؟».

رد الشرطي الكبير بنبرة خبيرة: «كنت لأفعل ذلك، لكن هؤلاء الأغبياء يملكون أحياناً ذكاءً حاداً في الهروب من الغرامات، أتمنى لو استخدموا هذا الذكاء في شيء آخر يفيدهم. بالإضافة إلى أن البعض يجد أشياء حقيقية في بعض الأحيان، أشياء ليست شبحاً بل جثة، وينتظرون منا أن نصدق ترهاتهم. بالطبع لن نقول إننا وجدنا شبحاً بل جثة، لكن الحمقى أمثالهم سيصدقون بالتأكيد أن الشبح هو من قتل الضحية».

دفع الباب المتهالك للمنزل وتذمر خافضاً كشافه: «يا له من منزل».

كان البيت غارقاً في الغبار، وشباك العناكب منتشرة في كل زاوية، وبعض تلك العناكب الضخمة كانت كفيلة بجعلك تفر هارباً من المكان بمجرد رؤيتها.

وجه الشرطي الصغير ضوء كشافه نحو عنكبوت بدا غريباً، وكأن على ظهره نقشاً يشبه ابتسامة لطيفة، وقال بنبرة مرتجفة: «هل نطلب الدعم من أشخاص آخرين؟ أقصد أشخاصاً لا تهاب لدغات هذه الكائنات».

التفت إليه الشرطي الكبير وقال بفضاضة وسخرية: «لا تكن جباناً، فقط ابتعد عن شباكهم ولن يعضوا خصيتك».

تقدم الرجل الكبير بثقة، بينما حبس الشاب أنفاسه وتقدم معه بخطوات متعثرة. كان المنزل متهالكاً إلى أقصى حد، وأثاثه مبعثراً وساقطاً كأنها آثار شجار قديم عنيف لم يكلف أحد نفسه عناء تنظيفه. حتى سلة المهملات كانت ممتلئة بأشياء قديمة، مما يعطي إيحاءً بأن أحداً لم يرغب في المغادرة، أو أن شخصاً ما كان يسكن هنا حتى وقت قريب.

تحرك الرجل الكبير بكشافه، مسلطاً الضوء على كل ما يثير ريبته أو اهتمامه، بينما كان الشرطي الصغير خائفاً، يتردد في رفع كشافه، متمنياً في داخله لو يتعطل الكشاف الذي بيد زميله كلياً، حتى لا تظهر تفاصيل هذا المنزل المرعب.

كان المنزل كبيراً في مساحته لكنه بسيط في تصميمه العتيق.

توقف الشرطي الكبير فجأة، مشيراً بضوء كشافه نحو دولاب متحطم، ثم رفع يده ليوجه النور نحو مرآة ساقطة مكسورة على الأرض.

تساءل الشرطي الكبير في نفسه وهو يتأمل المكان: «هذا ليس حطاماً عادياً، بل بدا وكأنه أثر شجار عنيف.. بدا وكأنه..». تقدم نحو الدولاب ليتفحصه عن قرب؛ كان جسد الخزانة سليماً نوعاً ما، لكن كان هناك أثر لضربة عميقة بحجم قبضة يد، أو ربما بحجم رأس بشري.

سأله الشرطي الصغير بخوف مسموع: «ماذا تفعل هناك؟».

رد عليه الشرطي الكبير دون أن يلتفت: «انظر إلى هذا الدولاب، هل تظن أن هذا التدمير شيء طبيعي يحدث هكذا بمجرد مرور الوقت؟».

بتردد واضح، رفع الشرطي الثاني كشافه نحو الدولاب. كانت آثار الضرر مبعثرة في أنحاء الخزانة، لكنها لم تكن بحجم الضرر البالغ المتركز في الباب الأيمن. بلع ريقه وقال محاولاً التهوّن: «ربما سقط على الأرض ذات يوم؟».

أجابه الكبير ب حسم: «السقوط لا يترك مثل هذا الأثر». نظر حول زوايا المنزل، وكأنه يعيد ترتيب الأحداث المبعثرة في رأسه.

ابتعد عن الخزانة وتابع مستدركاً: «لا تهتم، فلنكمل السير.. أتمنى فقط ألا نجد جثة في النهاية».

ظهرت معالم الصدمة على وجه الشرطي الأصغر، لكنه ابتلع كلماته في حلقه عندما تقدم الشرطي الأكبر متوجهاً بثقة نحو الدرج العلوي.

كانت أصوات خطواتهما الثقيلة مسموعة في أرجاء المنزل الصامت، يرافقها أنين الخشب المهترئ: (صرير.. صرير..)

بدا الطابق العلوي أقل فوضى من الطابق الأرضي، فالأشياء هنا كانت مرتبة وكل شيء مستقر في محله، ورغم أن علامات الزمن والضرر كانت واضحة، إلا أن السنين لم تحطم أثاث هذا الطابق لدرجة إسقاطه وتدميره.

نظر الشرطي الكبير حوله بتمعن، وكأنه يشكل خريطة للأحداث التاريخية في عقله، بينما كان الشرطي الأصغر، في المقابل، يرسم في عقله خريطة واضحة للهرب عند أول بادرة خطر.

تقدم الشرطي الكبير متوغلاً في هذا المنزل المليء باليأس والأحلام المحطمة؛ كانت الأبواب مغلقة والنوافذ مفتوحة للهواء البارد، ومع استمرار تقدمهما في الممر المظلم، استقر ضوء الكشاف أخيراً على باب معين.

كان الباب مواربًا ومختلفًا تمامًا عن بقية أبواب المنزل؛ باب أزرق اللون يحمل طابعًا طفوليًا، إذ انتشرت على سطحه ملصقات مهترئة لشخصيات كرتونية وسيارات متنوعة. ورغم أن عاديات الزمن قد نالت من هذه الرسوم والملصقات، إلا أنها ظلت واضحة المعالم بشكل ما. تقدم الشرطي الأكبر نحو الباب بتردد ملحوظ، وكأن مظهر هذا الباب يعيد إحياء آلاف الذكريات القديمة في رأسه، بينما تبعه الشرطي الصغير عديم الخبرة بخطوات وجلة.

أمسك الشرطي الأكبر بطرف الباب، وتردد لثوانٍ قبل أن يدفعه بالكامل، ليكشف عن معالم الغرفة القابعة في الداخل. كانت الغرفة مليئة بالألعاب، وبدت كأكثر أجزاء المنزل ترتيبًا ونأيًا عن الخراب، وكأنها عالم مختلف تمامًا ومستقل بذاته عن كل الدمار المحيط به.

وبينما كان الشرطي الأكبر يسلط ضوء كشافه على أرجاء الغرفة، مظهرًا تفاصيل الألعاب والدمى المنتشرة هنا وهناك، استقر الضوء فجأة على سرير صغير يغطيه الغبار. وهناك، كان يقبع طفل صغير يحكم قبضته على دمية، بينما ينسدل شعره الطويل ليخفي ملامح وجهه بالكامل.

وفجأة، انطلقت صرخة ذعر مكتومة من حنجرة الشرطي الأصغر، الذي صُدم برؤية كائن حي يتحرك وسط هذا المهجر، بعد أن شطح به خياله المرعوب بعيدًا، متوقعًا العثور على جثث متعفنة أو بقايا طقوس لطائفة شيطانية في زوايا البيت.

ارتفعت يد الشرطي الأكبر بسرعة خاطفة لتكتم فم زميله الأصغر وتبتر صرخته، مانعة إياه من إصدار أي صوت إضافي قد يثير الهلع، ثم بدأ يتقدم بخطوات بطيئة وحذرة، وبمنتهى الهدوء، مقتربًا من الفتى القابع فوق السرير.

——————————————————

انتهى فصل أول إذا كان لدي وقت سوف اره فصل ثاني و إذا حاول ذكاء اصطناعي تغير شي إذا لم يغير شي سوف تجد فصل ثاني بعد ساعة و إذا غير شي سوف أرسله بعد يوم لكي أتحقق من أي غلطة لغوية بنفسي

اي نصيحه منك سوف يكون جيد و إذا لم انشر فصل ثاني بعد يوم فا اعرف عني سحبت على رواية و خطه تعود على كتابه كانت فاشلة

2026/06/13 · 3 مشاهدة · 2295 كلمة
خالد
نادي الروايات - 2026