1 - الفصل الأول: الحاشية التي كان يجب أن تموت

استيقظتُ كمن يخرج من قاع بئرٍ لا قرار له، لا لأن الضوء عاد، بل لأن الألم… قرر أن يتذكّرني.

كان الهواء باردًا حدّ السكين، يمرّ من شقوق النافذة كأن القصر نفسه يتنفّس ببطءٍ مريض. رائحة الخشب القديم، وشمعٍ محترق منذ الليل، وشيء آخر… شيء معدني خفيف، كأن المكان يتوقع الدم قبل أن يراه.

حاولت أن أرفع يدي إلى وجهي، فلم أجد وجهي مألوفًا في الإحساس. الأصابع أطول قليلًا، الجلد أنعم من جلد عاملٍ قضى عمره يشتغل ليُسكت الجوع، والعظام… عظام شاب لم يأكل الخسائر بالحياة كما أكلتها أنا.

لكن الألم في صدري كان لي. ذلك الألم الذي تراكم سنين، ونام فوقه الندم مثل كلبٍ حارس، ينهشني كلما حاولت أن أغمض عيني.

جلست بصعوبة على السرير، وارتجف قلبي حين رأيت الغرفة: فاخرة، لكنها لا تحمل دفئًا. أثاث مصقول يلمع كتمثيلٍ جيد، ستائر قاتمة كأنها تُخفي شيئًا لا تريد أن يخرج. على الجدار لوحة لرجلٍ نبيل بعيون زجاجية… عيون تشبه عيون من اعتاد أن يأمر فيُطاع.

تدحرج السؤال داخل رأسي قبل أن يتكوّن: أين أنا؟

جاءني الجواب من الخارج… ليس بصوتٍ حكيم، بل بصوت خدمٍ يتحدثون كما يتحدثون عن شيءٍ يجب إنجازه قبل الظهيرة.

“لا تنسَ… لازم يكون السقوط عند الدرجة الرابعة. الدرجة الرابعة بالضبط.”

“لا تقلق… هو ما رح يقاوم. أصلاً… من زمان وهو ينكسر لوحده.”

“بس انتبهوا من الصوت. السيد الكبير يكره الفوضى.”

تجمّد الدم في عروقي. لم يكن الكلام مُوجّهًا لي، لكنه كان عنّي.

سحبت قدمي إلى الأرض، وأحسست بالبرد يعضّ قدميّ كأن الأرض تريد أن تذكّرني أني في مكانٍ لا يحق لي أن أرتاح فيه. اقتربت من الباب خطوة واحدة، ثم توقفت. في داخلي شيء قديم—غريزة رجلٍ عاش في بيتٍ لا يرفع فيه صوته إلا من يريد أن يؤذي—قال لي: لا تفتح الباب. اسمع أولًا.

“الابن الثالث…” قال صوت امرأة، رخيم لكن قاسٍ، “لا تجعلوه يتألم كثيرًا. يكفيه ما فيه.”

ضحك رجلٌ آخر، ضحكة قصيرة مثل طقطقة عظم: “ألم؟… وهل كان له قيمة أصلًا؟”

الابن الثالث.

الكلمات ضربت رأسي كحجر. لم تكن مجرد وصف. كانت دورًا .

تقدّمت إلى المرآة الكبيرة قرب الخزانة. سطحها نظيف، لكنه يعكسني كأنني غريب مُستعار.

كان الوجه شابًا في أواخر المراهقة أو بداية العشرين: شعر أسود مرتب بعناية مبالغ فيها، عينان رماديتان أقرب إلى البرودة من الحياة، شفتان رقيقتان تحملان أثر قلة الكلام أو كثرة الكتم. على الرقبة كدمة خفيفة تُخبئها ياقة القميص. وعلى عظمة الترقوة أثر قديم… ربما ضربة.

لم يكن هذا وجهي.

لكن النظرة… النظرة في العمق، تلك التي تعرف طعم الذلّ وتفهمه بلا شرح، كانت نظرتي.

رجعت بي الذاكرة للحظة موتي—صوت صراخ، اصطدام، ضوء سيارة، ثم ظلمة. لم يكن موتًا بطوليًا، ولم يكن خلاصًا. كان نهاية رخيصة لحياة رخيصة، وهذا ما جعل الندم أثقل: أن تموت قبل أن تبرر وجودك ولو مرة واحدة.

رفعت يدي إلى المرآة، ولمست الزجاج. برده ثابت، لا يرحم. وفي اللحظة التي هممت أن أبتعد، لاحظت شيئًا: طرف المرآة لا يلتصق بالجدار كما ينبغي. هناك فراغ خفيف… كأن أحدهم أزاحها ثم أعادها بسرعة.

ضغطت بطرف أصابعي، فانزاحت المرآة ببطء، وظهر خلفها جيبٌ صغير في الحائط.

في داخله كانت ورقة واحدة مطوية بعناية. الورق سميك، أبيض كأنه لم يلمس الهواء. على حافته أثر حبرٍ أسود داكن… كأنه لم يجف بعد، رغم برودة القصر.

فتحتها.

وكانت الصدمة الأولى أن الكلمات لم تُكتب كرسالة… بل كأنها مقطع من كتاب.

المشهد: "سقوط الابن الثالث" المكان: درج القصر الشرقي. الوقت: قبل الظهيرة بقليل.

الابن الثالث يقف وحده، يده على الدرابزين البارد، يتردد ثم يتقدم. خادمة تمر خلفه وتُسقط قطعة قماش على الدرجة الرابعة. يضع قدمه… ينزلق. يُسمع صوت كسرٍ واضح. يسقط رأسه بزاوية خاطئة. تتسع عيناه… ثم تخبو.

الخدم يصرخون. الأخ الأكبر يخرج دون عجلة، ينظر إلى الجثة نظرة سريعة ثم يقول: “انتهى الأمر. لا تضيّعوا وقتي.”

الأم تُشيح بوجهها وكأنها تتخلص من رائحة. الأب لا يحضر.

النهاية: "الحاشية تُغلق."

بلعت ريقي بصعوبة. لم أشعر فقط بالرعب… شعرت بإهانةٍ مألوفة: حتى موتي مكتوب كإجراء. كأن الكون لا يحتاج إلى سبب ليقتلني، يكفي أنه قرر أنني “حاشية”.

دخلتني قشعريرة مختلفة، قشعريرة رجلٍ فهم فجأة أنه ليس في عالمٍ عادي، بل في عالمٍ يُدار .

سمعت حركة في الممر، اقتراب أقدام. والورقة بين أصابعي صارت أثقل من الحديد.

أنا… سأموت بعد قليل. ليس احتمالًا. مُخططًا.

تقدمت إلى الباب، وفتحت قفلًا صغيرًا على مهل. فتحة ضيقة سمحت لي برؤية الممر: طويل، مُضاء بنور شاحب، خدم يتحركون كأنهم يمثلون دورًا سبق أن حفظوه. أحدهم يحمل قطعة قماش بيضاء مطوية. آخر يلتفت يمينًا ويسارًا كمن يتحقق من توقيت.

أغلقت الباب فورًا.

لم أكن أملك وقتًا للتفكير الجميل. لم أكن أملك رفاهية “لماذا أنا هنا؟” لأن السؤال الحقيقي كان: كيف لا أموت؟

ارتجفت يدي، لكني أجبرت نفسي على الحركة. فتحت الخزانة، بحثت عن شيء—أي شيء—سلاح، حبل، نافذة.

النافذة كانت عالية وضيقة، وخارجها حديقة بعيدة وأسوار حجرية أعلى من أن تقفزها دون كسر. وحتى لو قفزت… أنت في قصر نبيل، وخارج القصر عالم لا أعرفه.

التفت إلى الباب مرة أخرى. الهروب الآن قد ينجح… إذا كان هذا العالم يسمح بالهروب.

فتحت الباب بقوة، واندفعت إلى الممر.

خطوت ثلاث خطوات… ثم أربع… ثم خمس.

وفي السادسة، حدث شيء جعل جسدي يبرد من الداخل: الممر نفسه بدا وكأنه يتمدد، ثم ينكمش. الضوء ارتعش. صوت الخطوات اختفى للحظة. ثم… وجدت نفسي أمام باب غرفتي.

نفس الباب. نفس النقش الخشبي. نفس المقبض البارد.

تراجعت، واصطدمت بجدار. لا… أنا لم أعد إلى هنا. هذا مستحيل.

ركضت في الاتجاه المعاكس، هذه المرة أسرع. عديت نافذة، ثم لوحة، ثم مزهرية. عديت خادمين لم يلتفتا لي أصلًا، كأني هواء. ثم فجأة… الباب ذاته ظهر أمامي مرة أخرى.

أحسست بإهانة تذبحني: العالم لا يكتفي بقتلي… إنه لا يسمح لي حتى بالمحاولة.

سقطت على ركبتيّ، وظهري إلى الحائط، وصدري يصعد ويهبط مثل محرك على وشك الانفجار. كان هناك صوت خافت… كصوت صفحة تُقلّب في مكان بعيد.

ثم ظهر أمام عيني شيء لم يكن موجودًا قبل ثانية.

لم يكن ضوءًا ولا كتابة على الهواء بالشكل المعتاد. كان كأنه شريط حبرٍ أسود انسكب في الهواء ثم تماسك، وصار سطحًا شفافًا يسبح أمامي.

وعليه كلمات… ثابتة، رسمية، قاسية.

[السِّجل — Ledger] الحالة: شذوذ طفيف داخل مشهد قانوني. الهوية السردية: حاشية (Footnote) — أهمية: 0.3% المشهد النشط: "سقوط الابن الثالث" قفل المشهد: مُفعّل ملاحظة: محاولة الهروب = إعادة تموضع تلقائي.

اتسعت عيناي، وبدا العالم كله يضيق حول هذه الكلمات.

“ما هذا…؟” همست دون أن أشعر. صوتي خرج غريبًا، لكنه يحمل رعبًا حقيقيًا.

لم يجبني أحد بصوت. لكن السجل… تحركت الكتابة فيه كما يتحرك حبرٌ حي.

عرض متاح: اقتراض النجاة — 30 ثانية التكلفة (فوائد): 12% الضمان المطلوب: ذاكرة جوهرية

ثم سطر آخر، كأنه يضغط على عنقي:

رفض العرض = تنفيذ النهاية المكتوبة.

تشنج فكّي. “ذاكرة جوهرية؟” قلتها كأنني أساوم الموت.

ظهرت خيارات… ليس كقائمة أنيقة، بل كأحكام:

وجه الشخص الأكثر حبًا في حياتك السابقة

اسمك الكامل في عالمك السابق

أول لحظة شعرت فيها بالأمان

كان كل خيار سهمًا في القلب.

في لحظة خاطفة، لمعت صور غير مكتملة من حياتي السابقة: غرفة ضيقة، صراخ، يد ترتفع ثم تهوي، صوت امرأة تبكي، طفل يختبئ، أنا أصرخ… أنا أضرب… أنا أنهار بعدها وأجلس في زاوية كأنني أطلب الغفران من الحائط.

ثم وجهٌ… وجهٌ واحد كان مختلفًا عن كل ذلك. وجهٌ لم يصرخ عليّ. لم يكرهني. كان ينظر إليّ كما لو أن داخلي شيء يستحق الإنقاذ.

أحسست بالرغبة في التمسك به كتمسك الغريق بقطعة خشب.

لكن السجل لم يمنحني وقتًا.

صوت في الممر، قريب جدًا الآن: “حان الوقت. أين هو؟”

تصلبت عضلاتي، وقلبي ضرب كأنه يريد تمزيق صدري.

الآن.

لم أملك سوى خيارين: أموت وفق النص، أو أعيش… ناقصًا.

ارتفع في داخلي شيء يشبه الضحك، لكنه لم يخرج. ضحك رجلٍ أدرك أن الكون لا يرحمه حتى حين يعرض عليه النجاة: “ادفع ذاكرة… لتعيش.”

ومع ذلك… قلت في رأسي، بوضوح مؤلم:

اقبل.

في اللحظة التي قبلت فيها، شعرت كأن شيئًا بارداً مرّ داخل رأسي، كما تمر شفرة فوق جلد، لا تقطع لحمًا… بل تقطع معنى.

تمت الموافقة. تم رهن ذاكرة جوهرية. تم فتح نافذة احتمالية: 30 ثانية.

ثم تغير كل شيء.

لم يتوقف الزمن تمامًا، لكنه تباطأ كأنه يغرق في عسل أسود. الأصوات صارت أثقل. دقات قلبي صارت مسموعة كقرع طبول في جنازة.

وشعرت—وهذا أغرب ما شعرت به—أن جسدي بدأ يتحرك وحده، كأن هناك خيطًا يشدني من الداخل.

المشهد بدأ.

قُدت قدماي إلى الدرج الشرقي. لم أكن أمشي بإرادتي كاملة. كنت أشعر بمقاومة، لكن النص أقوى. كأن العالم يمسك ذقني ويوجّه عيني حيث يريد.

وصلت إلى أعلى الدرج.

الدرابزين كان باردًا كما وصفت الورقة. الدرجة الرابعة كانت هناك… تنتظر. وقطعة قماش بيضاء، رقيقة، ملقاة بدقةٍ غير طبيعية.

مرّت خادمة خلفي. لم تنظر إلي. رائحة عطر رخيص على ثوبها. يدها انزلقت بخفة، كأنها تُسقط القماش “بالخطأ”، لكن الخطأ هنا مكتوب.

بزاوية عيني رأيت ظلًا يتحرك عند مدخل الممر: شاب طويل، شعره مصفف بعناية، يلبس زيًا نبيلًا داكنًا. عيناه تحملان تلك البرودة المتمرّسة، برودة من اعتاد أن يرى الناس أشياء.

الأخ الأكبر.

لم أعرف اسمه بعد، لكن جسدي عرفه بالخوف. الخوف ليس كلمة هنا… الخوف ذاكرة في العظم.

حاولت أن أتراجع. حاولت أن لا أضع قدمي.

لكن قدمي تقدمت.

الدرجة الأولى. الثانية. الثالثة.

الزمن البطيء يمنحك لعنة: ترى الفخ بالكامل… ولا تستطيع تفاديه إلا بثمن.

وصلت إلى الرابعة.

في اللحظة التي بدأت فيها قدمي تنزلق، انفجرت الثلاثون ثانية في داخلي كشرارة.

رفعت يدي بعنف، قبضت على الدرابزين، وأدرت جسدي بطريقة مؤلمة. الألم مزّق كتفي، لكني تشبثت. أحسست بالأظافر تحفر في الخشب المصقول. جسدي حاول السقوط لأن النص يريد ذلك، لكني سحبت نفسي جانبًا، وألقيت وزني على الدرابزين كمن يرمي حياته كلها على قطعة خشب.

سمعت صوت تمزق: إما عضلة، أو قانون.

سقطت… نعم. لكن ليس كما كُتب.

بدل أن ينكسر عنقي، ارتطم كتفي بالدرج، ثم ظهري، ثم انزلقت بقوة حتى أسفل الدرج. الدنيا دارت. شيء حار خرج من فمي. الدم. طعم الحديد الذي توقعت رائحته.

صرخت الخادمة، صرخة حقيقية هذه المرة لأن النص ارتبك. صرخة من اكتشف أن الحاشية لم تُغلق.

رأيت الأخ الأكبر يركض خطوتين ثم يتوقف، كأن جسده أيضًا لا يعرف ماذا يفعل حين ينهار السيناريو. نظر إليّ بعينين ضيقتين. ليس خوفًا… بل انزعاج.

كأن موتي كان موعدًا في جدوله، وتأخر الموعد.

اقترب، انحنى قليلًا، وصوته نزل إليّ ببرود: “كان يجب… أن تموت.”

لم أستطع الرد. لم يكن لأنني لا أريد، بل لأن الهواء هرب من رئتي.

لكن داخلي… داخلي رد بصمتٍ أشد:

لن أعطيك هذا الرضا.

بدأ الخدم يتجمعون. أصوات متداخلة. “أحضِروا الطبيب!” “لا، لا… السيد الكبير!” “هل نخبر السيدة؟”

ثم رأيتها—امرأة عند أعلى الدرج. لم تركض. لم تصرخ. اكتفت بأن تمسك طرف ثوبها، وتشيح بوجهها. لم تكن أمًا، كانت سلطة ترى العار في بقاء ابنها حيًا.

والأب؟ لم يظهر. كما كُتب.

حاولت أن أرفع رأسي، رأيت السقف يدور، رأيت الشمعدانات كأنها نجوم تضحك عليّ.

ثم… سمعت صوتًا خافتًا جدًا. ليس من البشر. ليس من جسدي. صوت كأن أحدهم يكتب بالقلم على ورقٍ جديد.

ظهر السجل أمامي مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن مجرد واجهة. كان كأنه ظلٌ فوق الواقع.

تم تسجيل الدين. الفائدة: 12% (قابلة للتضاعف عند تكرار نفس المعجزة). التصنيف: خرق مشهد قانوني (درجة 1). تحذير: زيادة احتمال الاستدعاء.

ثم ظهر سطر جعل معدتي تنقبض:

تم تحصيل الضمان: ذاكرة جوهرية.

في البداية لم أفهم. أنا ما زلت أتذكر… حياتي السابقة، صراخها، ألمها، موتي.

ثم خطرت لي الفكرة التي كنت أخافها.

حاولت أن أتذكر الوجه الذي كان ينظر إليّ يومًا كما لو أنني يمكن أن أكون شيئًا أفضل.

أغمضت عيني… واستدعيت الصورة… بقوة… كمن يستجدي رحمة.

لا شيء.

كان هناك فراغ. إطار بلا لوحة. مكان كان يجب أن يسكنه وجه… لكنه الآن مجرد ضباب.

فتحت عيني، والدموع جاءت بسرعة مفاجئة. لم تكن دموع الألم الجسدي. كانت دموع الخسارة التي لا يمكنك شرحها لأحد لأنك لا تعرف ما الذي خسرته تحديدًا… سوى أنك تشعر بنقصٍ فاضح في روحك.

همست بصوت مبحوح: “من…؟”

لم يأت الجواب. لأن الوجه الذي كان سيعطيه… لم يعد موجودًا داخلي.

حاولت أن أصرخ، لكنني كنت ضعيفًا. حاولت أن ألعن، لكن لساني لم يستطع أن يمسك الكلمات.

وأدركت الحقيقة الأولى في هذا العالم:

النجاة ليست مكافأة. النجاة صفقة.

تقدمت الخادمة لتلمسني، ثم تراجعت كأن لمس جسدي ممنوع. جاء رجلٌ كبير في السن، ربما كبير الخدم، وقال بحدة: “احملوه إلى غرفته. بسرعة. قبل أن… قبل أن يتغير شيء.”

“يتغير شيء؟” كرر أحدهم بخوف.

لم يكمل كبير الخدم. لأن في هذا القصر أشياء لا تُقال بصوت.

حين حاولوا حملي، رأيت شيئًا آخر—شيئًا لم يره أحد منهم.

على الجدار، بالقرب من الدرج، ظهر خطٌ رفيع جدًا، أحمر كالدم… ليس دمًا. خط كحاشية تُكتب في هامش الصفحة.

الخط امتد، ثم صار حرفًا، ثم كلمة لم أفهمها بالكامل. لكنها كانت تحمل معنى واحدًا: تصحيح.

بردت أطرافي. لم يكن هذا رعبًا من العائلة، ولا من الموت. هذا رعب من شيء أكبر… شيء يكره التناقض.

السجل ظهر مرة ثالثة، وكأنه ينحني أمام سلطة أقدم منه.

تم رصد الشذوذ. احتمال الاستدعاء: مرتفع. ملاحظة: قفل المشهد قد يُعاد تطبيقه بصورة أعنف.

ثم جاء السطر الأخير… السطر الذي جعل كل ما حدث يبدو مجرد بداية.

موعد التحصيل: أول مرة تشعر فيها بالسعادة دون خوف.

لم أستوعبها فورًا. لكن حين بدأ الخدم يسحبونني بعيدًا، وحين رأيت الأخ الأكبر يبتسم ابتسامة صغيرة كمن يقول “ستدفع لاحقًا”، فهمت.

السجل لم ينقذني ليمنحني حياة.

السجل أنقذني ليمنحني ديونًا .

وهيئة التحرير… لن تترك خطأً بلا تصحيح.

قبل أن يُغلق باب غرفتي عليّ، وقبل أن يبتلعني الألم، سمعت همسًا لا يأتي من الخدم ولا من النبلاء.

همسًا بدا كقلمٍ يضغط بقسوة على ورقة:

“هذا… ليس… مكتوبًا.”

ثم شعرت بنظرة باردة جدًا تُحدق في وجودي نفسه… نظرة شخص لا يكرهك، بل يريد أن يمحوك لأنك أفسدت الصفحة.

وانطفأ الضوء للحظة.

لكن السجل ظل مضيئًا.

كأنه يبتسم.

2026/03/01 · 9 مشاهدة · 2138 كلمة
ZLUREX
نادي الروايات - 2026