عاد إيرولد إلى الواقع داخل عالم الروح. تلفت حوله في الظلام، فلم يجد الشخصين. فجأة، ناداه صوت الرجل وهو يطفو في الهواء، بصوت يحمل نبرة أبوية غريبة: " ها قد عدتَ يا صغير... هل عرفتَ الآن حقيقة حور؟ ومن قتله؟ وما الذي حدث في ذلك اليوم؟ هل فهمت كيف وقعت القطع ؟"

صمت إيرولد للحظة، يسترجع ذكرياته المؤلمة، ثم قال بصوت خافت: " لم أسأل نفسي يوماً كيف حدث ذلك حقاً... كنت مشغولاً بما جرى لي. "

ووووش! بلمح البصر، انتقل الرجل المجهول ليقف مباشرة أمام وجه إيرولد. أشار بإصبعه إلى العلامة الغريبة المحفورة على صدر إيرولد وقال بجدية: " بسبب هذه... هناك أشياء كثيرة لم تعرفها عن نفسك بعد. "

نظر إيرولد لصدره بتعجب وسأل: " ماذا تقصد؟" قال الرجل: " ألم تتعجب منها يا فتى؟ حتى إن شكلها غريب ولا يشبه أي سحر معروف. " هز إيرولد رأسه نافياً: " لا، لم أفكر بالأمر. لكن إليزابيث كانت تحدق بها باستغراب عندما كانت تحممني وأنا طفل. لكن... ما هذا الشيء بحق الجحيم؟"

ابتسم الرجل المجهول وقال بمراوغة: " لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال الآن يا فتى. ليس وقته. " ثم تنهد بضجر مصطنع وقال: " لِمَ لا تسألني ثلاثة أسئلة؟ وسأجيب عنها إن استطعت. "

لمعت عينا إيرولد بفضول، ونظر للشخص الثاني الصامت وقال: " صحيح... لِمَ صديقك الآخر ساكن كالصنم لا يتحدث؟"

ضحك الرجل المجهول وقال بنبرة مزاح: " هل هذا هو سؤالك الأول؟ حسنًا... اتفقنا أن يتحدث كل منا في وقته. وبالمناسبة، هو أول من حدثك حين دخلت.

زفر إيرولد بضجر: " لا، ليس سؤالًا! تباً... لحظة! هل تمتلكان نفس الصوت؟ لا... لا! هذا أيضًا ليس سؤالًا، لا تجب! " قهقه الرجل المجهول عالياً وقال: " إذًا، ركز... ما هو سؤالك الثاني؟"

فكر إيرولد قليلاً، وعاد بذاكرته لصديقه القديم حور . كيف كان طيباً وبريئاً، وكيف تحول إلى وحش. سأل بنبرة حزينة: " ما الذي حصل لحور؟ لِمَ انقلب على والده الملك؟"

تنهد الرجل المجهول، وبدأ يسرد الحكاية: " كان حور يرى والده، الملك آمون ، شخصًا ظالمًا وسفاحاً؛ لأنه كان يغزو القرى المجاورة ويضمها لحكمه بالقوة، ويقتل المعارضين. هذا ما رآه حور بعينيه. لكنه لم يكن يعلم أن الملك آمون كان يفعل ذلك لتوحيد البلاد وحمايتها من تهديد أكبر قادم من الشرق. وكان مستشاره المخلص إيرولد يدعمه في هذا القرار الصعب. "

تابع الرجل: ذات يوم، بدأ حور يسمع صوتاً غريباً في رأسه... صوتاً ناعماً يخبره بأنه يفهم ألمه وشعوره بالذنب. استمر الصوت يحدثه كل ليلة حتى وثق به حور تماماً. وفي أحد الأيام، جمع حور شجاعته وطلب من والده التوقف عن الغزو. غضب الملك وصرخ فيه: " 'لا تتدخل في شؤوني يا حور!' "

خرج حور من قاعة العرش محطماً. وحينها سأل إيرولد الملك: " 'يا جلالة الملك، لِمَ لا تخبره بالسبب الحقيقي؟' فرد الملك بحكمة قاسية: 'إنه ابني الوحيد، ولا يمتلك الفطنة الكافية بعد. أريد أن أُعلّمه كيف يكون ملكًا، وأن يفهم دوافع الحكم بنفسه دون تلقين.'

عاد حور لغرفته، وهنا استغل 'الشيء الغريب' ضعفه، ووسوس له: " 'الحل الوحيد لإيقاف الظلم هو قتل الظالم'. ارتعب حور وسأل: " 'كيف سأفعل ذلك؟' فرد الصوت: " 'لا تقلق... سأرشدك'.

انتقل المشهد في ذهن إيرولد ليرى حور متخفياً بعباءة، يتسلل في أزقة المدينة السفلية. وصل لباب خشبي قديم وقال كلمة السر: " داخل اي قاموس التمجيد يكون فقط لملك اللصوص . " انفتح الباب ليخرج رجل ضخم، سأله بفظاظة: " ماذا تريد؟" رد حور بحزم: " أريد ملك اللصوص . "

أُدخِل حور للقبو، حيث الدخان والضحكات الماجنة. رأى رجلاً يجلس وسط الجواري يشرب النبيذ. اقترب حور، فسأله الساقي: " ألن تشرب يا فتى؟" رد حور: " ليس الآن. أريد خدمة من ملك اللصوص. " رد الرجل السكران: " هاااه؟ عن من تتحدث؟ ارحل يا صغير! "

سخر الجميع منه، لكن الساقي صرخ: " سكوووت يا غجر! " ثم التفت لحور: " ماذا تريد يا هذا؟" رد حور بإصرار: " أريد ملك اللصوص. " ابتسم الساقي ابتسامة ماكرة وقال: " أنت تتحدث إليه الآن... ماذا تريد أيها الأمير الصغير ؟"

شهق الجميع: " الأمير حور؟! " انتفض الرجل السكران: " الأمير؟! هل إيرولد هنا؟ تأهبوا! " ضحك ملك اللصوص: " لا، ذاك المزعج ليس هنا... وإلا لكان كسر أنفي. ماذا تريد؟"

قال حور: " أريد خمسين مرتزقًا من النخبة. مهمتهم تشتيت الحراس ونشر الدمار في القصر... أريد إشغال إيرولد عني. " رفع ملك اللصوص حاجبه: " خمسون؟ لماذا هذا العدد الكبير؟ رمى حور خمس صرر ذهبية ثقيلة على الطاولة: " أظن أن هذا يكفي لأسئلتك. " صفر ملك اللصوص إعجاباً: " متى تريد التنفيذ؟" رد حور بصوت يقطر ألماً: " غداً عند الغروب . "

في تلك الليلة المشؤومة، تسلل حور لجناح والده النائم. أخرج خنجراً مسموماً، ويداه ترتجفان همس : " لم أكن أريد فعل هذا... لكنك لم تترك لي خياراً يا أبي. أريد السلام! " غرز الخنجر في قلب والده.

ظهر الظل بجوار حور هامساً: " أحسنت... لقد خطوت الخطوة الأولى. سأل حور بلهفة: " ماذا بقي؟ " رد الظل: " أن نوحد قوانا. سأمنحك القوة لتسحق كل من يعارض سلامك. " سأل حور بخوف: " هل سأحقق السلام حقاً؟" رد الظل بمكر: " السلام لا يدوم يا صديقي. ستحتاج للعنف للحفاظ عليه. "

مد حور يده للظل: " أنا أثق بك... اتفقنا. " قال الظل بمكر: " فقط استرخِ... "

أغمض حور عينيه، ليجد نفسه فجأة يسبح في فراغ مظلم لا نهائي: " يا صديقي! أين أنا؟" ضحك الصوت بصخب وهو يسيطر على جسد الأمير في العالم الحقيقي: " فتى غبي... "

عاد المشهد للرجل المجهول وهو ينظر لإيرولد الحزين: " هذا كل شيء. " صرخ إيرولد بغضب: " ذلك الغبي... ألم يكتشف أنه يُخدع؟!"

ابتسم الرجل المجهول بمرارة وقال : " هذه طبيعة البشر يا إيرولد... ألا تعرف؟ امنح الإنسان القوة، وسترى حقيقته العارية. الضعفاء يتحدثون عن العدالة والفضيلة لأنهم لا يملكون خياراً آخر. لكن ما إن يتذوقوا طعم السلطة، حتى يتحولوا للطغاة الذين كانوا يلعنونهم. الإنسان لا تحكمه الأخلاق، بل تحكمه الرغبة... وحين تحين الفرصة، يختار نفسه دائماً. الشخصية الحقيقية لا تُقاس بالكلمات، بل بما يفعله المرء حين يظن أن لا أحد يستطيع إيقافه. "

بدأ العالم يتلاشى من حول إيرولد. قال الرجل المجهول وهو يلوح بيده: " هكذا إذًا... قد لا نراك مرة أخرى. إلى اللقاء. "في لحظة كسرٍ وحطام. وبينما كان إيرولد يُسحب للخارج بقوة، صرخ بأعلى صوته: " من أنتم بحق السماء؟! "

تموج صوت الرجل المجهول وتلاشى كصدى بعيد: " نحن... ج..ا... ر... و..ت و... ما... ر... ون ... "

شهــق! فتح إيرولد عينيه في العالم الحقيقي، وجسده يتصبب عرقاً بارداً. وجد جاسمين تهزه بعنف وتصرخ بوجهه: " ماذا حدث لك يا إيرولد؟! لقد كنت واقفاً كالصنم لدقائق لا تتحرك! "

مسح إيرولد وجهه بذهول، وتمتم بصوت يرتجف: " لم أتوقع في حياتي... أنني سأقابلهم. "

2026/05/14 · 2 مشاهدة · 1070 كلمة
VRO.4
نادي الروايات - 2026