حدق الشرطي حوله، يميناً ويساراً، بتوتر جارف شاب ملامحه بالكامل.

علقت الفتاة بنبرتها المزعجة المعتادة: «لا يوجد أحد غيري هنا».

كان يفتش الأرض بحثاً عن خيط يقوده إلى الحقيقة، متشبثاً بخبرته الطويلة في فك قضايا الجريمة كطوق نجاة أخير، ظناً منه أن منطق المحققين سينفعه في هذا الموقف . وفي تلك اللحظة، استقرت عيناه على علامات غائرة في الطين الرطب ممتدة نحو أعماق الغابة المظلمة؛ طبعات لأقدام صغيرة للغاية. وبلحظة خاطفة، اندفع الشرطي راكضاً نحو الأحراش محكماً قبضته على كشافه البلاستيكي.

أغمضت الفتاة عينيها ملوحة بيدها بمسرحية مقتبسة من مشاهد الأنمي التي تتابعها بشغف، و تمتم : «لا تقلق، لن يعرف أحد...». وحين فتحت عينيها لتكمل عبارتها انقطع صوتها فجأة: «لن أخبـ...».

لم يكن له أي أثر بجانبها. تطلعت حولها بذهول، ثم احتج بضيق طفولي: «يا هذا، دَعني أكمل كلامي على الأقل قبل أن ترحل».

في عمق الغابة الكثيفة، كان الشرطي يضرب مؤخرة كشافه بكفه بعنف محاولاً إيقاظ ضوئه المتذبذب، وزَمْجَرَ بحنق مكتوم: «اشتغل أيها اللعين، اشتغل».

وما إن انبعث شعاع النور أخيراً، حتى انحنى ليتعقب المسار في العتمة. كانت الطبعات في الطين واضحة تماماً، أقدام صغيرة دقيقة تشبه في براءتها وعزلتها خطى غزال صغير تائه وسط البرية موحشة.

صرخ بنبرة تفيض بالخوف والهلع مستعملاً صوته الجهوري: «أيتها الفتاة، أين أنتِ؟ المكان خطير هنا، أرجوكِ عودي».

تابع الركض لاهثاً خلف ذلك المسار الممتد، ملوثاً بنعاله الضخمة تلك الآثار الصغيرة البريئة التي تلاشت فجأة وسط الأعشاب الكثيفة.

رفع كشافه بإحباط كبير وخيبة أمل كادت تفتك بصدره، لكن بقعة الضوء استقرت فجأة على جسد الفتى. كان قابعاً هناك وسط الظلال، جسده الصغير ملوث بالكامل بالتراب والوحل، وكان مستغرقاً بمنتهى الهدوء في حفر الأرض العميقة بيديه العاريتين.

كان الطفل يحفر بعمق وإصرار، مركزاً بصره وجهده في نقطة واحدة محددة تحت جذور الأشجار الكثيفة.

اقترب الشرطي بخطوات وئيدة يحركها الفضول، وتمتم بصوت خافت وهو ينحني نحوه: «ماذا تفعلين هنا؟».

تجاهل الصغير السؤال تماماً، واستمرت أصابعه الصغيرة في نبش التربة الرطبة بلا توقف.

(مياو.. مياو..)

جلس الشرطي القرفصاء بجانبه محاولاً استعادة رباط جأشه في هذه العتمة المريبة: «المكان خطير هنا، ولا يمكنك اللعب في وسط الغابة». صمت فجأة حين لاحظ أن الطفل لم يلتفت إليه أو يعره أي انتباه، فاستطرد بتلعثم وارتباك واضح: «سأحضر لك كل ما تريده من هذا التراب، لكن أرجوكِ، دعنا نعد إلى السيارة الآن».

نطق الصغير دون أن يبطئ من حركة يديه في الحفر: «هل يمكنك أن تخبرني.. ما الذي يعنيه الجهل بالنسبة لك؟».

(مياو.. مياو..)

سرى الارتباك في أوصال الشرطي، وامتزجت الصدمة بملامحه وهو يتلفت يميناً ويساراً في عتمة الغابة

، ثم وضع يده فوق رأسه مجيباً بقلة حيلة: «الجهل؟ أظنه.. عدم معرفة الشيء؟».

شخص الطفل ببصره نحو قاع الحفرة مسترسلاً بنبرة باردة وغير طبيعية: «الجهل هو الضعف، هو عجز كامل. بالنسبة للأشخاص الطبيعيين، الجهل مجرد مرحلة عابرة، لكنه بالنسبة لأشخاص أمثالنا عجز مقزز. عندما يعيش المرء في عجز وضعف دائمين، تتولد لديه رغبة عارمة في تدمير هذا الشعور، لكن الجهل ليس شيئاً مادياً يمكنك تحطيمه. فماذا تظننا فاعلين إذاً؟ نقضي عليه بوهم زائف، وبعلم كاذب؛ كأنه سُمّ خفي نتجرعه كلما شعرنا بالضعف، حتى نصل إلى مرحلة نظن فيها أننا أكثر ذكاءً من الآخرين. الجهل خطيئة، كوشم مثبت في أعماق الروح، كلنا نمتلك هذا الوشم، لكني أنظر إلى وشم .. وأتقزز منه».

توقفت يدا الطفل عن النبش بعد أن بلغ قاع الحفرة، وانتشل ببطء هيكلاً عظمياً صغيراً؛ كان هيكلاً لقطة ميتة ومتحللة منذ زمن طويل. أردف والتراب يتساقط من بين العظام الدقيقة: «أتذكر أصوات هذه القطه جيداً، لكني جاهل تماماً بشكل هذه القطة.. أنا عاجز».

التفت ببطء برأسه نحو الشرطي، واستجوب ملامحه المتجمدة: «هل يمكنني أن أسألك شيئاً؟».

ولم ينتظر أن يأتيه الرد من شفتي الشرطي المذهول، بل استطرد متسائلاً بعينين غائبتين كأنما يخاطب الكون بأسره: «هل خُلق العالم لكي نفهمه.. أم أننا نحن من خُلقنا لكي نفهم العالم؟».

*

تذمرت الفتاة بضيق وهي تراقب عقارب الساعة التي تجاوزت النصف ساعة: «لماذا يستغرق كل هذا الوقت؟».

رمقت عتمة الأشجار الكثيفة بنظرة حائرة، متسائلة في سرها عما يمكن لرجل أن يبحث عنه في أحراش الغابة طوال هذه المدة. تحركت عيناها نحو السيارة القابعة في عتمة المحطة، ومدفوعة بفضول جامح غذّته روايات الجريمة والغموض التي تقرأها، حدّثت نفسها بأنه لا يمكن لأحد أن يلومها إن هي ألقت نظرة عابرة في الداخل.

اقتربت من الهيكل الحديدي متمتمة بملامح لائمة: «الخطأ خطؤه بالكامل، من يترك سيارته هكذا؟ أخي كان ليسرقها بمجرد أن يراها مفتوحة في مكان معزول كهذا».

وما إن بلغت باب السيارة ومدت يدها نحو المقبض، حتى باغتها صوت حركة قريبة خلفها، فقفزت جاحظة العينين من فرط الذعر، والتفتت مدافعة عن نفسها بلقلقة سريعة: «لم أفعل شيئاً، أقسم أني لم أفعل شيئاً».

كان الشرطي يقف وراءها تماماً ممتصاً الضوء بظل جسده الضخم، وبجانبه كان يقف الصغير وهو يحمل عظام القطة بين ذراعيه؛ لم يكن يحضنها بحنان طفولي، بل كان يمسك بها كمن يقبض على ذكرى مادية .

حدقت الفتاة في ملامح الصغير الناعمة وشعره المنسدل، لتعود أفكارها الرواية إلى رأسها، فتساءلت بهمس حذر وهي تتراجع خطوة: «هل اختطفت طفلة حقاً؟».

تجاهل الشرطي كلماتها كلياً ولم يمنحها شرف الرد، بل فتح باب السائق صاعداً في صمت ثقيل، بينما تبعه الصغير ليتخذ مكانه مجدداً في المقعد المجاور.

أسرعت الفتاة نحو النافذة الزجاجية قبل أن يتحرك، وطرقت عليها ملوحة ببضع أوراق نقدية: «سيدي، لقد نسيت بقية نقودك».

لم يعرها الرجل أدنى انتباه، بل أدار المحرك بآلية وضغط على دواسة الوقود بقوة، لينطلق بالسيارة مخلفاً وراءه غبار المحطة. تطلعت الفتاة إلى الأوراق المنسية في كفها، ثم صوبت نظرها نحو الأضواء الخلفية الحمراء للسيارة وهي تتلاشى في عتمة الطريق المظلم، : «حسناً، يبدو أن هذا المبلغ المتبقي هو ثمن إسكاتي».

بينما كان الهواء البارد يتدفق بغزارة عبر النافذة المفتوحة، كان الصغير يحكم قبضته على الهيكل العظمي بجسده النحيل. كان عصف الريح عالياً وصاخباً، كفيلاً بالتغطية على أي صمت قاتل يطبق على أرجاء السيارة، لكنه لم يكن قادراً بأي حال على إسكات الضجيج العنيف الذي يمور في أعماق شرطي

وعندما انعطفت السيارة حول أحد المنعطفات، لمح الفتى بقعة ترابية مرتفعة تبدو جميلة ووادعة وسط أشجار الغابة الكثيفة، فالتفت نحو السائق مستأذناً بنبرة هادئة: «هل يمكنك التوقف هنا؟ أريد دفن هذا الشيء».

كبح الشرطي جماح السيارة فجأة دون أن ينطق ببنت شفة. ترجل الفتى ببطء حاملاً بقايا القطة، في حين أسند الشرطي رأسه إلى الخلف شاخصاً بنظره نحو سقف السيارة الداخلي، وتملكه ذهول عارم: «ماذا حدث بحق الجحيم هنا؟». سحب سيجارة بآلية وضغطها بين شفتيه، غير أن وعيه المشتت تذكر فجأة أنه ترك ولاعته هناك، وسط الوحل والأحراش عندما كان يركض بهستيرية خلف الصغير، ليتنهد بقلة حيلة مريرة.

تمتم محدثاً نفسه بصوت خافت: «هل هذا سؤال يمكن أن يخرج من فم طفل؟ لكن عيناه.. كانت عيناه...». هز رأسه يميناً ويساراً بعنف محاولاً طرد الأفكار المقلقة التي تنهش عقله: «اجمع شتات نفسك، لقد كان مجرد كلام.. مجرد كلام عابر». لكن مظهر تلك النظرات الغامضة والملامح الأنثوية الهادئة ظل عالقاً في جدار ذهنه، فضرب جبهته بمقود السيارة بقوة من فرط الإحباط والعجز.

انفتح الباب مجدداً ليعلن عودة الفتى؛ صعد إلى السيارة وأغلق الباب خلفه مستقراً في مقعده بعد أن ترك عظام القطة تحت التراب. ساد صمت قصير وثقيل قبل أن يقطعه الرجل ممهداً للأمر الواقع: «سأخذك الآن إلى مركز الشرطة». ثم التفت إليه بلمحة شفقة مردفاً بتردد: «هل تحتاج إلى.. هل هناك شيء معين ترغب فيه؟».

حدق الصغير في الفراغ أمامه، وترددت الكلمات في حلقه: «لا، لا أريـ.. ، أريد بطانية فقط».

عقد الشرطي حاجبيه استغراباً من هذا الطلب المفاجئ في هذه الأجواء: «بطانية؟ ولماذا تريد شيئاً كهذا الآن؟».

أشاح الفتى بنظره نحو الأسفل متمتماً ببرود: «لا أعرف».

تنهد الشرطي بعمق وقد بلغ منه الإنهاك الجسدي والنفسي مبلغه، لدرجة أنه لم يعد يكترث بمحاولة فهم أي شيء إضافي في هذا اليوم العصيب؛ أدار المحرك وانطلق بالسيارة شاقاً عتمة الطريق نحو المركز.

مرت بضع دقائق حتى بدأت تتضح معالم تجمع سكني ناءٍ؛ بيوت صغيرة متناثرة يطوق أطرافها العشب الأخضر الكثيف وتتداخل معها أشجار الغابة، وكأن الطبيعة تحاول ابتلاع هذا المكان وتترك له مجرد ممر ضيق ليعبر من خلاله.

كان السكان يتجولون في أرجاء المكان بملابس رقيقة وخفيفة، صُممت لدفع حرارة الجو أكثر من أي غرض آخر، وبعضهم يقف يتبادل أطراف الحديث بكسل. وفي الزوايا، انشغل أطفال باللعب بالتقاط الحشرات دون أي رقابة أو اهتمام من الكبار. لكن قاطني هذه القرية كلهم اشتركوا في ردة فعل واحدة؛ إذ تصمّرت عيونهم نحو سيارة الشرطة العابرة بينهم، متأملين هذا المشهد الغريب الذي يقتحم هدوء حياتهم بنظرات مزجت بين الفضول الطاغي والوجل المكتوم.

لم تمضِ سوى لحظات حتى توقفت السيارة، ليرفع الفتى رأسه بفضول صامت مستكشفاً المحيط. لاح أمامهم مخفر الشرطة؛ لم يكن بالضخامة المتوقعة للمراكز الحكومية، بل بدا أشبه بمنزل ريفي متواضع، يزيد في اتساعه قليلاً عن بقية البيوت.

ترجل الشرطي من خلف المقود، وتوجه مباشرة نحو الجانب الآخر ليفتح الباب المجاور للصغير، ممهداً للنزول بنبرة خفيضة: «لقد وصلنا». حدق في ثياب الطفل الممزقة والملطخة بالتراب والوحل، فحك رأسه بحيرة مشوبة بالأسى، قبل أن ينزع سترته الخارجية الواسعة ويلف بها جسد الصغير النحيل محققاً رغبته السابقة في الحصول على غطاء يحتمى به، متمتماً : «هكذا أفضل بكثير».

ساعده على الخروج بلطف شديد، وحرص على السير بمحاذاته ملاصقاً له، مستغلاً ضخامة جسده العسكري كدرع بشري يحجب الصغير تماماً عن نظرات الفضول المتربصة والهمسات المنبعثة من أفواه أهل القرية، ثم دفع الباب الخشبي للمركز، وولج بالصغير إلى الداخل.

2026/06/16 · 8 مشاهدة · 1460 كلمة
خالد
نادي الروايات - 2026