بينما كان آشورا يراقب الدمار، لمح وميضًا يقترب منه بسرعة خاطفة. ارتسمت ابتسامة شيطانية على وجهه وهو يفتح ذراعيه: "أهلاً بك… يا إيرولد ! "

انقضَّ إيرولد كالصاعقة، وفي اللحظة التي كانت تفصله عن الموت شبر واحد، صرخ بصوتٍ هزَّ أركان واقع الروح: " الآن يا آرثر "

توقف آرثر في مكانه، وبدت ملامحه الروحية كأنها تذوب من شدة التركيز، رفع يده نحو السماء الممزقة وصاح بصوتٍ حادّ كالنصل : "

أطعني أيها الوقت

"

في جزء من الثانية، انكسر الواقع.. ساد صمتٌ مطبق وتجمد كل شيء. توقفت شظايا الأبنية في الهواء، وهمدت ألسنة اللهب، وصار العالم لوحةً زيتية ساكنة. تقدم إيرولد بخطواتٍ واثقة وسط هذا الفراغ الزمني، واستجمع كل طاقة ثورن، ليمزق كتف آشورا بخطٍ نظيف

لكنَّ الرعب الحقيقي تجلى هنا؛ فرغم تجمد اللحظة، كانت عينا آشورا تتحركان! ببطءٍ مرعب، كانت حدقتاه تتبعان حركة إيرولد، وكأنَّ روحه لا تخضع لقيود الزمن التي فرضها آرثر. عاد الوقت فجأه ليتدفق بجنون، وسقط آرثر على ركبتيه يلهثُ بعنف، والدم يسيل من عينيه من فرط الإجهاد.

وقبل أن يتمكن إيرولد من التراجع، اندفعت لكمة آشورا الهائلة ، قبل ان تستقر في صدره وتكاد تطحن عظام قفصه الصدري. صرخ إيرولد: " آرثررر! مرة أخرى.. الآن! "

وقف آرثر وهو يتصبب عرقاً كأنه يتبخر، ليصرخ مجدداً: " أطعني أيها الوقت! "

توقف الزمان للمرة الثانية. ظهر إيرولد كالشبح خلف ظهر آشورا، وغرس نصله في الجرح السابق ليزيده عمقاً. ومع عودة الحياة للحركة، التفت آشورا ببطء، ولم تكن ملامحه تحمل ألماً، بل ابتسامةً عريضة قال بهدوءٍ:

" فهمت… "

عاد الزمن ليسمع الجميع صوته العميق يهدر: " مصفوفة الهواية... ظلام بلا نهاية! "

انفتحت الأرض تحت أقدام آرثر لتسحبه بقوة إلى ظلام لا نهائي، ابتلعه وهو يصرخ في هاوية بلا قاع، من ذلك الظلام، تجسّد جسد عملاق لآشورا . فتح قبضته ليسقط آرثر على قبضته، لكنه يغلقها على آرثر بسرعة كأنه يَفْعَص حشرة صغيرة.

رخى آشورا قبضته العملاقة بلامبالاة، وكأنَّه ألقى بقطعة خردة لا قيمة لها، وقال بصوتٍ يملؤه الاحتقار:

" هذا سيبعدُ تلك الحشرة المزعجة لبعض الوقت.. "

غُشي على آرثر وهو يختفي داخل العتمة. التفت لوس نحو آشورا ، عيناه تلتمعان: " لم أظن أني سأضطر لاستخدامها في حياتي… "

اشتعلت النيران حوله، لتتشكل فوق رأسه تاج ملتهب . ارتفع حاجبا آشورا بفضولٍ حقيقي، ومال برأسه قليلاً يراقب التحول، وقال بنبرةٍ غلبت عليها الدهشة: " أوووه… نيران الجحيم، هاه؟ من من كبار عالم الجان علّمك إياها؟ "

ردَّ لوس بحدة، والنيرانُ تتراقصُ في عينيه كالعواصف: " لا شأن لك .. "

تبسم آشورا بخبث، وبرزت في عينيه نظرةٌ شيطانية وهو يخطو خطوةً نحو لوس، وقال ببرودٍ مستفز:

" يا فتى.. "

تغيرت ملامح آشورا في رمشة عين؛ تبخرت الابتسامة المستفزة ليحل مكانها قناعٌ من الجدية القاتمة التي تجمد الدماء في العروق. تقدم خطوةً واحدة جعلت الأنقاض تحت قدمه تتحول إلى هباء، وقال بنبرةٍ فحيحها كأنه نذير الموت: " أتظن أنه لمجرد أني ألهو معكم... يمكنك أن تخاطبني بهذه الطريقة؟! أتدري ماذا يحدث عندما يسيء حيوان الأدب؟ أنا لا أعاقبه، بل أجعله يحمل رأسه المقطوع بيديه ليرى نهايته.. "

لم يرتجف لوس؛ بل زاد وهج تاجه الملتهب، وردَّ بنبرةٍ حادة كالشفرة : " أهذه معلومة، أو تهديد بأن ألتزم الأدب؟ "

يضحك آشورا ، ثم بنبرة جدية: " جرب إذًا... لتمسك رأسك بيدك! "

اندفع لوس بسرعة، تتفجر ألسنة النار من قبضتيه، لتتشكل حول يديه قفازات نارية هائلة. بدأ ينهال باللكمات على آشورا ، فيتبادل الاثنان الضربات، شرارات اللهب تتطاير مع كل تصادم.

ضحك آشورا وسط القتال بصوت مجنون: " هاهاها! هذا مثير للاهتمام… لماذا تخفي قوتك يا فتى؟! أشعر منك بشيء غريب… أرني أفضل ما لديك! "

يحوّل آشورا يديه إلى لهب متفجر، ويتبادل مع لوس لكمات نارية تحرق الهواء من حولهم تبسم آشورا :

" لا أظن أن معلمك أفضل من معلمي... يا هذا! "

يتصادم لوس وآشورا أمام بعضهما. بينما آشورا مسترخٍ، قال لوس: " ومن هو معلمك؟ "

ليقترب آشورا من أذن لوس ويهمس: "

الموت

. "

ليقف آشورا ويفتح ذراعيه: " هيا! سوف أمنحك لكمة. "

استجمع لوس كل ما تبقى من سعير نيران الجحيم في قبضته، وهوى بها في لكمةٍ مباشرة استهدفت أحشاء آشورا. دوت فرقعةٌ نارية هائلة، وتصاعد دخانٌ كثيف من نقطة الاصطدام، لكنَّ الدخان انقشع ليظهر أثراً طفيفاً لحرقٍ لا يتجاوز حجم كف اليد على جلد آشورا الرمادي. قهقه آشورا بضحكةٍ هزت أركان أوروك:

" أحسنت.. لمسةٌ دافئة حقاً. والآن...حان دوري! "

في لمح البصر، تبخر آشورا من أمام لوس، ليظهر كالشبح إلى جانبه، وسدد لكمةً خاطفة ومسحوقة بطاقة إلى خصر لوس. سُمِع صوتُ تحطم العظام بوضوح، وانقذف جسد لوس ليرتطم بالأرض بعنف، حيث بدأ يتقيأ دماً ومرارةً من شدة الألم. غامت الرؤية في عينيه، وتمتم بصوتٍ مبحوحٍ مخنوق: " ما هذه… القوة المجنونة؟ "

وبينما كان آشورا يتقدم بخطواتٍ وئيدة لإنهاء أمره، غرس لوس يده المحترقة في الأرض المحطمة، مستخدماً ما تبقى من إرادته ليرفع جسده المنهار. رفع رأسه نحو رفاقه،رفع لوس قبضته المشتعلة وقال بصوت مدوٍّ:

" إيرولد! أرجوس! أحتاج إليكما… هذا الكيان لن نهزمه بقوتنا وحدها! يجب أن نعيده إلى عالم الجان! "

تقدّم إيرولد و أرجوس بجانبه، عيونهم مثبتة على عرش آشورا . قال إيرولد بصرامة: " لكن… كيف سنفعل هذا؟ "

رسم لوس على شفتيه ابتسامةً شاحبة، ابتسامة من يرى نهايته ويرحب بها، وأجاب: " الخطة بسيطة ومميتة في آنٍ واحد.. قاتلوا كما لو أنَّ الموت ينتظركم عند أي خطوة للخلف.. لأنه، وببساطة، ينتظرنا جميعاً بالفعل . "

شدَّ إيرولد قبضته على مقبض ثورن حتى ابيضت مفاصِله، وبرز من عينيه برودٌ لا يصدرُ إلا عن رجلٍ تخلص من ثقل الأمل، وقال:" لا داعي لتذكيري..الموت هو الضيف الوحيد الذي لم يغادر هذه الساحة منذ بدايتها."

أكمل لوس وهو يحاول تثبيت رؤيته التي بدأت تتشوش: " اسمعوني جيداً.. آشورا لم يعبر البوابة… بل تم استدعاؤه.. لذا كل ما نحتاج إليه هو الوقت. "

فقال أرجوس وهو يرمق آشورا الذي كان يراقبهم بملل : " إذًا علينا أن نحتمل ضربات هذا المجنون . "

أجابه لوس بثبات: " نعم… هذا صحيح . "

سقط لوس على ركبتيه، يتنفس بصعوبة، والعرق يتصبب من جبينه. نظر بارتباك إلى يديه المرتجفتين وقال بذهول ممزوج بهدوء: " جسدي… لا يتحمّل… هيا، انهض أيها الجسد الغبي! "

تشبث أرجوس بكتف لوس وهو يصرخ بصوتٍ غلبه الرعب والقلق: " ـلوس! ما الذي يحدث لك؟! " لكن لوس لم يستطع سوى بأن يضغط على أسنانه غاضبًا، محاولًا النهوض. في تلك اللحظة، مدّ إيرولد يده الأخرى وأمسك به، صوته مليء بالإصرار: " انهض يا لوس! لن تسقط الآن… ليس وأنت معنا! "

وفجأة، انشق الظلام، ووقف آشورا بينهم، ابتسامته عابثة ونظراته تتلذذ بالمشهد: " هل تريدون تأخير القتال… أم ماذا؟ "

صُعقوا جميعًا، لكن قبل أن يلتقطوا أنفاسهم، اندفع آشورا بسرعة خاطفة نحو أرجوس، ولكمه بضربة هائلة أسقطته أرضًا بلا مقاومة. ثم التفت نحو إيرولد، صوته يقطر سخرية : " ليس من الجميل أن يسقطوا جميعًا وتبقى أنت وحدك واقفًا. "

ركل إيرولد بقوةٍ مدمّرة، فطار في الهواء وسقط أرضًا بعنف؛ تناثر التراب حوله، وامتزجت دماؤه بالتراب. رفع لوس رأسه إلى الأعلى، أنفاسه متقطعة، وعيناه تراقب السماء، ليرى آشورا واقفًا فوقه، هالته المظلمة تتوهج: " هيا… أخرج كل ما لديك، أيها الفتى. أعلم أنك تخفي قوتك. وإلا… فسأقتلهم واحدًا تلو الآخر أمامك. "

حاول لوس الكلام و قبضته ترتجف ابتسم آشورا بخبث وهو يرفع أصابعه، وبدأ يعد ببطء: " عشرة… تسعة… ثمانية… سبعة… ستة… خمسة… أربعة… ثلاثة… أسرع يا فتى… اثنان… "

اغمض لوس عينيه، و هوا يقول: " العنة!!! "

لكن فجأة… وقبل أن ينطق احد ، اهتز المكان.تجمّد آشورا ، ولوس يحدق بذهول. وبينهما، ظهر كيان غريب ، كأن إيرولد نفسه يقف أمام آشورا … لكن بملامح مشوّهة، عيون متوهجة، وهالة لم يروها من قبل. يهمس لوس و هوا على الارض : " ما هذا؟"

الظلام كان يتساقط منه مثل سائل أسود يغطي وجهه، ينساب على عنقه كأن جسده ينزف سواد. عينيه لم تعودا بشريتين… بل كانتا تتفجران بشرر أبيض، كغبار نجمي يتطاير في الهواء، وكأن داخله شمس تموت. وفوق رأسه، ارتسمت حلقة من نور أبيض متشقق، ليست هالة ملاك… بل دائرة مشوهة، كأنها لعنة انكسرت.

ابتلع لوس ريقه وهو يراقب المنظر: " هل هو إنسان… ام روح… او شيطان… ما هذا الكيان بحق الجحيم؟ "

إيرولد، داخل الظلام، يصرخ: " آرثر! كيف استطعتَ التحكم؟ أجبني! " لكن بدلًا من أن يسمع صوته، ارتجف الفضاء من حوله، وخرج صوت ثقيل، عميق، كأنه قادم من الاعماق:

" اصمت، أيها الأحمق… لو تُرك الأمر لك أنت وذلك الاحمق الصغير، لهلكنا منذ زمن. "

ارتبك إيرولد، وتراجع خطوتين وهو يصرخ: " مَن أنت؟! " ردّ الصوت ببرود مزلزل : " أنا... مالك هذا الجسد. أنا من اختارني التوازن. أنا هو الأصل. "

تسمر إيرولد في مكانه، عيونه تتسع من الصدمة: " كفاك كذب من أنت يا هذا و كيف سيطرت على جسدي!" لكن الكيان تجاهله، كأنه لم يسمعه.

في الخارج… وقف آشورا ، ابتسامته قاتمة وهو يراقب الكيان وقد تجسّد. قال بصوت يعتليه الفخر:

" هيا أيها الغريب… أرِني ما لديك. "

لم يتردد الكيان. اندفع في اللحظة الأولى كوميض خاطف، لتبدأ المعركة. رفع يده اليمنى، فانطلقت منها ومضة بيضاء كالشمس ، تلتف حولها ظلال سوداء متلوّية، ارتطمت بنار آشورا المشتعلة، فاهتزت الأرض تحت أقدامهما، وتطاير الشرر والنور في كل اتجاه.

ضحك آشورا بحرارة : " هاهاها! هذا ما كنت أبحث عنه ! "

رفع الكيان صوته: " وهج الانقسام ! " فانطلقت عروق سوداء من ذراعيه كالأفاعي المتفجرة، لتلتف حول جسد آشورا وتقيده. لكن آشورا مزّق بعضها بقوة، فيما البقية التصقت بذراعيه وصدره، تاركة آثار حروق مظلمة. صرخ آشورا بدهشة ممزوجة بالإعجاب: " سلاسل؟! لا… دم حي! يا للغرابة! "

تابع الكيان بصوت جليّ: " نقمة النور ! " فارتجفت الهالة المشوّهة فوق رأسه، بدأت بالدوران بسرعة، مطلقة شرارات بيضاء قاتلة تساقطت مثل شظايا متفجرة. كل شرارة اخترقت الأرض وأذابتها، حتى أجبرت آشورا على رفع يديه لصدّها.

ضحك آشورا بوحشية أكبر: " مذهل! قوة النور والظلام… معًا ! "

صرخ الكيان أخيرًا: " الهالة المحطَّمة! " لكن قبل أن يكتمل الهجوم، تجمّد جسده فجأة. نزيف أسود وأحمر تدفق من عينيه وأنفه وفمه. ترنّح، سقط على ركبتيه، جسده يرتجف وهو يهمس بصوت متقطع:

" ــ تبا … وقتي… انتهى… "

انهار على الأرض يتنفس بصعوبة، فيما وقف آشورا فوقه، عيناه تتقدان باهتمام نادر.قال بهدوء قاتل: " لو لم يسقط جسدك … ربما كنتَ خصمًا يليق بي. "

اقترب بخطوة، انحنى قليلًا وهو يراقب الكيان الملقى أمامه: " أنت لست ذلك الفتى… لست إيرولد. فما أنت بحق الجحيم؟ "

رفع الكيان رأسه ببطء، عيناه تلمعان بالهالة المشوهة، ابتسامة باهتة ترتسم على وجهه الملطخ بالدم، وقال بصوت مبحوح لكنه مليء بالغرور: " اسمي… دانتي. "

ساد الصمت، قبل أن ترتسم ابتسامة شريرة على وجه آشورا وهو يتمتم: " دانتي… هاه؟ يبدو أن هذا الجسد يخفي أكثر مما توقعت. "

ثم استقام، يلتفت للخلف فجأة. هناك شق في الهواء قد انفتح، يطلق أضواء نجمية . ضحك آشورا ضحكة مجنونة : " هاهاها! إنه يوم سعدي. "

ومن ذلك الشق، خرجت آسترا ، نورها يتلألأ وهي تقول بصوت يتردد في السماء: " سيّد الدمار ...! "

ابتسم آشورا ابتسامة عابثة، عيونه تلمع بنهم وهو يقول: " النجم الصغير… آسترا. هل السماء نفسها أتت لتقاتلني؟ إذن… هيا! "

أخرجت آسترا من الهواء سيفًا يتشكّل أمامهم، كأن سديمًا من النجوم يسري داخله، يلمع بضياء سماوي يبعث الرهبة في النفوس. قالت بصوت ثابت يملؤه الكبرياء: " أنت لست ندًا لي… وبسبب قوانين هذا العالم لا أستطيع سوى

إضعافك

فقط. "

ضحك آشورا ضحكة مقيتة، وعيناه تتوهجان بالشر

: "

لم أولد قويًا مثلكِ يا آسترا… بل أنا من صنع هذه القوى! أنا من جسّد شيئًا اسمه الدمار! ليس كما تقول نبوءة عالم الجان.

"

رفعت آسترا سيفها، وعينيها تتوهجان كالنجم: " عد يا آشورا … أخرج من هذا العالم! "

ردّ بسخرية، مشيرًا إليه بيده وكأنه يتحداها: " أجبِريني إن استطعتِ! أنتِ لستِ سوى

استدعاء

. قواكِ في عالم البشر لا تكون كاملة أبدًا. "

رفعت آسترا سيفها عاليًا، لتتجمع السدم الضوئية في كرة لامعة على رأس النصل. قالت بهدوء: " إذًا… هذا ما تريده؟! هذا… تحذيري الأخير لك يا آشورا ! "

آشورا بابتسامة ساخرة يضع يده خلف أُذنيه: " لا أسمع ما تقولين. "

أشارت بسيفها في اتجاهه، ثم مالت به بسرعة، لتنفجر الكرة النجمية وتنطلق على شكل شُخطٍ ضوئي هائل اخترق الفضاء. اصطدم الهجوم مباشرة بصدر آشورا ، ففتح فيه جرحًا عميقًا، وتقيأ الدماء بقوة، حتى الأرض اهتزت من شدة الضربة.

آسترا بصوت بارد: " أصبتُه…! "

يسود الغبار المكان ليخرج آشورا ، مسح الدم من فمه، ابتسامته لم تفارقه: " قوتكِ هنا... لا تكفي يا صغيرة. "

أشار إليها بيده، وكأنه يودّعها : " هذا كل ما تستطيعين فعله… ولكونك مجرد

استدعاء

… يمكنك تنفيد

ضربة واحدة

لا أكثر. لذا… إلى اللقاء. "

اختفت آسترا فجأة، والبوابة خلفها انغلقت بصريرٍ مخيف، وصوتها يتلاشى وهي تهمس: " منذ متى… أصبح أقوى من ذي قبل؟ "

وقف آشورا شامخًا النيران تندلع خلفه ، جرحه ينزف لكنه بدا وكأنه يزداد هيبة وقوة بدلًا من أن يضعف. رفع يديه، ابتسامته أكثر جنونًا من ذي قبل: " هيا يا رفاق… من يريد إكمال

اللعب

؟! "

استفاق آرثر في الظلام و هوا يسقط، يصرخ: " هل سأستمر في السقوط؟ " ثم همس: " حسنًا… فلنجرب هذا… أطعني أيها الوقت! "

في ساحة المعركة، آشورا ضام يديه، ابتسامته تتسع والشرر يتوهج في عينيه، يحدّق في إيرولد ورفاقه بلا خوف. ينظر إلى أرجوس وهو في حالة رعب، عيناه تشتعل لتذيب الرعب في قلبه. ليلتفت آشورا ، ليُصدم. فجأة، ظهر جلجامش أمام آشورا محاولًا تسديد ضربة لوجه آشورا بيديه اللتين كانتا تشعان بهالة ذهبية، ووجهه مملوء بالغضب.

وفجأة، تجمد الزمن. كل شيء حولهم توقف، حتى الهواء بدا ساكنًا. وجوه آشورا و جلجامش كانت على بعد سنتمترات من بعضها، كل تعابير الغضب والتحدي واضحة تمامًا لكن لا أحد يتحرك، يسطيعو فقط تحريك رئوسهم.

جلجامش بغضب متجمد : " أنت... أنت ذلك اللعين الذي دمَّر كل شيء! "

آشورا بابتسامة ساخرة و رأسه المرفوع ، عيناه تتوهجان: " أوه… وضيع مثلك يجرؤ على مخاطبتي؟ "

أرجوس صوته ليغطي ساحة المعركة : "كيف لا يشعر بالرعب… ألا يشعر بأي شيء؟ "

ابتسم آشورا ببطء، محركًا رأسه ببطء شديد ، وكأنه يكسر الوقت : " لا… اني أشعر بشيء… ما هذا… آه… أشعر بالشفقة. "

انفجر غضب جلجامش ، صوته يمزق الصمت: " سأقتلك! "

لكن السماء من فوق بدأت تتشقق تدريجيًا، خطوط من الظلام تنفصل، لتتشكل بوابة ضخمة، سوداء ودوّامة، تبتلع الأفق.

ابتسم آشورا بخفة، وكأنها مجرد متعة مؤجلة : " وقتي… انتهى. تبا… كنت أريد اللعب معكم أكثر، لكن لم أستطع. سنكمل التسلية المرة القادمة. "

ثم نظر إلى جلجامش مباشرة، صوته صار عميقًا وواثقًا: " أنت لا تعرف من أنا، أليس كذلك؟ أنا آشورا. أنا أخبرك بهذا لكي تكون شاكرًا لي؛ لقد تركت لك ربع ما تبقَّى هنا وبعضًا من السكان ، هيا يا فتى، ابدأ بشكري. "

ليعتلي الغضب وجه جلجامش: " لأُذيقَنَّك الموت! "

ليضحك آشورا : " لا أظن هذا. "

ليتبسم بخبث : " حسنًا، إن استطعت الوصول إليّ... سنكمل قتالنا... أيها الغر! "

وبينما كان يلفظ كلماته الأخيرة، ابتلعت البوابة آشورا بالكامل، تاركة وراءها أثرًا من الظلام ، والجو حول المملكة يمتلئ بالهلع والدمار.

صرخ جلجامش بكل غضبه، صوته يتردد بين أنقاض المملكة: " آشورا اااااا! "

ليختفي واقع الروح الخاص بـ آشورا، واختفى العرش، ليعود آرثر لجسد إيرولد وينفك توقف الوقت.

جرى لوس نحو إيرولد، وهو يخرج من جيبه قارورة صغيرة تتلألأ بوهج أخضر.

قال وهو يفتحها بسرعة: " كنتُ أبقي هذه الجرعة للمواقف الصعبة… لكنك تحتاجها الآن! "

أمسك رأس إيرولد بيديه المرتجفتين، وسكب السائل في فمه، ثم صرخ بانفعال: " لا تمت أيها الغبي...... لا يجب عليك الموت استيقظ!. "

من داخل جسد إيرولد دوّى صوت آرثر غاضبًا: " إيرولد! استيقظ! "

لكن لم يكن هناك أي رد… ظل جسده ساكنًا، وعيونه مغمضة، والبرد يزحف في أطرافه. في تلك اللحظة، سُمِعَ صهيلٌ مألوف… كان عتمة يركض مقتربًا بسرعة، وعلى ظهره جاسمين . قفزت جاسمين من على ظهر عتمة ، لكنها تعثرت وسقطت أرضًا، ثم نهضت مسرعة وهي تصرخ: " ماذا حصل لإيرولد يا لوس؟! "

اقترب أرجوس بدوره، عينيه تملؤهما القلق، وقال بصوت متوتر: " لقد… لقد تقاتلنا مع آشورا ، سيد الدمار "

صرخت جاسمين، ودموعها تلمع: " ما الذي فعله ذلك اللعين بإيرولد؟! "

أجاب لوس وهو يعضّ على كلماته بأسف: " لم يكن آشورا … بل شيء آخر… كيان اسمه دانتي. كان تجسيدًا مخيفًا… حتى أنه قارع آشورا بنفس القوة! حتى سيدة النجوم، آسترا، لم تستطع إلا أن تترك فيه جرحًا عميقًا . "

شهقت جاسمين، وعيناها اتسعتا: " دانتي ؟؟؟؟… آسترا كانت هنا ؟!" ثم رفعت رأسها للسماء، تصرخ بكل قوتها: " آسترااا! إيرولد يحتاج مساعدتك! أرجوكِ! " وبدأت دموعها تتساقط بغزارة.

في تلك اللحظة، ظهر جلجامش ، وعضّ على شفته من الغضب. اقترب بخطوات ثقيلة، ثم ركع بجانب إيرولد، يضع أذنه على صدره. شد قبضته فجأة وضرب بها صدر إيرولد بقوة. صرخت جاسمين محاولة منعه: " ماذا تفعل ؟! توقف! "

لكن جلجامش أبعدها بصرامة: " ابتعدي يا فتاة ! "

وفجأة… سُمع صوت سعال خافت، ثم ازداد حدة…فتح إيرولد فمه، وهو يسعل بعنف، محاولًا التقاط أنفاسه.

ارتسمت الصدمة على وجه لوس: " لقد… توقف قلبه! كيف فعلت هذا؟! "

لكن جلجامش تجاهله، ممسكًا بكتف إيرولد بقوة وهو يقول: " يا هذا… هل تعرف طريقًا لذلك اللعين؟! "

سعل إيرولد بقسوة، قبل أن يتدخل أرجوس ليقول لجلجامش: " نعم! نحن متوجهون إلى عالم الجان. كنا نريدك أن تنضم إلينا! "

أطلق جلجامش نبرة غضب: " وهل تملكون عين الغموض؟ أم أنكم مجرد هواةٍ… يركضون خلف مغامرةٍ ليروو قصصها للنساء؟ "

اشتعل غضب أرجوس، وتقدم خطوة، عينيه تتوهجان: " من تظن نفسك لتكلمني هكذا؟! نحن من وقفنا في وجه الدمار لحماية مملكتك، أيها اللعين! انظر حولك… إلى الناجين وما تبقى من هذه المملكة… أليس من المفترض أن تشكرنا. "

لكن لوس رفع يده ليردعه: " توقف يا أرجوس… لم نفعل هذا طلبًا لشكر. "

فتح إيرولد عينيه ببطء، صوته ضعيف لكنه حازم : " أنا… أملك عين الغموض. "

اتسعت عينا جلجامش بدهشة وقال: " إذن… بطبيعة الحال، سأأتي معكم… "

صرخ أحد السكان بصوتٍ مبحوح وهو يلوّح بيده: " هؤلاء… هؤلاء من أنقذوا حياتنا! هم من وقفوا في وجه التهديد. "

فخرج الناس من بين الحطام، تتعالى أصواتهم بالهتاف، وقد ارتسمت على وجوههم دموع النجاة والأمل.

توقف الزمن لحظة، وكأن كل ما حدث لم يكن سوى صدى لحربٍ أكبر قادمة. كان إيرولد ما يزال يلهث، يضع يده على صدره حيث لا يزال أثر السعال يذكره بقرب النهاية. جاسمين تمسح دموعها، بينما لوس يحدّق في الفراغ، وصوت دانتي يرنّ بعيدًا في أعماق إيرولد، همسًا لا يسمعه أحد سواه. أما جلجامش فشد قبضته ، عينيه تشتعلان برغبة واحدة: الانتقام.

نهاية الموسم الأول..

2026/05/26 · 4 مشاهدة · 2968 كلمة
VRO.4
نادي الروايات - 2026