كان تقدم الشرطي الأكبر نحو الفتى هادئاً وحذراً. كانت الأرضية ناعمة وجميلة بشكل غير منطقي، وكأنها بطانية وثيرة صُنعت خصيصاً لتحمي أوهامه الصغير من الانكسار؛ فلا يوجد أي شيء حاد أو مؤذٍ في هذه الغرفة، بل بدت وكأنها خضعت للتعديل والتحسين مراراً وتكراراً لتبدو بهذا الأمان المزيف.

وقبل أن يصل الشرطي إلى السرير، تحدث الصغير بصوت يشبه سقوط أجنحة فراشة، صوت مقزز وغير مسموع، وهو يقول: «هي لن تأتي، أليس كذلك؟».

أجابه الشرطي الأكبر بنبرة هادئة تفيض بالطمأنينة: «من؟ »، ثم أبعد ضوء كشافه عن وجه الفتى، ليغرق الغرفة مجدداً في ظلامها الجميل والمريح.

وفي تلك الأثناء، كان الشرطي الأصغر يشتم زميله الأكبر في سره، كارهاً قراره بإبعاد الضوء وترك المكان للعتمة.

عاد الفتى ليقول بصوت مرتجف: «أمي.. أمي لن تأتي، صحيح؟ لقد أخبرتني عنها»، ثم صمت، وأغرق وجهه في أحضان الدمية التي كان يحكم قبضته عليها، حتى لم يعد يظهر منه شيء سوى خصلات شعره الطويل.

اقترب الشرطي الأكبر خطوة أخرى وقال بنعومة: «اهدأ، أنا هنا.. لن..».

لكن الفتى قاطعه فجأة بسؤال مرير: «لماذا تركتني؟».

ساد الصمت أرجاء الغرفة، وبدا الشرطي عاجزاً عن الرد؛ فأقصى ما تملكه خبرته الطويلة هو الإطاحة بالمجرمين العتاة أو التبليغ عن الحوادث، أما التعامل مع هذا النوع من الانكسار فلم يكن يوماً من ضمن خبراته.

تنحنح الشرطي وحاول إضفاء نبرة حانية على صوته قائلاً: «هل يمكنك الوقوف؟». صمت للحظة وكأنه يزن كلماته، ثم عدل من طبقة صوته حين لم يجد في رأسه سوى فكرة بسيطة وبدائية، ليتابع: «لدي بعض الحلوى في السيارة، سأعطيك إياها إن تبعتني إلى الخارج».

نظر الفتى إليه لبضع ثوانٍ بعينين غائبتين، ثم قال بهدوء: «أمي أخبرتني ألا أذهب مع الغرباء.. أو مع ذوي البشرة السوداء».

سعل الشرطي الأكبر بخفة وكأنه يكتم صدمة مفاجئة أو رغبة في الضحك؛ فالشرطي الأصغر الذي يقف خلفه كان بالفعل من ذوي البشرة السوداء.

تقدم الأخير خطوة وتحدث محاولاً تدارك الموقف وتعديل نظرة الطفل: «نحن لسنا غرباء، بل نحن رجال شرطة، مثل..». التفت حوله في أرجاء الغرفة يبحث عن شيء يستعين به، حتى استقر نظره على مجموعة من الألعاب المصفوفة كأنها مدينة صغيرة، فتنفس الصعداء وأشار نحو مجسم صغير لشرطي يأكل الدونات بجانب مبنى صغير يشبه المخفر، وقال: «مثل هذا المركز تماماً».

نظر الفتى إلى المجسم وكأنه يحاول تذكر شيء ما في ماضيه البعيد، ليتدخل الشرطي الأكبر مجدداً قائلاً بلهجة حازمة: «سأعثر على والدتك، هذا وعد مني، لكني أحتاج منك أن تخرج معنا أولاً.. رجال الشرطة لا يخلفون وعودهم أبداً». ثم ضرب بقبضته على صدره بخفة كما يفعل الأبطال في أفلام الأطفال، محاولاً تقمص هذا الدور ليمنح الصغير بعض الأمان.

نظر الفتى إليهما، ثم وبكثير من التعب والهدوء، ترجل من السرير ببطء. وبدلاً من استخدام دميتّه كدرع يخفي وراءه جسده، أصبح يحملها بضعف بيد واحدة، مستسلماً لمرافقتهم إلى الخارج.

مد الفتى يده الصغيرة، التي كانت تختلف عن كل شيء في هذا المكان؛ فلا خدوش عليها ولا جروح، بل كانت بشرة ناعمة بدت وكأنها لا تنتمي أبداً إلى هذا المنزل المهجور الغارق في شباك العناكب.

تحسس الشرطي الأكبر العتمة محاولاً إيجاد يد الصغير في هذا الظلام، فقد فضل ألا يزعجه بضوء الكشاف، وكان طريق الخروج هذه المرة سهلاً، أو بالأحرى، أسهل من الناحية النفسية.

كان الشرطيان، الأكبر والأصغر، يكتتمان في صدريهما ألف سؤال وسؤال عما حدث هنا ولماذا يبدو المنزل بهذه الصورة المريبة، لكنهما فضلا الصمت، إذ كان استسلام الفتى ولحاقه بهما كافياً في الوقت الحالي.

كان صوت فتح باب الخروج كفيلاً بإفزاع الرجل الثاني في الخارج، فوقف ينظر إليهم بصدمة بالغة، لكن الصمت كان أفضل خيار اتخذه في ذلك اليوم.

تطلع الشرطي الأكبر حوله، وتنفس بعمق مرة وتلو الأخرى، ثم صوب نظره نحو الفتى. في الضوء الخارجي، بدا مظهر الصبي واضحاً وغريباً في آن واحد؛ ملامحه ناعمة تشبه الفتيات، وشعره الأبيض تتداخل فيه خصلات زرقاء وكأن أحداً قد عبث بصبغته، لكنه كان جميلاً للغاية. أخرج الشرطي قطعة حلوى من جيبه وقدمها إلى الفتى، ثم التفت نحو الشرطي الأصغر وقال له: «هل يمكنك أخذ الفتاة إلى السيارة؟».

أومأ الشرطي الأصغر برأسه، واصطحب الفتى الهادئ نحو السيارة.

تقدم الشرطي الأكبر نحو الرجلين اللذين أبلغا عن البيت، وقال بنبرة ممتعضة: «لا أدري ماذا أقول، هل ألومكما على ترك طفل وحيد في بيت مهجور أم.. لا يهم». ثم نظر إلى الرجل الأول الذي كان لا يزال غارقاً في عالمه الخاص، ووضع يده على كتف الرجل الثاني مردفاً: «كن سعيداً، لن تحصلا على مخالفة بلاغ كاذب هذه المرة».

تمتم الرجل الثاني بارتباك: «ح.. حسناً».

غادر الشرطي الأكبر مكانهما وركب السيارة. كان الفتى يجلس في المقعد المجاور لمقعد السائق، محتضناً دميتّه القطنية التي كانت آخر ما تبقى من درعه الدفاعي، وقد وضع قطعة الحلوى في فم الدمية بدلاً من فمه.

جلس الشرطي خلف المقود وبدأ بتشغيل السيارة. ألقى نظرة خاطفة نحو الفتى والدمية، لكنه آثر الصمت؛ فرغم الفضول الشديد الذي ينهش صدره بشأن تلك الدمى، كانت كل غريزة في جسده تخبره بأن السؤال في هذا الوقت سيكون خطأ فادحاً.

كسر الشرطي حاجز الصمت قائلاً بصوت دافئ: «هل هناك نوع معين من الحلوى تفضله؟ نوع خاص تحبه؟».

خيّم صمت قاتل بينهما لعدة لحظات، قبل أن يتحدث الفتى فجأة بصوت خافت بدا قادماً من مكان بعيد: «فراولة.. رأيتها على كعكة أخي، ولم آكلها».

سأله الشرطي بنبرة هادئة: «ألم يعطك قطعة منها؟».

ظل الفتى صامتاً، ينظر إلى الأسفل نحو النقطة ذاتها التي كانت عينا دميتّه الشاخصتان تتأملانها.

تنهد الشرطي وضغط على دواسة الوقود، متحركاً بالسيارة في ذلك الطريق المظلم. كان المنزل المهجور يقبع في عمق الغابة، وكأن الأشجار الكثيفة تتواطأ لإخفائه عن الوجود. ولم يكن هناك من صوت سوى أزيز محرك السيارة، وصوت أنفاس الفتى الرتيبة.

وبينما كان الشرطي يركز بصره على الطريق الوعر أمامه، تمتم الفتى بذهول خفيف وعيناه متعلقة بالخارج: «أشجار خضراء.. هذا غريب».

التفت إليه الشرطي قائلاً باستغراب: «غريب؟».

لم يجبه الفتى، بل استمر في مراقبة النافذة بذهول وبراءة طفولية، كمن يرى العالم الخارجي للمرة الأولى في حياته. انتاب الشرطي شعور مزعج، مزيج من الضيق والحدس الذي ينبئه بأن ثمة خطباً كبيراً وراء هذا الصغير، لكنه آثر الصمت ولم يصر على سؤاله.

كانت المسافة التي قطعتها السيارة قصيرة، لكنها بدت دهراً كاملاً بالنسبة للشرطي، حتى لاحت في الأفق أضواء محطة وقود، وكأنه وجد أخيراً عذراً يهرب به مؤقتاً من ثقل المسؤولية التي أُلقيت على عاتقه، على الرغم من أن الهروب في مثل هذه الظروف كان آخر ما يفعله رجل مثله .

وجه الشرطي السيارة نحو المحطة، وأوقف المحرك ثم ترجل منها قائلاً: «لا تنزل من السيارة، سأحضر بعض الأشياء وآتي».

أغلق الباب خلفه، ومشى مبتعداً ببضع خطوات عن السيارة. أخرج علبة سجائره، وأشعل واحدة، ومع أول نفَس عميق من الدخان، تمتم بتوتر وقلق: «يا له من يوم عصيب».

وبينما كان الشرطي غارقاً في جنته المؤقتة مع نَفَس السيجارة، لاحظ وجود أضواء دافئة تنبعث من داخل محل ملحق بالمحطة، بدا وكأنه بقالة صغيرة. لحسن الحظ، لم تكن المحطة مهجورة كلياً كالمكان الذي جاء منه. تمتم الشرطي في سره وهو يتذكر كلمات الصغير المريبة: «لم يأكل الفراولة ».

تقدم نحو البقالة الصغيرة وفتح الباب الخشبي. كان المحل مليئاً بأرفف السلع الاستهلاكية من رقائق البطاطس والمشروبات الباردة. وخلف طاولة المحاسبة، كانت تجلس فتاة؛ وبدا وجودها هناك شيئاً مطمئناً يبعث على الارتياح بعد كل الأهوال والغرابة التي عاشها في هذا اليوم العصيب. تقدم الشرطي بخطوات ثابتة وقال: «هل توجد لديكم حلوى بنكهة الفراولة، من النوع الذي يفضله الأطفال؟».

لم تنظر الفتاة إليه مباشرة في البداية. كانت في سن المراهقة المتأخرة، ليست طفلة ولا امرأة ناضجة، بل فتاة في عمر الجامعة، تميزت بشعر قصير فوضوي بدا وكأنه يعبر عن سلسلة من القرارات السيئة التي اتخذتها مؤخراً في حياتها. قالت بنبرة ساخرة دون أن ترفع عينيها عن صفحات كتابها: «حلوى يحبها الأطفال؟ هل خطفت طفلاً؟ أقترح عليك أن تأخذ شريطاً لاصقاً وتغلق فمه عوضاً عن إفساد أسنانه ».

حدق الشرطي فيها بضيق، ليتضح له أن الكتاب الذي يخلب لبها يتحدث عن قصص القتلة المتسلسلين. تنهد في سره مفكراً أن الأجواء والمكان في هذه العزلة مثاليان لقراءة مثل هذا الهراء، وهكذا بات معروفاً من أين تستمد هذه الفتاة أفكارها الحمقاء.

وفجأة، ضرب الشرطي بكفه فوق الطاولة الخشبية بقوة هبطت كالمطرقة.

من فرط المفاجأة، تزلزل ثبات الفتاة وكادت تسقط من على كرسيها، فتمتمت بذعر وهي ترفع يديها كمن يستسلم: «حسناً، حسناً». رفعت رأسها لتتأمل ملامحه الغاضبة، فاتسعت عيناها بذهول مكملة: «شرطي؟ لم أتوقع يوماً أن أقابل شرطياً يخطف الأطفال». وراحت تلوح بيديها في الهواء وهي ترسم تعابير مبالغاً فيها بوجهها، وكأنها شخصية درامية هبطت للتو من عالم الرسوم المتحركة .

نظر الشرطي إليها بملل ونفاذ صبر، وقال بلهجة حازمة: «لم أخطف أحداً، وتوقفي عن حشو رأسك بهذه التفاهات». ثم وضع راحته فوق جبهته متمتماً بضيق من أعماق قلبه: «شباب هذه الأيام».

قاطعته الفتاة ملوحة بسبابتها في وداع هزلي لتنهي النقاش: «حسناً، حسناً، الثلاجة التي أمامك مباشرة تحتوي على مرادك، فلا تبدأ بإلقاء المحاضرات الوعظية علي الآن».

تنهد الشرطي بضيق، فكل تصرف من تصرفات هذه الفتاة كان يضاعف حنقه، وشعر لثوانٍ وكأنه يرى تجسيداً حياً لابنه المشاكس أمامه، ومكمن الضيق أنه شعر أيضاً بنوع من الراحة والألفة الغريبة معها. كان الفارق الوحيد بينهما هو أنه لا يستطيع ضرب رأسها براحته كما اعتاد أن يفعل مع ابنه لتأديبه.

تمتم في سره بنبرة حزينة: «أتمنى فقط أن يكون في مكان أفضل الآن».

تقدم نحو الثلاجة القابعة في الزاوية، والتي بدت أشبه بمعجزة كونية كونها لا تزال تعمل بالكهرباء وتصدر أزيزاً مستمراً في هذا المكان المعزول.

فتح بابها ليجد بضع قطع من الحلوى المخيبة للآمال، وزجاجات من حليب الفراولة ذات المظهر المريب الذي يشي بفساد محتواها. انتقى ثلاث حبات من الحلوى التي ظنها الأقل سوءاً والأكثر جودة بين البقية.

عاد نحو الفتاة وقذف بالقطع فوق الطاولة الخشبية أمامها، ثم أضاف إليها بعض المقرمشات والمسليات الأخرى، علّها تعيد بعض النشاط إلى جسد الصغير النحيل، مستنداً في خياراته إلى خبرته السابقة في تربية الأطفال، وإن كانت كل تجاربه السابقة في التربية قد باءت بالفشل الذريع.

تحدث الشرطي بلهجة آمرة: «أريد أيضاً تعبئة خزان وقود سيارتي».

نظرت الفتاة إليه بملل، ثم تنهدت قائلة بسخرية: «هذا أكبر خطأ ترتكبه، إن كنت تنوي خطف شخص ما فعليك أن تكون أكثر حذراً، ربما..». ولم تكد تكمل جملتها حتى هبطت كف الشرطي فوق الطاولة مجدداً لتحدث صوتاً هادراً.

تراجعت الفتاة متلعثمة من فرط المفاجأة: «حسناً، حسناً، لا تضرب الطاولة هكذا». التقطت أدوات التعبئة وخرجت من المحل متوجهة نحو السيارة القابعة في الظلام.

وفي تلك الأثناء، أخرج الشرطي سيجارة أخرى وأشعلها وهو يبتعد ببضع خطوات عن السيارة، متلمساً لحظات من النعيم المؤقت بعيداً عن ضغوط هذا اليوم العصيب. استرجع في صمته بعض ذكرياته القديمة والدافئة مع ابنه، وراح يصنع في مخيلته خطة تأديبية صارمة وصامتة، تحسباً لما قد تفعله هذه الفتاة المعتوهة لو قادها فضولها وحسها الدرامي لمحاولة تحرير الفتى من المقعد المجاور له.

مرت بضع دقائق في سكون تام.

كان الأمر هادئاً للغاية على غير المتوقع، ولم يحدث أي إزعاج أو تصرف أحمق كأن تحاول الفتاة إنقاذ الطفل مدفوعة بأوهام بطولية، وكأنها تعيش في رواية جريمة رخيصة.

وفجأة، انقطع حبل أفكاره بصوت الفتاة وهي تقول بنبرة عادية: «لقد انتهيت». تقدمت نحوه ومَدّت يدها لتأخذ ثمن الوقود.

أخرج الشرطي المبلغ المطلوب من محفظته ووضعه في كفها المفتوحة.

وبينما كانت الفتاة تعد الأوراق النقدية ببطء، تابعت ثرثرتها المعتادة قائلة بفضول: «ما هي طبيعة عملك بالضبط؟ وهل يُسمح لرجال الشرطة بالتجول بسياراتهم وسط الغابات بلا سبب؟ وأيضاً، ما قصة هذه الدمية؟ لماذا تضع دمية بجانبك في مقعد الراكب، هل هي هدية من شخص ما؟».

تسمر الشرطي في مكانه، واجتاحت ملامحه موجة عارمة من الصدمة والرعب الخالص. ركض بهستيرية نحو السيارة ونظر عبر نافذتها الزجاجية؛ لم يكن الفتى موجوداً هناك، لم يكن ثمة أي أثر لجسد بشري، بل قبعت في المقعد تلك الدمية القطنية القديمة ذاتها، وقطعة حلوى قديمة عالقة بوضوح في فمها المخيط.

تجمدت الدماء في عروق الشرطي لعدة لحظات وهو يحدق بذهول في الفراغ، بينما واصلت الفتاة ثرثرتها خلفه دون أن تدرك حجم الأهوال التي تجري في عقله، وقالت بتهكم: «ما بك؟ لا تخف، لن أخبر أحداً بما تفعله هنا».

2026/06/14 · 9 مشاهدة · 1867 كلمة
خالد
نادي الروايات - 2026