الفصل الخامس: الطالب الخاص
كانت كلية الداو السماوي شاسعة للغاية، لا سيما جزيرة الأكاديمية السفلى، التي كانت مهيبة بحق، إذ كانت قادرة على استيعاب مئة ألف طالب خلال سنوات دراستهم. في الجزء الجنوبي الشرقي من الجزيرة، كانت هناك عشرات المناطيد الهوائية العملاقة متوقفة في ميناء جوي.
وكان هناك عدد لا يُحصى من الطلاب، يملؤهم الفضول والحماسة، يترجلون من تلك المناطيد حاملين أمتعتهم. وعلى الرغم من ضوضاء المكان، إلا أن الجو كان مفعمًا بضحكات الفرح.
هؤلاء القادمون من مختلف مناطق الاتحاد الفيدرالي، كانوا الدفعة الجديدة من الطلاب المقبولين في كليات الداو.
وعلى سطح أحد المناطيد، كان وانغ باولي ورفاقه القادمون من مدينة فينيقيا يحملون أمتعتهم، وقد ارتسمت الحماسة على وجوههم وهم يحدقون في الغيوم البيضاء في السماء الزرقاء وقمم الجبال البعيدة حيث تتواجد كليات التخصصات المختلفة. شعروا وكأن نسيمًا عليلًا يهب على أرواحهم، وامتلأت قلوبهم بتوقٍ لا يوصف.
لكن، وعلى النقيض من حيوية الشباب، كانت تعلو وجوه الطبيب العجوز والمعلمين الآخرين الذين خرجوا من الجناح الرئيسي للمركبة تعابير غريبة؛ إذ أصبحوا على دراية تامة بالطلاب القادمين من مدينة فينيقيا، لا سيما وانغ باولي، فلم يستطيعوا إلا أن يرمقوه بنظرات متكررة.
وكان وانغ باولي، بحكم عادته في قراءة الوجوه وتلمّس الإشارات، قد لاحظ ذلك. وعلى الرغم من أنه كان وسط حشد من الناس، إلا أنه ظلّ يراقب المعلمين بانتباه، مدفوعًا بقلقه على نتائج الاختبار، ليكتشف حينها أن هناك خطبًا ما.
«ما بالهم ينظرون إليّ هكذا؟ هل كانت نتائجي خارقة للعادة؟ هاها، لا شك في ذلك!» هكذا ظن وانغ باولي، وراح الحماس يملأ صدره. إلا أن فضوله ازداد حين لمح بين المعلمين رجلًا ملتحيًا بذقن مدببة (ذو السكسوكة)، كانت نظرته إليه مليئة بالغضب والحزن في آن واحد.
«ما القصة؟» تمتم وانغ باولي، وقد بدأ يشك في أن هذا المعلم تحديدًا مشكلة بحد ذاته، لكن قبل أن يتمكن من التفكير جيدًا، اقترب المعلمون من الطلاب.
تقدم أحد المعلمين بسرعة نحو الشاب ذي الرداء الأحمر وقال:
– "تشن تسسهنغ، تعال، سأصطحبك إلى مكان التسجيل."
ومضى تشن تسيهنغ معه بعد أن أومأ برأسه، وبينما كانا يسيران، بدا المعلم يتحدث معه بحماسة، يقدّم له النصائح ويعرض عليه الخيارات.
وعندما رأى وانغ باولي هذا، أضاءت عيناه واشتد تنفسه. فكر قائلاً: «هل بدأت نتائج الاختبار تظهر الآن؟»
خفق قلبه بشدة، وراح يملأ صدره فخرًا، خائفًا من ألا ينتبه إليه المعلمون.
"شو ليوشان، اتبعني."
"ليو داوبين، تعال."
راح المعلمون ينادون أسماء الطلاب واحدًا تلو الآخر، وكان كل من يُنادى عليه يُؤخذ جانبًا، في إشارة واضحة إلى أنه قد أبلى بلاءً حسنًا في الاختبار، ونال إعجاب أحد التخصصات. وهكذا، امتدت إليهم فروع الزيتون لتبدأ رحلتهم الأكاديمية من موقع مميز.
شعر وانغ باولي بالزهو، وعلى الرغم من أنه لم يُنادَ بعد، إلا أنه كان واثقًا من تميّز أدائه. بل واعتقد أن التأخر في مناداته إشارة على مكانته الرفيعة. وأخذ يتخيل نفسه حائرًا بين عروض جميع الكليات التي تتنافس عليه.
ما العمل إن أعجب بي الجميع؟ كم هو أمرٌ مرهق... كيف سأختار؟ هكذا فكر متباهيًا، ورفع رأسه بشموخ، إلا أن فرحته بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا... مرّ الوقت، وتم استدعاء دو مين أمامه، والطلاب يتناقصون من حوله حتى لم يتبقَ سوى أقل من عشرين بالمئة منهم، فبدأ القلق يتسلل إليه.
مستحيل... تمتم وهو يمسح العرق عن جبينه، محاولًا الحفاظ على وقاره.
استمر المعلمون في أخذ الطلاب، حتى غادر معظمهم، وغادر الطبيب العجوز بعد أن ألقى نظرة على وانغ باولي، ولم يتبقَّ سوى المعلم ذو اللحيه المدببه ، وكان يبدو كما لو أن أحدًا قد أخذ ماله.
أمام هذا المشهد، كاد وانغ باولي يفقد توازنه.
ثم، وبصدرٍ يعلو ويهبط من الغضب، صاح ذو اللحيه المدببه، وكأن كلماته خرجت من بين أنيابه:
– "وانغ باولي! لمَ لا تأتي؟!"
كان صوته كموسيقى عذبة في أذني وانغ باولي. هرع إليه فرِحًا، متناسياً كل شيء، وسار خلفه بطاعة، مستعدًا لحمل أمتعته لو طلب ذلك.
بعد مغادرتهما، أُجبر باقي الطلاب على مغادرة المركبة أيضًا. أما من لم يتم اختياره، فكان عليه أن يختار تخصصه بنفسه في الأيام القادمة.
كان ذو اللحيه المدببه يخطو بخطًى سريعة وهو يخرج من الميناء الجوي، وتبعه وانغ باولي بصعوبة، فهو لم يكن قد بدأ أي تدريب جسدي بعد. وعندما شعر بالتعب، سأل:
– "أستاذ... إلى أي كلية ننتمي؟"
لم يجب المعلم، بل أخرج قلادة من اليشم الأرجواني وألقاها له، ثم قال بجفاء:
– "اذهب إلى كلية الأسلحة الطاوية وحدك، لديّ ما يشغلني."
وغادر على متن مركبة صغيرة دون أن يلتفت.
شعر وانغ باولي بخيبة أمل، إلا أنه قرر معرفة ما تعنيه "كلية الأسلحة الطاوية". وبينما كان يسير، لاحظ أن الطقس حار والعرق يتصبب منه، فاشترى بعض زجاجات "ماء الروح المثلج"، وشرب منها ليخفف من حرارة الجو.
وبعد أن سأل هنا وهناك، ركب مركبة متجهة إلى قمة كلية الأسلحة الطاوية. كانت القمة تعج بالطلاب الجدد والزوّار، وكان هناك العديد من المتطوعين من كبار الطلاب يرحبون بالجدد.
سمع وانغ باولي إحدى الطالبات تشرح بفخر:
– "كلية الأسلحة الطاوية ليست فقط لصناعة الأدوات، بل لصقل كل شيء إلى كنوز! إنها الأفضل في الاتحاد كله، وخريجوها مطلوبون في كل مكان."
ثم أكملت، مشيرة إلى ثلاث منصات ضخمة:
– "تلك هي قاعات الأرواح، والنقوش، والأنوية الروحية!"
تابع وانغ باولي الشرح بانتباه، وسجّل في ذهنه عبارة قالتها: "من لا يرتقي للأكاديمية العليا خلال خمس سنوات، سيُطرد."
بعد قليل، توقفت الطالبة أمام مرآة حجرية ضخمة وقديمة، وقالت:
– "ضعوا بطاقاتكم هنا. خلال ثلاثة أيام سيتم إعلامكم إن تم قبولكم."
كان الجميع يحمل بطاقات من اليشم، وقد حصلوا عليها من معلميهم. لكن وانغ باولي وقف مشدوهاً...
ما الخطب؟ لماذا لا أملك بطاقة؟
تأفف، ثم أخرج القلادة البنفسجية التي أعطاها إياه ذو اللحيه المدببه ووضعها على المرآة...
فانفجرت الأضواء البنفسجية، واهتزت القمة بأكملها، ودقّت الأجراس في جميع أرجائها.
صرخت الطالبة بدهشة:
– "طالب خاص!"
– "ماذا؟!" قال وانغ باولي مذهولاً.
في تلك اللحظة، كان ذو اللحية المدببه يقرأ في قاعة هادئة عندما سمع الأجراس. دخل عليه المعلمون مهنئين:
– "سمعنا أنك جلبت طالبًا مميزًا!"
– "أحسنت يا زانغ يوده! دعنا نراه!"
تغيّر وجهه كمن أُجبر على أكل شيء مقزز. قال بابتسامة مصطنعة:
– "نعم... إنه... طالب ممتاز! لدي عمل عاجل... سأغا
در!"
وغادر مسرعًا، خائفًا من أن يبقى لحظة أخرى... فقد يقتل "البذرة الجيدة" التي جلبها بنفسه!