استمر إيرولد ومن معه في طريقهم. كانت جاسمين هي الحلقة الأضعف في هذا السباق ضد الزمن. تعثرت خطواتُها مراراً، حتى توقفت تماماً وهي تلهث بصعوبة، وقالت بنبرةٍ غلب عليها الإعياء: "أرجوكم، إني متعبة."
لوس بهدوء: " آسف يا صغيرة، لكن يجب أن نتحرك."
في تلك اللحظة، جاء الصوتُ من الخلف؛ بارداً. قال جلجامش وهو يراقب المشهد: " هنالك طريق مختصر نحو البحر، سنصل هناك أسرع بكثير من المتوقع، لذا دعوها تستريح."
ساد صمتٌ مباغت. التفت أرجوس نحو جلجامش، وقال بتعجب: "في النهاية أظنه يمتلك قلبًا!"
أما جاسمين، فقد أشرق وجهُها بابتسامةِ امتنانٍ رغم الإرهاق، وصرخت بصوتٍ مبهج وهي تنظر لجلجامش:" شكرًا لككك!"
خيم السكون على محيط الكهف، ولم يعد يُسمع سوى طقطقة الأخشاب في النار التي أشعلها جلجامش ، وتأوهات التعب المنبعثة من رفاقه وهم يشدون أوتاد خيامهم. كان جلجامش يجلس في عزلته المعتادة، كتمثالٍ من صخرٍ يراقب ألسنة اللهب، قبل أن تقترب منه جاسمين بخطواتٍ مترددة.
وقفت جاسمين أمام الأمير ، وقالت بنبرة تحمل احترام : "يمكنك النوم في الداخل، وأنا سوف أنام في الخارج."
ارتسمت على وجه جلجامش تلك الابتسامة الساخرة ورد دون أن يزيح نظره عن النار : "ليس لكوني أميراً يعني أنني قضيتُ حياتي أنامُ فوق الحرير وتحت السقوف يا صغيرة.. لقد كانت الأرضُ فراشي والسماءُ غطائي في ساحات القتال أكثر مما تتصورين. "
لم تتراجع جاسمين، بل اقتربت أكثر حتى لمع ضوء النار في عينيها الواسعتين اللتين امتلأتا بفضولٍ طفولي جارف. ارتبك جلجامش من نظرتها، وتراجع بجسده قليلاً كمن يحاول تفادي هجومٍ غير مرئي، وقال بذعرٍ مكتوم: "ماذا؟! لماذا تنظرين هكذا؟"
جاء صوتُ إيرولد من بعيد، ممتزجاً بضحكةٍ خفيفة وهو يراقب الموقف: " لقد ورَّطتَ نفسك! تلك النظرة تعني شيئاً واحداً.... يجب عليك إخبارها قصتك الآن."
تحولت ملامح جلجامش إلى الجدية المطلقة، وبردت نبرته فجأة: "لا، لن أفعل. اذهبي للنوم."
لتقترب منه جاسمين وتتوسل: " أرجوك... أرجوك. أخبرني فقط بالقليل. "
تعابير جلجامش لم تتغير، وقال بكلمة قاطعة: " اخلدي للنوم ."
انفجرت جاسمين غضباً، وضربت الأرض بقدمها وهي تبتعد، وصرخت بمرارة: " إنه لا يهم! حتى أرجوس المعتوه لم يفعل هذا. "
رفع "أرجوس" رأسه ، ونظر إليها من بعيد بذهولٍ تام، وصاح متذمراً : "ما الذي فعلته بحق الجحيم؟!"
دخلت جاسمين خيمتها وأغلقتها بعنف، بينما انسحب أرجوس إلى خيمته بأسىً يفيضُ بالبؤس، وهمس لنفسه وهو يغمض عينيه: " إن هذا العالم لا ينصفني."
أما لوس تنهد و قال بهدوء : "سوف أتجول لبعض الوقت."
توجه إيرولد لخيمته. و استلقى جلجامش أمام النار.
استلقى إيرولد فوق فراشه، محاولاً إغماض عينيه المتعبتين، لكنَّ السكينة لم تدم طويلاً. فجأة، شعر بانقباضٍ حاد في صدره، كأنَّ يداً غير مرئية تعتصرُ أنفاسه. وفي عمق وعيه، انطلق صوت آرثر؛ لم يكن ساخراً ولا متهكماً هذه المرة، بل كان صوتاً مخنوقاً، يرتجفُ ذعراً وألماً : "إ... إيرولد!"
انتفض إيرولد جالساً، والذعرُ يتصبب من جبينه. صرخ بهمسٍ حارق : " آرثر! ماذا حصل لك ؟"
لكنَّ الرد لم يأتي بكلمات، بل بظاهرةٍ غريبة جمدت الدماء في عروقه. من منتصف صدره، بدأ "خيطٌ رفيع" يتكونُ ببطء؛ خيطٌ يلمعُ بضياءٍ باهت مائلٍ للزرقة، يمتدُّ في الهواءِ حدق إيرولد في الخيط المرتعش، وسأل بصوتٍ متهدج: " ما هذا؟ هل هذا منك يا آرثر؟"
اتبع إيرولد الخيط خارج الخيمة، يتلفت حوله ليجد الخيط يدله نحو الكهف. إيرولد: " أقسم أني أعرف ماذا سوف يحصل. كارل... آرثر... أهذه ألاعيب منكم؟ توقفوا عن اللعب، أريد النوم! "
يدخل إيرولد الكهف ويتعمق فيه، متبعًا الخيط، ليجده يدله نحو غرفة داخل الكهف ذات باب خشبي. فتح الباب وقال: "هاها! كم أنتم مسلّين!"
اتسعت عينا إيرولد بذهولٍ لم يعرفه من قبل، وتراجع خطوةً إلى الوراء حتى ارتطم ظهره بالباب الخشبي الذي فتحه للتو. وجد دانتي بهيئته مُجسَّدًا أمامه. قال دانتي بصوت عميق:" أنا لا ألعب. أنا من جلبك لهنا."
صرخ إيرولد بصوتٍ متهدج، يملؤه الارتباك والخوف:" ما أنت؟"
قاطعه دانتي بضحكةٍ خافتة، وتقدم خطوةً جعلت الخيطَ الرفيق المتصل بصدر إيرولد يرتعش بابتسامة ساخرة: " أنا دانتي. هل نسيتني؟"
اشتعلت النيران في عيني إيرولد، وصرخ بصوتٍ اهتزت له جدران الكهف: " أنت هو ذلك اللعين الذي سيطر على جسدي!"
لم يحرك "دانتي" ساكناً، بل رمقه بنظرةٍ باردة كأنها نصلُ جليد، ويرد ببرود:" سيطرة؟ أنا من أملك هذا الجسد. أتسمي استرداد جسدي سيطرة؟"
ضحك إيرولد بسخريةٍ مريرة، رغم الرعب الذي بدأ يتسلل إلى أعماقه: " هل تتوهم أيها الغبي؟ أنا من أملك هذا الجسد."
في تلك اللحظة، بدأت حلقةٌ غامضة تتوهج فوق رأس دانتي، دارت بسرعةٍ خاطفة ثم توقفت فجأة لتنبعث منها طاقةٌ رد دانتي بحدة: " يا هذا، الزم أدبك عندما تحدثني. أنت لا تعقل مع من تتحدث."
وسأل إيرولد دانتي باحتقار: " ومن عساك أن تكون سوى مدعٍ؟"
رفع دانتي رأسه بفخرٍ يضاهي الجبال، وقال بصوتٍ عميق تردد صداه في عقل إيرولد: " أنا هو دانتي يورشا، أمير مملكة يوشا العظيمة، من سيجلب مجد المملكة مرة أخرى."
ردَّ إيرولد بنبرةٍ حملت شماتة : " لسوء حظك يا صاح، لقد دُمِّرت المملكة."
لم تهتز ثقة دانتي، بل أجاب بيقينٍ مخيف: " أعلم هذا، لكن بعد أخذ جسدي سوف أفعل."
توسعت عينا إيرولد بصدمة: " هل قلت للتو إنك تريد أخذ جسدي؟ لحظة! أين آرثر؟ ماذا فعلت به؟"
فتح دانتي قبضته اليمنى ببطء، لينبثق منها ضياءٌ أرجواني باهت تشكّل بسرعة على هيئة آرثر ، الذي كان يرتجفُ من الغضب والإنهاك. صرخ آرثر بمجرد أن استعاد صوته، ونظراته تشتعل حنقاً نحو دانتي: " إيرولد! لقد احتجزني هذا الوغد!"
ندفع "إيرولد" نحو الأمام وصوته يرتجفُ بالغضب: " يا هذا! كيف تجرؤ على حبس آرثر؟"
تجاهل دانتي صراخ إيرولد تماماً، وبدأ يتحركُ في الغرفة بخطواتٍ موزونة، واضعاً يديه خلف ظهره بوقارٍ ملكي لا يتناسب مع عتمة الكهف. توقف والتفت نحو آرثر، وسأله بنبرةٍ حملت فضولاً بارداً ومريباً : " لطالما تساءلت عنك يا آرثر. منذ متى وأنت مع هذا من يسمي نفسه إيرولد؟"
انفجر "آرثر" في نوبة غضب، ولم يعد يهتم بخطورة الموقف: " وما دخلك أنت بحياتنا؟ وبأي حق تسأل؟.. لكن لحظة!" سكت آرثر فجأة وكأنَّ ذكرياتٍ قديمة بدأت تطفو على السطح، ثم أكمل بنبرةٍ حادة: "لقد تذكرت.. لقد كنتُ معه منذ اللحظة الأولى؛ منذ لحظة سجنه. كنت أرى كل شيء، لكني غير قادر على الكلام، فقط مُراقِب."
اتسعت ابتسامة دانتي، ابتسامةٌ حملت الكثير من المعاني المظلمة، وقال وهو يرفع حاجبه بإعجاب: " مثير للإعجاب."
لم يتراجع آرثر، بل طار ليصبح في مستوى عيني دانتي وصرخ: " كفَّ عن الألغاز! ألن تخبرنا من أنت؟"
أجابه دانتي بهدوءٍ : " أخبرتكم. أنا مالك هذا الجسد."
ردَّ إيرولد بحدة: "كلام فارغ... لا تملكُ سوى الأكاذيب."
ثبّت "دانتي" نظراته العميقة في عيني إيرولد، وسأله بصوتٍ هادئٍ: "هل تذكر يوم ولادتك يا هذا؟"
أجاب إيرولد بسخريةٍ :" طبعًا لا. من يذكر يوم ولادته؟"
هزَّ دانتي رأسه ببطء ليجيب:" أنا أذكرُها.. أذكرُ كل تفصيلةٍ فيها. لقد رأيتُ جثة والدتي، ثم سوادًا. بقيتُ بهذا السواد حتى دُمجتُ به ."
يتجاهله إيرولد ويقول: " ما هذا الكلام الفارغ؟"
قال دانتي بهدوء مرعب: " أتعلم ماذا؟ تبًا لهذا! لقد اكتفيت من الحديث. "
شعر إيرولد و آرثر بتوتر، اندفع دانتي كظلٍّ منبثقٍ من العدم. مسدد لكمةً ثقيلةً حطمت دفاعات إيرولد وأطاحت به أرضاً، ليرتطمَ جسدُه بصخورِ الكهف الباردة. صرخ آرثر: " أيها اللعين! "
استعد آرثر لقول : "
أطعني أيها الوقـ...ت
"
ش...ش...ش... يا فتى، دعنا لا نصعب الوضع أكثر من هذا
نظر آرثر إلى عيني دانتي. لقد شعر بشيء لأول مرة: الخوف الداخلي ، كما لو أن دانتي قد تجسَّد ليكون الرعب في داخل إيرولد.
وقف إيرولد بغضب ينظر الى دانتي ليرى نورًا يشع من صدره، ليتضح أنها العلامة. ليختفي آرثر ودانتي من أمامه.
سكن كل شيء حول إيرولد، لكنَّ الضجيج الحقيقي بدأ في الداخل. لم يعد دانتي يقف أمامه، بل صار يسكنه. اهتز وعي إيرولد بصوت دانتي الذي انساب كالأفعى في تلافيف عقله، صوتاً بارداً يقطرُ سماً: " اقتل نفسك. العالم سيكون مكاناً أنقى بدون مسخٍ مثلك. أنت لست سوى خطأ في سجلات الوجود، فافعل المعروف الأخير.. وانهِ حياتك. "
قبض إيرولد على رأسه بكلتا يديه، محاولاً إسكات ذلك الصوت الذي بدأ ينهش إرادته، ليفاجئه صوتٌ واقعي يأتي من خلف الباب الخشبي: " إيرولد! "
ليقترب الصوت ويتضح أنه لوس . يدخل لوس الغرفة ويقول: " ها أنت ذا! "
انفتح الباب، ودخل "لوس" بخطواته الهادئة المتزنة. تسمّر لوس في مكانه وهو يرى إيرولد جاثياً على الأرض، ملابسه ممزقة، ووجهه يحمل آثار كدماتٍ زرقاء وكأنه خاض معركةً طاحنة مع خصمٍ غير مرئي. سأله لوس باستغرابٍ ممزوج بالريبة: " ما الذي حصل لك؟ هل هاجمك أحد؟"
مسح إيرولد الدم عن شفته، وحاول الوقوف بتثاقل وهو يرسم ابتسامةً زائفة ومرهقة، مجيباً بنبرةٍ يحاول جعلها طبيعية: " لا، لا. لقد كنت أتحدث مع آرثر وتعـاركنا قليلًا. ما الذي تفعله هنا؟"
يجيب لوس: " لقد كنت أتجول، وفي طريقي للعودة وجدتك تدخل الكهف فتبعتك لكي لا يتكرر ما حصل مع ذلك الجان. "
انهارت قوى إيرولد تحت وطأة الصراع الداخلي العنيف، فسقط على ركبتيه فوق صخور الكهف الباردة، بينما كان صدى صراخ دانتي الغاضب يتردد في جمجمته كالعاصفة، محاولاً كسر إرادته. لكن في وسط ذلك السواد، كان صوت لوس هو الحبل الوحيد الذي يربطه بالواقع.
انحنى "لوس" بهدوء، ومدَّ كفّه نحو إيرولد؛ تلك اليد التي بدأت تبدو لإيرولد وكأنها المرفأ الوحيد وسط أمواج الجنون التي تضربه. قال لوس بنبرةٍ دافئة وثابتة: " هيا يا إيرولد.. لنعد لا وقت للتوقف هنا ثمة مدينةٌ قريبة يمكننا ركوب البحر منها لنتوجه الى الشمال. "
رفع إيرولد رأسه، ونظر إلى يد لوس الممدودة. في تلك اللحظة، خفتَ صوتُ دانتي قليلاً، أمسك إيرولد بيده، واتكأ عليه لينهض، وقال بصوتٍ متهدج يملؤه الامتنان: " شكرًا لك يا لوس. "
ابتسم لوس ابتسامةً حنونة، ابتسامةً أخوية وقال وهو يربت على كتفه: " لا داعي لهذا. نحن أصدقاء يا إيرولد. "
تبسم إيرولد للمرة الأولى بصدق منذ لقائه بدانتي، وشعر بشيءٍ من السكينة يعود لقلبه: " معك حق. هيا بنا. "
عاد إيرولد و لوس إلى المخيم بخطىً مثقلة. وبينما كان جسد إيرولد يسيرُ على الأرض، كان عقله غارقاً في مناداة ذلك الصديق المختبئ في أعماقه.
ينادي إيرولد بقلق على آرثر ليسمع صوتًا خافتًا، صوت آرثر يقول: " لا تقلق، لا يمكنه لمسي هنا. هنالك حاجز بيننا ." ليطمئن إيرولد.
تنفّس إيرولد الصعداء، لكن تلك الطمأنينة كانت قشرةً خارجية تخفي وراءها اضطراباً أعظم. بمجرد وصولهما، انسحب لوس إلى خيمته مثقلاً بالتعب، بينما سقط إيرولد على ظهره، تاركاً عينيه ترحلان في سماء الليل.. .ليغمض عينيه ليجد نفسه بين جانبين: جانب مُشع وجانب مُظلم.
مكان مقسومٍ بدقة مرعبة إلى نصفين : الجانبُ الأيمن كان يفيضُ بنورٍ أبيض دافئ، نورٍ يشبه الفجر الصادق، وهناك كان آرثر يقف بهيئته المألوفة. أما الجانبُ الأيسر، فكان تجسيداً للسواد المطلق، لكنه لم يكن مظلماً تماماً؛ بل كان سواداً عميقاً مرصعاً بنقاطٍ مضيئة باردة، تشبه النجوم البعيدة في فضاءٍ سحيق. وفي قلب هذا العدم الجميل والمخيف،
ذهل إيرولد، وتراجع بصره بين الضياء والظلام وهو يتمتم بذهول: " ما هذا بحق الجحيم؟ "
ليصرخ آرثر باكيًا ليحتضن إيرولد ويصرخ: " إيرولد! كيف سوف تبقيني مع هذا المختل؟ أرجوك لا تتركني يا إيرولد!"
لينظر إيرولد لدانتي بتعجب : " ألا يمكنه العبور هنا ؟"
ليقول آرثر بتوتر : "لقد حاول، لكنه لا يستطيع. لا أعلم لماذا."
ينظر إليهم دانتي بازدراء، ليلتفت وينغمس في الظلام. يتوجه له إيرولد ويناديه: " دانتي! لنتحدث ."
توقف دانتي لثانية، وبحركةٍ متعالية من كف يده، لوّح في الهواء دون أن يلتفت، وقال بنبرةٍ قاطعة كالسيف: " اغرب عن وجهي ."
في تلك اللحظة، شعر إيرولد بدفعةٍ مهولة من الطاقة تطرده من أعماق نفسه، وكأنَّ جسده قد قذفه الخارج. انتفض إيرولد في الواقع، وفتح عينيه فزعاً وهو يصرخ بجنون وسط هدوء المخيم: "أيها اللعين دعنا نتحدث!"
ساد الصمتُ الثقيل في أرجاء المخيم، ولم يقطع هدوء الليل سوى أنفاس إيرولد المتلاحقة. كان عرقٌ بارد يغطي جبينه، وقلبه يدقُّ بعنفٍ داخل صدره. جاءه صوت "آرثر" من الداخل، هادئاً هذه المرة : " لا تكترث له. لقد استنزفتَ طاقتك بما يكفي اليوم، اذهب للنوم يا إيرولد."
أرخى إيرولد كتفيه المشدودتين، ومسح وجهه بيده، وزفر زفرةً طويلة أخرجت كل التوتر من رئتيه:
" أجل، معك حق ."
توجه إيرولد إلى فراشه، واستلقى أغمض عينيه أخيراً، تاركاً النور والظلام يتصارعان خلف أجفانه
قبل شروق الشمس، استيقظت جاسمين بكامل نشاطها. خرجت من خيمتها لتنظر إلى جلجامش النائم أمام النار التي أصبحت رمادًا بلا غطاء. ذهبت لتجلب له غطاءً لتضعه عليه وهو نائم.
ثم ذهبت جاسمين لإعداد الفطور، لم تجد سوى سمك. باشمئزاز، قالت: " سمك للإفطار؟! يذكرني هذا في السيد كاراي !"
لتتبسم وتقول: " من أجلك يا سيد كاراي، سوف أعد السمك."
أعدت جاسمين السمك المشوي. استيقظ إيرولد و أرجوس على رائحة السمك. جرى أرجوس خارج الخيمة بسرعة: " أين هو الفطور ؟"
بينما تبعه إيرولد بهدوء وهو يقول: " اهدأ يا صاح، كل منا له حصته ."
ردت جاسمين وهي تقلب الأسماك فوق الجمر بحرص: " لا تتحمس كثيراً يا أرجوس لا نملك الكثير ."
جرى إيرولد نحو الطعام، بينما أخذت جاسمين نصف السمكة وذهبت لجلجامش لتوقظه وتقول: " سيد جلجامش، استيقظ."
فتح عينيه لتمتزج عيناه بشمس ليجلس يجد نفسه مغطى. قال: " من أين حصلت على هذا؟"
تتبسم جاسمين وتجيب:" أنا من وضعته عليك يا سيد ."
مدت الطبق له على الفور وقالت: " الفطور ."
أخذ جلجامش الطبق، وهمّت جاسمين بالذهاب، فقال: " توقفي قليلًا ."
خافت جاسمين، جلجامش بصوت خافت: " لا تقولي سيد، ناديني بـ جلجامش فقط ."
لتبتسم جاسمين: " حسنًا يا جلجامش ."
ذهبت جاسمين لإيقاظ لوس ، وقالت في نفسها:
"إذا لم يستيقظ، لن يبقى له شيء
."
تململ لوس في فراشه، وبصوتٍ يغلبه النعاس والغياب عن الواقع، همس وهو لا يزال مغمض العينين: " ليس الآن أيها الملاك الصغير، لا أريد الذهاب ."
تجمدت جاسمين في مكانها، واشتعلت وجنتها حمرةً من الخجل المباغت. وصفعت الهواء، وقالت بصوت خجل: " سوف أحضر لك الطعام لهنا ."
خرجت جاسمين من الخيمة كالإعصار، واتجهت مباشرة نحو "أرجوس" و"إيرولد" اللذين كانا يأكلان بشراهةٍ منقطعة النظير. وبحركةٍ خاطفة ومباغتة، مدّت يدها وسط ذهولهما وسحبت سمكةً كاملة من أمامهما. توقف الاثنان عن المضغ، وصرخا بصوتٍ واحد والدهشة تملأ وجوههما: " أعيديها! هذه حصتنا! لم يتبقَ غيرها ! "
التفتت إليهما جاسمين، وعيناها تشرران غضباً، وصرخت فيهما بصوتٍ هزَّ أرجاء المكان: " اخرسوا أيها الملاعين! هذه لـ لوس، ولن يجرؤ أحدكم على لمسها! "
مسح أرجوس فمه بيده، وسأل بنبرةٍ ممتلئة بالغيرة والاحتجاج: " ولِمَ هذا التعامل المميّز مع لوس؟ "
ردّت جاسمين بغضب:" لقد وصفني بالملاك الصغير! أما أنتما.. فلا تجيدان سوى وصفي بالشيطان المتقلص كلما رأيتماني! لذا، موتا جوعاً! "
حاول أرجوس تدارك الموقف، فغيّر نبرة صوته إلى رقّةٍ مصطنعة لا تليق به، ورسم ابتسامةً بائسة على وجهه وهو يمد يده: " هل يمكنني الحصول عليها أيها الملاك؟ "
التفتت إليه جاسمين، ورسمت على وجهها ابتسامةً عريضة وهي تصدر صوتاً طفولياً: " هيهيهي " ، وفجأة، تحول وجهها إلى برودٍ قاطع كالجليد وقالت بكلمة واحدة: " لا . "
لتذهب لتعطي الإفطار إلى لوس . في ذلك الوقت، يقف جلجامش ليقول: " هيا، انهوا طعامكم. يجب أن نتوجه للمدينة، إنها تبعد ما يقارب ساعتين على سرعتكم هذه. "
توقفت جاسمين عن الحركة، ومالت برأسها بفضول وهي تسأل: " وعلى سرعتك يا جلجامش، كم ستكون؟"
نظر جلجامش إلى الأفق البعيد، وأجاب بصوتٍ عميقٍ وواثق لم يتردد للحظة: "عشر دقائق."
انشقَّ سكونُ المخيم بصوتِ شهقةٍ قادمة من داخل الخيمة، وخرج "لوس" مسرعاً وهو لا يزال يحاول استيعاب ما سمعه، وعيناه متسعتان بذهولٍ لم يره الفريق عليه من قبل، وصاح بصدمة : " مستحيل! "
بين صدمة الجميع، يقول إيرولد : " وووه! إنها أول مرة أرى فيها لوس بهذا التفاجؤ! "
ليرد لوس بهدوء: " طبعًا، لأن هذا غير منطقي. "
ليضع جلجامش عينه في عين لوس ويقول : "منذ متى كان هناك شيء منطقي في هذا العالم؟ ثم لست مضطرًا أن أثبت لأي شخص فيكم ما أنا قادر على فعله. "
شعر الجميع بتوتر، حتى عتمة الذي كان يأكل من العشب توقف عن الأكل متفاجئًا يحدق بصمت كما لو كان يفهم الموقف. ليقف أرجوس ويقول: " اهدأ! اهدأ يا صاح، لا نُرِد العراك بيننا."
تراجع لوس بوقار وقال بنبرةٍ اعتذارية صادقة: " اعذرني جلالتك، لم أقصد التقليل منك."
ليسير جلجامش ضامًا ذراعيه ويقول: "هيا، سوف أنتظركم في الأمام."
صرخت جاسمين لتحرك الجميع من ذهولهم: " هيا بنا يا رفاق! لنجمع أغراضنا ولنتحرك! " وبدأ الجميع بتحميل الأمتعة فوق ظهر عتمة ليتحركوا جميعًا.
بعد ساعةٍ من المسير المجهد تحت شمسٍ بدأت تشتد، مالت جاسمين نحو "إيرولد" وسألته بصوتٍ خفيض يملؤه الفضول: " هل تعتقد أنه يستطيع الوصول إلى هناك في عشر دقائق؟"
ليجيب إيرولد : " مِن سمعته وما أراه منه، هناك قوة كبيرة تخرج منه وهو يحاول كبحها. لذا نعم، أعتقد أنه يستطيع. "
اتسعت عينا جاسمين بذهولٍ : " واااه! هل يوجد أحد بهذه القوة؟ "
شردَ ذهنُ "إيرولد" بعيداً، ومرَّ أمام عينيه طيفُ "آشورا"؛ تلك القوة التي لا تُوصفُ بالكلمات، والتي تجعلُ حتى العواصفَ تنحني أمامها. أجاب بنبرةٍ غامضة: "نعم، وربما أقوى."
عمَّ الصمتُ قليلاً، ولم يقطعه سوى صوتُ وقعِ أقدامهم على الطريق الترابي. فجأة، التفتت جاسمين إليه وسألت بفضولٍ ذكي: " صحيح، أين ذهبت في الأمس يا إيرولد؟"
ليمسك إيرولد جاسمين ويضعها على كتفه وبدأ في إخبارها ما حدث مع دانتي عن الأمير الذي يطالبُ بجسده، وعن المواجهة
شهقت جاسمين وهي تتمسكُ بكتفه، وقالت بتأثر: "يا إلهي، كما لو أن هنالك حربًا في داخلك."
أومأ إيرولد برأسه مثقلاً، وردَّ بصوتٍ متهدج : " في الحقيقة نعم. آرثر ودانتي يتعاركان طيلة الوقت، لكن هنالك شيء اختلف في آرثر ."
جاسمين: " لقد وجد منافسًا آخر، صحيح؟"
هزَّ إيرولد رأسه بحيرة: " لا أدري."
جلجامش بصوت مرتفع: " لقد اقتربنا من المدينة."
ليتقدم إيرولد ويقول لجاسمين: " سوف نكمل الحديث لاحقًا ." ليضعها على ظهر عتمة . بعد نصف ساعة، ليقول جلجامش ان المدينة بعد هذا المنحدر.
نكشف المشهد أمامهم بعد تجاوز المنحدرات : كانت المدينة ملاذًا هادئًا على حافة البحر، كأنها وُلدت من رحم الطبيعة. لم تكن الأسوار أو الأبراج تحيط بها، بل كانت تحضنها مروج خضراء كثيفة تمتد بلا نهاية، تحتضنها أشجار النخيل المتمايلة التي تلوح بأغصانها مع كل نسمة.
كانت البيوت هنا بسيطة، مصنوعة من الخشب الأبيض المُبيَّض بملح البحر وسعف النخيل المنسوج بعناية، مما يمنحها رائحة دافئة من الخشب والدخان والملح. لم تكن الطرق مرصوفة، بل ممرات من الرمال الذهبية النظيفة التي تؤدي مباشرة إلى الشاطئ.
في كل زاوية، كانت ترى أزهارًا برية متفتحة بألوان زاهية، وكأنها ترفض أن تخضع لجدب الحياة.
أما السكان، فقد كانوا كجزء من هذا المشهد الهادئ. يرتدون أثوابًا بسيطة بألوان الأرض والبحر ، ووجوههم تحمل تجاعيد الحكمة والرضا. كانت عيونهم تتسم بـ الهدوء الغريب ،