لم أكن أشعر بالدفء.
ليس بمعنى أن الغرفة باردة—القصر كله بارد—بل بمعنى أن الداخل نفسه صار مساحة خالية، كأن شيئًا كان يلين حواف الألم اختفى، تاركًا الحواف حادة مثل زجاجٍ مكسور.
كنت أسمعهم، وأشعر بملمس القماش فوق وجهي، وأحس بثقل خطواتهم وهم يحملونني… ومع ذلك بدا الأمر كما لو أنه يحدث لشخص آخر. كأنني أراقب جسدًا ميتًا يُنقل من فصلٍ إلى فصل، بينما شيءٌ آخر—شيءٌ داخل رأسي—يقلب الصفحات بصمت.
كان ذلك "الموت المُصدَّق" يعمل كما وعد السجل: نبضي ضعيف حتى يكاد يكون فكرة، وأنفاسي ضحلة، ودموعي لا تأتي حتى لو حاولت. جسدي يتظاهر بالموت، لكن عقلي… عقلي كان يقظًا كمن ينتظر ضربة ثانية.
لم يخبرني أحد إلى أين يأخذونني، لكن القصر أخبرني بنفسه. حين عبروا ممرًا ضيقًا لم أره من قبل، تغيرت الرائحة: لم تعد رائحة الشمع والستائر الثقيلة، بل رائحة حجرٍ رطب، وبخورٍ كثيف، ومعدنٍ قديم… رائحة أماكن تُخزن فيها الأشياء التي لا يريد الناس رؤيتها طويلًا.
غرفة الموتى.
وضعوني على طاولة حجرية، وارتج جسدي حين لامس الحجر ظهري. البرد هنا ليس طقسًا… إنه قاعدة. كأن الحجر يتذكر آلاف الأجساد التي مرّت عليه، ويحتفظ ببقايا خوفها.
سمعت كبير الخدم يهمس، وصوته كان أقرب مما أحب:
“أغلقوا الباب. لا أريد أحدًا يدخل هنا بدون إذن.”
ثم صوت حارس: “وماذا عن السيدة؟”
“السيدة قالت… لا ضجيج.” رد كبير الخدم. “والسيد الكبير…” صمت لحظة، كأنه لا يريد أن ينطق اسم الأب، ثم قال: “السيد الكبير لا يريد أن يُستدعى.”
ضحكة صغيرة خرجت من أحدهم، ضحكة مليئة بما تعنيه: الأب لن يأتي حتى وأنا جثة.
“والجنازة؟” سأل صوت آخر.
“عند الفجر.” قال كبير الخدم. “سيأتي موثق… ليس طبيبًا. موثق من سكريبتوريوم القديسين.”
تقلص شيء في صدري.
ليس طبيبًا.
موثق.
حتى وأنا “ميت”، هناك من سيأتي ليغلق موتي بالطقس… بالختم.
السجل ظهر أمام عيني فورًا، كأنه يقرأ أفكاري قبل أن تكتمل:
[السِّجل] حالة الموت المُصدَّق: فعّالة (المتبقي: 22 ساعة و… ) تحذير: تصديق بشري ≠ تصديق طقسي ملاحظة: "ختم الخاتمة" قد يحوّل البديل إلى قانون
ختم الخاتمة…
لم أكن أعرف ما هو، لكن الكلمات وحدها كانت كافية لتُفهمني: هناك موتٌ يُصدقونه بالخوف، وموتٌ يُصدقونه بالعقيدة. الثاني أخطر، لأنه لا يكتفي بأن يجعل الناس يظنون أنك مت… بل يجعل العالم يقرّر أنك مت.
بدأت أحصي الوقت في رأسي. أربعٌ وعشرون ساعة ليست حياة، إنها قرض قصير المدى. والسرد—إذا كان فعلاً إدارة—لن يترك قرضًا بلا تحصيل.
سحبوا الملاءة عن وجهي للحظة. ضوء شمعة سقط على عيني، فاضطررت أن أترك جفني نصف مفتوح ثم أغلقه ببطء… تمثيلًا لا يخطئ. كنت أكره أن أضطر للتمثيل، لكني كنت أكره الموت أكثر.
“انظروا… لا حركة.” قال أحدهم. “الميت… ميت.”
“الميت عندنا كان يجب أن يكون ميتًا من أول مرة.” رد آخر بسخرية. “المهم الآن… أن نبقى ضمن النص.”
ضمن النص.
هم أيضًا يستعملون الكلمة نفسها.
ارتفعت خطواتهم، ثم باب يُغلق. القفل استقر بصوت معدني ثقيل. بقي في الغرفة شخص واحد على ما يبدو، لأنني سمعت تنفسًا قريبًا، مترددًا.
فتحت عيني قليلاً—قدر ما يسمح به التمثيل—فرأيت الخادمة الشابة نفسها. كانت واقفة قرب الحائط، تحمل سلة قماش، ووجهها شاحب كما لو أنها لم تتوقع أن ترى "سيدها" على طاولة حجر.
لم تقترب فورًا. ترددت. ثم اقتربت خطوة… ثم ثانية… ثم وقفت عند قدمي، كأن المسافة بيننا خطٌ لو تجاوزته ستدخل في مشكلة لا خروج منها.
همست بصوت يكاد يكون صفيرًا: “سيدي كايل…؟”
كان يجب أن أبقى ساكنًا. كان يجب أن لا أُثبت لها شيئًا. لكن شيئًا داخلي—شيء غبي—رغب أن يستعملها. ليس لأنني أثق بها، بل لأنني لا أملك غيرها.
حرّكت إصبعي حركة لا تُرى إلا لمن يراقبني بقرب… حركة صغيرة جدًا، كتحرك ورقة تحت تيار هواء.
الخادمة شهقت، ثم وضعت يدها على فمها فورًا. عيناها اتسعتا حتى صارتا مثل فزعتين محبوسة.
قالت بصوت خافت يرتجف: “أنت… حي…”
كان عليّ أن أسيطر. أن أحول خوفها إلى صمت لا إلى صراخ.
فتحت عيني بقدر أكبر، ثم أغلقتها، كأنني أقاوم الموت. ثم همست، بالكاد صوت:
“إن… صرختِ… سأموت حقًا.”
ارتجفت. “ماذا أفعل؟”
السؤال كان كنزًا. هي لم تركض. لم تهرب. هذا يعني أن الخوف عندها أقوى من الكراهية… وأنها قابلة للانقياد إذا أعطيتها سببًا.
قلت: “اقتربي… واسمعي.”
اقتربت حتى صارت ملامحها واضحة: شابة، بشرة شاحبة، تحت عينيها سواد تعبٍ لا يليق بعمرها. رائحة صابون رخيص على يديها. ثم رائحة خوف.
همست: “سيأتي موثق… لختم موتي. إذا خُتم… انتهيت.”
ابتلعت ريقها بصعوبة. “موثق سكريبتوريوم؟”
“نعم.” قلت. “إذا كنتِ تريدين أن تخرجي من هذا القصر يومًا… ساعديني.”
لم تكن صفقة رومانسية، ولا حتى وعدًا جميلاً. كانت الحقيقة الوحيدة التي أعرفها: الخدم هنا عبيد بأسماء مختلفة.
الخادمة نظرت حولها، ثم قالت كأنها لا تريد أن تقول الاسم: “الأخ الأكبر… سيقتلني.”
قلت ببرودٍ متعمد: “إن لم تساعديني… سيقتلني أولًا. وبعدها… سيجد سببًا ليقتل غيري. مثلك.”
لم أكن أملك رفاهية اللطف. اللطف يحتاج دفئًا، والدفء مرهون.
صمتت لحظة، ثم سألت: “كيف… كيف أنت هنا؟”
لم أجب. لأن الإجابة هي السجل، والسجل سرّ. والسرّ هو أول أصل سأملكه في هذا العالم.
بدلًا من ذلك، قلت: “اسمك.”
ترددت. “سِيلّا.”
سِيلّا.
السجل كتب دون أن يطلب مني:
أصل محتمل تم رصده: اسم (سيلا) + معرفة بحالة الشذوذ التقييم: منخفض/قابل للنمو اقتراح: تحويل المعرفة إلى عهد (Oath)
عهد.
فهمت بسرعة. في عالم عقودٍ وقوانين، العهد ليس كلامًا. العهد أصل.
قلت لها: “سِيلّا… أقسمي.”
تراجعت خطوة كأن الكلمة صفعتها. “أقسم ماذا؟”
“أنكِ لن تقولي لأحد أنني حي. وأنكِ ستساعديني الليلة. وبالمقابل… سأخرجك من هذا القصر عندما أستطيع.”
كان وعدًا خطيرًا، لأنني لا أعرف إن كنت سأستطيع. لكنه كان أفضل من لا شيء. وفي عالم السجل، حتى الوعد يمكن تحويله إلى قيد… إذا سُجل.
سِيلّا نظرت إلى عيني، ثم إلى الباب المغلق، ثم عادت لعيني. وفي تلك اللحظة رأيت شيئًا في داخلها: ليست شجاعة… بل نفاد.
همست: “أقسم.”
السجل كتب فورًا، كأنه يختم الكلام:
تم تسجيل عهد شفهي. الأصل: عهد (سيلا) الملاحظة: يمكن تحصيله/الاعتماد عليه تحذير: خرق العهد يخلق "ثغرة" سردية
ثغرة سردية… قد أحتاجها لاحقًا.
قلت لها: “اسمعي جيدًا. سيضعونني في تابوت، ثم سيأخذونني إلى القاعة عند الفجر. قبل أن يصل الموثق… يجب أن أختفي.”
“كيف تختفي وأنت مصاب؟” قالت وهي بالكاد تمنع دمعة.
“الممرات… ممرات الخدم.” قلت. “أعرف أن لها مسارات لا يراها النبلاء.”
ارتجفت. “هناك… ممر قديم خلف المطبخ، يؤدي إلى المخزن تحت الجناح الغربي.”
“أحتاج مفتاحه.” قلت.
ابتلعت ريقها. “المفتاح مع كبير الخدم.”
هذا كان متوقعًا. كل شيء هنا يُحفظ في يد من لا يرحم.
قلت: “إذن… ستأخذينه.”
حدقت بي كما لو أنني قلت لها اقفزي من النافذة. “مستحيل.”
السجل ظهر سطر صغير:
إمكانية نجاح: 17% اقتراح: اقتراض الاحتمال (محدود/فائدة مضاعفة)
سحبت نفسي من الخيار في رأسي. لا. لا أستطيع أن أستعمل “اقتراض الاحتمال” مرة أخرى بهذه السرعة. السجل قال إن الفائدة تتضاعف، وأنني إن أفرطت سأدفع بما لا أحتمل.
كان عليّ أن أفعلها بالطريقة البشرية: بالخداع.
قلت لسِيلّا: “المفتاح لا يُؤخذ بالقوة. يُؤخذ بالوقت.”
“ماذا تقصد؟”
“كبير الخدم…” قلت. “هل يشرب؟”
ترددت، ثم هزت رأسها: “أحيانًا… عندما يغضب السيد الكبير.”
“جيد.” قلت. “سنحتاج غضبه.”
سِيلّا ابتسمت ابتسامة صغيرة… ليست فرحًا، بل خوفًا اختلط بفكرة نجاة.
ثم سمعت صوت خطوات في الخارج، فعادت بسرعة إلى دورها. أخذت قطعة قماش، بدأت تمسح حافة الطاولة الحجرية كما لو أنها تنظف بقعة لا تُرى. وأنا عدت إلى سكون الموت.
الباب فُتح. دخل كبير الخدم ومعه رجلان يحملان تابوتًا خشبيًا. التابوت لم يكن فخمًا، بل عمليًا، كأن الابن الثالث لا يستحق نقوشًا. رائحة الخشب الجديد اختلطت برائحة البخور.
“انقلوه.” أمر كبير الخدم.
رفعوني. جسدي صرخ، لكني صمت. وضعوني داخل التابوت. الخشب ضغط على كتفي. أضلاعي احتجت. أغمضت عيني. تركت السكون يعمّ، كأنني أوقّع على شهادة موتي بيدي.
قبل أن يُغلقوا الغطاء، سمعت كبير الخدم يقول بصوتٍ منخفض للحارس: “راقبوا الليلة. أخشى أن المحرّر… لا يزال هنا.”
المحرّر.
حتى هو يعرف وجوده. هذا يعني أن ما أفعله ليس خداعًا لعائلة… بل محاولة لتضليل عينٍ أعلى.
أغلقوا الغطاء. الظلام صار مطلقًا. ثم بدأوا يحملون التابوت، وكل خطوة كانت تصعد وتهبط في جسدي مثل مطرقة.
في الظلام، عاد السجل إلى الظهور. ليس كواجهة فحسب، بل كرفيقٍ قاسٍ لا يتركك تنسى:
دين نشط: 12% + 18% ضمانات مسحوبة: ذاكرة (وجه) + إحساس الدفء (30 يومًا) المشهد الحالي: "جنازة الابن الثالث" (قيد التحضير) خطر: تصديق طقسي قريب
كان لدي أقل من يوم لأتحول من “ميتٍ رسميًا” إلى “غير موجود”.
حملوني عبر ممرات كثيرة. من اهتزاز الخطوات، فهمت أننا نصعد… ثم ننزل. ثم صمتت الخطوات قليلًا، ثم عاد الصوت من جديد.
سمعت أصواتًا بعيدة، ربما بكاء مُفتعل، ربما همسات. ثم سمعت صوتًا أعرفه رغم أنني لم أحفظه بعد: صوت الأخ الأكبر.
“أريد جنازة سريعة.” قال بحدة.
صوت امرأة—أمي—رد ببرود: “السرعة لا تمنع القيل والقال. يجب أن يكون الأمر… محترمًا.”
ضحك الأخ الأكبر. “محترم؟ إنه كان عارًا. حتى موته تسبّب بإزعاج.”
“خفض صوتك.” قالت الأم. “هناك من يسمع.”
“ليسمع.” رد. “أريد أن يُدفن قبل أن تصل إشاعات. وقبل أن يأتي أي طالب من الأكاديمية ليقول إنه رآه أمس حيًا.”
الأكاديمية.
الكلمة كانت أول نافذة على فصلٍ أكبر. هذا يعني أن كايل كان جزءًا من عالم طلاب ومراتب وختم… ليس مجرد قصر.
قال الأخ الأكبر بصوت أخفض: “وماذا عن الموثق؟”
“سيأتي.” قالت الأم. “وسيغلق الأمر.”
ثم صمتٌ لحظة، كأنهم يبتلعون كلمة لا يريدون قولها:
“ختم الخاتمة.”
رأيت الكلمة في رأسي كخنجر. إذا تم الختم، فالموت لن يكون تمثيلًا بعد الآن. سيكون قانونًا.
كان على سِيلّا أن تتحرك قبل الفجر. قبل وصول الموثق. وقبل أن يقرر الأخ الأكبر أن يضيف “احتياطًا” مثل طعنة في القلب.
التابوت وضعوه أخيرًا على شيء ثابت. لم أعد أسمع اهتزاز حمل. هذا يعني أنني في مكانٍ مخصص لانتظار الجنازة: ربما كنيسة القصر، أو قاعة جنازات صغيرة.
ثم… تركوني وحدي.
الظلام مع الخشب كان ضيقًا، لكنه أعطاني لحظة لأفكر. لأول مرة منذ استيقظت، لم يكن هناك صوت خدم يخططون لقتلي مباشرة. كان هناك فقط صوت نفسي—نفس ضعيف—وصوت السجل.
تحليل سريع: إذا بقيت داخل التابوت حتى الفجر = احتمال موت حقيقي مرتفع (ختم/فحص/دفن) إذا خرجت الآن وحدي = احتمال انكشاف مرتفع إذا استعنت بـسيلا = احتمال متوسط، مع أصل جديد (عهد)
لم أكن أملك خيار “الانتصار”. كنت أملك خيار “أقل خسارة”.
سمعت خشخشة قرب التابوت بعد وقتٍ لا أعرف طوله. ثم نقرات خفيفة، كأن أحدهم يختبر الصوت. ثم همس:
“سيدي… أنا.”
سِيلّا.
حاولت أن أتحرك، لكن جسدي كان متخشبًا. اكتفيت بطرقة خفيفة من الداخل.
سمعت تنفسها يتسارع. ثم قالت: “المفتاح… لم آخذه بعد. كبير الخدم في المخزن يشرب. الأخ الأكبر صرخ عليه… صار غضبان… وهذا يجعله يشرب أكثر.”
جيد. الخطة تتحرك.
“أحتاج… وقتًا.” همست. “لكن هناك شيء… هناك رجل غريب في الممر. لم أره من قبل. ملابسه رمادية…”
تجمد كل شيء داخلي.
المحرّر لم يذهب.
السجل ظهر فورًا:
تحذير أحمر: وجود محرّر قريب المقترح: تقليل الحركة + تجنب "ثغرات" مرئية
همست من داخل التابوت، بصوتٍ بالكاد يخرج: “لا تقتربي منه.”
“هو لا ينظر إليّ.” قالت وهي ترتجف. “لكنه… يجعلني أريد أن أنحني دون سبب.”
“لا تصنعي ضجيجًا.” قلت. “خذي المفتاح… وعودي.”
صمتت لحظة، ثم قالت: “سيدي… لماذا يساعدك السجل؟”
تصلبت. لم أخبرها اسمه. لم أنطق به أمامها. كيف…؟
السجل كتب:
ملاحظة: العهد خلق ارتباطًا سرديًا — بعض المفاهيم قد تتسرّب تحذير: توسع الدائرة يزيد خطر الرصد
اللعنة.
هذا العالم لا يحتفظ بالأسرار بسهولة. كلما ربطت شخصًا بك، صار جزءًا من نصّك، وصرت جزءًا من نصّه. ومع النص… يأتي التسرب.
قلت بحدة: “لا تسألي.”
سمعت ابتلاعها لريقها. “نعم… سيدي.”
ابتعدت.
بقيت في الظلام، أحارب ضيق النفس. الألم في كتفي كان يجعلني أريد أن أصرخ، لكن الصراخ هنا يساوي الإلغاء.
بعد وقت، عاد الصوت. خطوات خفيفة. ثم صوت معدن يلامس خشب.
المفتاح.
قفل التابوت فُتح ببطء، كأن سِيلّا تخشى أن يسمع الخشب نفسه. الغطاء ارتفع بقدر إصبع. دخل هواء بارد. ثم ارتفع أكثر.
ظهرت سِيلّا، وجهها شاحب ويدها ترتجف. وفي يدها مفتاح صغير وعليه حلقة نحاسية عليها نقش شعار العائلة.
همست: “أخذته… من جيبه.”
“كيف؟” سألت.
ابتسمت ابتسامة بائسة: “نام وهو يلعن حياتنا.”
هذا هو الفرق بين النبلاء والخدم: النبلاء يملكون الحق في الضعف، والخدم يدفعون ثمن ضعفهم.
مدّت يدها نحوي لتساعدني على الجلوس. عندما لمستني، توقعت أن أشعر بشيء… دفءٍ بشريٍ بسيط، مثل أي لمس صادق. لكن لا شيء. اللمس كان مجرد معلومة: يد على كتف. لمعة خوف في عين. لا حرارة.
فهمت بوضوح مؤلم معنى رهن الدفء. العالم صار معلومات بلا نعومة.
قلت: “الممر.”
أشارت: “تعال. بسرعة.”
نزلت قدمي إلى الأرض. الألم صعد من ضلوعي كقنبلة. كدت أن أسقط، لكن سِيلّا أمسكتني. حاولت أن أكون خفيفًا، لكن جسدي خائن؛ كل خطوة كانت تصرخ في عظامي.
خرجنا من القاعة عبر باب جانبي. الممر كان مظلمًا، شموع قليلة. وفي نهاية الممر… رأيته.
الرجل الرمادي.
المحرّر.
كان واقفًا عند زاوية، لا يتحرك. ليس كحارس، بل كفاصلة في النص. وجوده وحده يجعل المكان “صحيحًا” بشكل مزعج.
سِيلّا تجمدت. شعرت بارتجافها. عينها أرادت أن تنخفض لوحدها. وأنا… شعرت بثقل في رأسي، كما لو أن أحدهم يضغط على الصفحة التي أحاول الخروج منها.
السجل ظهر:
لا تنظر إليه مباشرة. الخطر: تفعيل إثبات (Proof) نافذة القرار: 3 ثوانٍ
ثلاث ثوانٍ فقط.
لم أملك وقتًا لصفقة جديدة. ولا أريد فائدة مضاعفة. كنت بحاجة إلى شيء… شيء إنساني. خدعة بسيطة.
همست لسِيلّا دون أن أحرك شفتي كثيرًا: “ابكي.”
حدقت بي. “ماذا؟”
“ابكي… وانهاري. الآن.”
لم تفهم، لكن الخوف جعلها تطيع. فجأة، أطلقت شهقة عالية، ووضعت يدها على وجهها وبدأت تبكي بصوتٍ خافت لكنه مسموع.
“لا أريد… لا أريد أن أراه… جنازة… لا…” قالت كلمات غير مرتبة.
المحرّر التفت ببطء. لأول مرة رأيته يتحرك. ليس لأنه اهتم بمشاعرها، بل لأن الحركة البشرية تُنتج “سطرًا” جديدًا، وهو يقرأ السطور.
في تلك اللحظة، استخدمت انهيارها كستار. سحبت نفسي نحو الباب القريب الذي يقود إلى ممر الخدمة، ودفعته بكتفي بحذر. الباب انفتح بصوت خفيف.
دخلت أولًا، وسحبت سِيلّا معي، ثم أغلقته.
في الداخل كان الظلام أعمق، ورائحة الطحين والسخام والماء القديم. ممر ضيق، فيه سلال، وصناديق، وأنابيب.
سِيلّا كانت تلهث. “هل… هل رآك؟”
لم أجب فورًا، لأنني كنت أسمع شيئًا في الخارج… ليس خطوات، بل صوت خافت يشبه تقليب صفحة ثم توقف. كأن المحرّر توقف عند سطر، ولم يقرر بعد ماذا يفعل به.
السجل كتب:
تم تفادي إثبات مباشر. ملاحظة: تم تسجيل "حركة غير مصرح بها" الخطر: متوسط / يتصاعد عند الفجر
قلت أخيرًا: “لا أعلم. لكن الوقت ينفد.”
سِيلّا أشارت نحو الأسفل: “المخزن تحت الجناح الغربي… من هنا.”
سرنا في الممرات. كلما اقتربنا من الأسفل، صار الهواء أثقل. كأن القصر يدفن أسراره تحت نفسه. شعرت بقطرات ماء تسقط من سقف منخفض. شعرت برائحة عفن خفيف.
وصلنا إلى باب حديدي صغير. سِيلّا أدخلت المفتاح وفتحته. خلفه كان سلم حجري ينزل إلى ظلام.
“هنا…” قالت وهي تبتلع خوفها. “لا يأتي النبلاء إلى هنا.”
نزلنا. الألم جعلني أضغط على أسناني حتى كادت تتكسر. وصلنا إلى غرفة مخزن واسعة، فيها براميل، وصناديق، وأقمشة قديمة.
سِيلّا أغلقت الباب خلفنا وأزاحت صندوقًا لتضعه كعارضة.
ثم التفتت إليّ. “ماذا الآن؟”
“الآن…” قلت وأنا أتنفس بصعوبة، “أنا رسميًا ميت. وهذا يمنحني شيئًا واحدًا: الوقت لأختار من أكون.”
نظرت إليّ كأنها تنتظر خطة معجزة. لكني لم أملك معجزة. المعجزات تُسجّل ديونًا. وأنا ما زلت في بداية دفتر الحساب.
السجل ظهر، هذه المرة بهدوء، كأنه يقيّم المكان:
موقع: مخزن غير مرصود (احتمال منخفض) فرصة: تحويل "الموت الرسمي" إلى أصل اقتراح: شراء هوية بديلة (جزئية) — ثمن متوسط
هوية بديلة…؟
ظهرت جملة صغيرة أسفل الاقتراح:
"الميت" يمكن أن يتحول إلى "شاهد مفقود" داخل النص.
شهقت سِيلّا حين رأت الحبر يسبح أمام عينيها—أو ربما رأت انعكاسه في نظرتي. قالت: “أنت… لست بشرًا.”
أجبتها بصدقٍ بارد: “أنا بشر. لكن هذا العالم… لا يعامل البشر كبشر.”
ثم جلست على صندوق، لأن ساقي لم تعد تحملني. نظرت إلى يدي. تذكرت الوجه الذي فقدته… ولم أشعر بالانكسار كما يجب. لا دمعة. لا رعشة دفء. فقط فراغ.
قلت لنفسي: هذا ما يريده السجل. أن يصبح الدفع أسهل.
سِيلّا جلست قرب الباب، تضم ركبتيها. “سيبحثون عنك.”
“سيبحثون عن الجثة.” قلت. “وحين لا يجدونها… سيبدأ النص بالجنون.”
“هل… سيقتلوني؟”
نظرت إليها. الآن هي دخلت في قصتي. وهذا خطر. لكنها أيضًا أصل. أول أصل بشري لا يكرهني تمامًا.
قلت: “قد يحاولون. لكن هناك شيء أخطر من النبلاء.”
“المحرّر…” همست.
هززت رأسي. “هو لا يقتل من أجل الكراهية. هو يقتل من أجل التصحيح.”
صمتت. ثم قالت بصوتٍ مرتجف: “ماذا تريد مني؟”
ترددت لحظة. ثم قلت: “أريد… معرفة.”
رفعت عينيها. “أي معرفة؟”
“كل شيء.” قلت. “عن هذا العالم. عن الأكاديمية. عن الأختام. عن بيت ڤارين… وعن سبب موتي المكتوب.”
سِيلّا ابتلعت ريقها. “أنت… لا تتذكر؟”
ابتسمت ابتسامة لم تكن ابتسامة: “أنا أتذكر ما يكفي لأعرف أنني لا أتذكر الصحيح.”
كان ذلك نصف حقيقة. والنصف الآخر… أنني لم أكن هذا الشخص أصلًا.
السجل كتب سطرًا صغيرًا، كأنه يذكّرني بعاهة خفية:
الذاكرة المرتهنة لا تعود. الفراغ يصبح عادة.
في تلك اللحظة، جاء الصوت من فوقنا—من الباب الحديدي الذي يؤدي إلى السلم. صوت خطوة واحدة، ثم توقف.
ثم صوت آخر: ليس خطوة… بل احتكاك خفيف، كأن أحدهم يمرر إصبعه على الباب.
سِيلّا اتسعت عيناها. وضعت يدها على فمها.
أنا تجمدت. ليس خوفًا فقط، بل إدراكًا مفاجئًا: المحرّر لا يحتاج أن يعرف كل الممرات. يكفي أن يشعر بـ"ثغرة" في النص.
السجل ظهر، وهذه المرة كان حبره أثقل:
تم رصد اقتراب محرّر. الوقت: غير مؤكد اقتراح طوارئ: "بند الهامش" متاح (مرة واحدة) التكلفة: عالية / الضمان: ذكرى أو إحساس إضافي
بند الهامش…
مرة واحدة.
ابتلعت. أنا لم أرد أن أدخل الهامش الآن. الهامش ليس مخرجًا آمنًا؛ الهامش فمٌ يأكل من يدخل.
لكن الصوت فوقنا تكرر، وهذه المرة صاحبه جملة… جملة لم تُقل للبشر، بل للواقع:
“هنا… رائحة تناقض.”
تصلبت عظامي. هذا ليس أخًا أكبر. هذا ليس حارسًا. هذا صوت من يقرأ الصفحة ويشم الحبر.
نظرت إلى سِيلّا. هي كانت على وشك الانهيار.
قلت لها بصوت منخفض جدًا: “إذا دخل… لا تتحركي.”
“وأنت؟”
نظرت إلى السجل. ثم قلت لنفسي شيئًا لم أكن أريد قوله:
قد يكون الوقت حان لأول مرة لا أهرب فيها من الثمن… بل أختاره.
في الظلام، بدأ الباب الحديدي يصدر صوتًا خفيفًا… ليس صوت مفتاح، بل صوت واقعٍ يلين.
وكتب السجل آخر سطر في الفصل، سطرًا جعل أنفاسي تتوقف:
"بند الهامش" سيفتح… لكن ما يخرج معك قد لا يكون أنت وحدك.
ثم… انفتح الباب ببطء.
وانتهى الفصل.