الفصل الثامن: الذكاء والضربة المرتدة!
داخل قاعة أحجار الروح، ظل صوت زو يونهاي هادئًا كما كان دائمًا، وكأنه لا يُلقي محاضرةً على طلاب، بل يعبّر ببساطة عن فهمه لعلم الأدوات الطاوية.
كان تعليقٌ عابر منه كفيلًا بإضاءة الطريق للطلاب، وجعلهم يشعرون بالتنوير. إلا أن متابعة ما يقوله تطلبت تركيزًا عاليًا من هؤلاء المستجدين. لذلك، لم يجدوا سوى تدوين كل ما يُقال دون فهمٍ عميق.
تطورت الأمور حتى لم يعد بوسعهم مجاراة سرعة الشرح، فبدأ كثيرٌ منهم يتمتمون بهدوء، كمحاولة للاسترخاء. حينها أدرك وانغ باولي أخيرًا سبب وجود ثلاث قاعات رئيسية فقط في قسم الأدوات الطاوية، فهذه القاعة وحدها التي تُدرّس تقنيات تنقية أحجار الروح تحتوي على ما يكفي من المعلومات لجعل استيعابها الكامل مستحيلًا من خلال بضع محاضرات فقط.
كان يشعر بالإرهاق، بينما استعاد ليو داوبين انتباهه أخيرًا. نظر إلى وانغ باولي وهمس قائلًا:
"وانغ باولي، أنت في ورطة. سمعت أن عدة أساتذة اقترحوا طردك."
كانت عيناه مليئتين بالشفقة، لكن حين رأى حقيبة وانغ باولي الصغيرة، لم يستطع منع عضلات وجهه من التشنج.
"أي أستاذ قال هذا؟" بدا الضيق على وجه وانغ باولي، فعلى الرغم من أنه كان مستعدًا نفسيًا، إلا أن ذلك لم يمنع شعور الغضب من التسلل إليه.
ربت ليو داوبين على كتفه وتنهد داخليًا، عاقدًا العزم على اتخاذ وانغ باولي عبرة له. وقبل أن يتمكن من مواساته، دخل شخصان فجأة من مدخل القاعة الرئيسي.
كان واضحًا أنهما طالبان من الدفعات المتقدمة، يرتديان أردية طاوية سوداء، بملامح صارمة، وبمجرد ظهورهما، اتخذ جميع الطلاب القدامى في القاعة وضعية الانتباه.
"ما الذي حدث؟ حتى أفراد قسم الانضباط الجامعي حضروا!"
"إنهُما هما… حيثما يذهبان، يتبعهم الدم دومًا."
حتى وإن لم يكن الطلاب المستجدون يعرفون هوية الثنائي، إلا أنهم استنتجوا شيئًا ما من خلال همسات الطلاب الأكبر، وهيبة الشخصين.
خفق قلب وانغ باولي بقوة.
عقد زو يونهاي حاجبيه وهو ينظر إلى الطالبين، فبادراه بتحية طاوية مهذبة، ثم قدّما له رقّاقة اليشم.
وبعدما قرأها، وازداد عبوسه، رفع بصره ومسح أنظاره على الطلاب، قبل أن تستقر عيناه على وانغ باولي.
في الحال، تتبعت أعين جميع الحاضرين نظره، وقد أدركوا الحقيقة. لقد علمت الأكاديمية بشأن ما حدث، وجاءت لتُحاسبه.
رغم أن وانغ باولي كان قد أعدّ خطة لمواجهة هذا اليوم، إلا أن توتره ارتفع وسط هذه الأجواء. فالطالبان اللذان يحدقانه به كانا بوضوح لا ينويان محادثته بود.
"وانغ باولي، تعال معنا." قال أحدهما ببرود.
لكن قبل أن يتحرك، قاطعه زو يونهاي بتنهيدة صارمة:
"يكفي، بعد انتهاء الدرس. غادرا الآن."
تردد الطالبان، لكن لم يجرؤا على مخالفة أمر الأستاذ، فوافقا بإيماءة رؤوسهما وتراجعا إلى مدخل القاعة.
تنفس وانغ باولي الصعداء، وحدق في الأستاذ زو بعينين يملؤهما الامتنان. فكلما طال به الوقت، زادت فرصته في تهذيب خطته الدفاعية.
ومع بقاء النظرات المترقبة في القاعة، أطلق بعضهم ابتسامات ساخرة، بينما اكتفى البعض الآخر بمتابعة المحاضرة.
أما ليو داوبين، فقد كان حزينًا بصمت. كان يعلم أن طرد وانغ باولي يعني افتراق طرقهما إلى الأبد.
مرت أربع ساعات، أنهى بعدها زو يونهاي درسه وغادر، لتتجه كل الأنظار إلى وانغ باولي. وكذلك فعل طالبان الانضباط الجامعي.
"هل نُجبرك على القدوم؟"
فتح وانغ باولي عينيه، وكان يبدو هادئًا بصورة غريبة. غادر مقعده بصمت، وتبع الطالبين إلى خارج القاعة.
وما إن ابتعدوا، حتى انفجرت القاعة بالهمسات والنقاشات.
"هل سيتم طرده حقًا؟"
"بالطبع! ألم ترَ مَن اصطحبه؟ من يغادر مع هؤلاء لا يعود أبدًا!"
ركض الكثير من الطلاب خلفهم لمشاهدة ما سيحدث. فقد كانت قضية وانغ باولي كطالب خاص محط أنظار الجميع، حتى من خارج قسم الأدوات الطاوية.
لم يُعر وانغ باولي كل هذا اهتمامًا، وسار بهدوء نادر خلف الطالبين إلى قمة جبل القسم.
كان الاثنان يسخران منه داخليًا، فقد قابلا كثيرًا من مثله من قبل، يبدون صلابة في البداية، ثم ينهارون عند مواجهة المصير.
وما إن وصلوا إلى مبنى القمة، حتى توقف الطالبان، وأشارا له بالدخول بمفرده.
تنهّد وانغ باولي، ودفع الباب بقوة، ليجد نفسه وسط قاعة يمتلئ فيها الجو بنظرات عشرات المعلمين، تتفاوت أعمارهم بين الكهولة والشباب، وبعضهم بدا عليه الإحباط.
كان الطبيب العجوز و"الملتحي الصغير" بينهم. بدا الطبيب هادئًا، بينما بدا زميله مترددًا.
لكن الرجل الذي ترأس الجلسة كان نحيلًا، يرتدي رداءً طاويًا أسود، وعيناه تلمعان ببرود، ونبرة صوته تنضح بالعداء:
"وانغ باولي!"
تقدم وانغ باولي خطوةً إلى الأمام وانحنى تحية، وقال بصوت عميق: "نعم، أستاذ!"
"وفقًا لتحقيقاتنا، فقد مارست الغش في اختبار المقاطعة، وهو فعل مشين يستوجب الطرد الفوري. لكن، بما أنك طالب خاص، فقد عُقدت هذه الجلسة لسماع دفاعك."
ثم نظر إلى زملائه وتابع ببرود: "أقترح سحب لقب الطالب الخاص منه، وطرده من الكلية، مع إبلاغ جميع الكليات الطاوية الأربع بعدم قبوله مجددًا!"
عمّ الصمت، ثم بدأت الأصوات ترتفع:
"ينبغي طرده، إنه عديم الشرف."
"صحيح! ما فعله لا يُغتفر."
"العقوبة قاسية، لكن إن تساهلنا فنحن نُفرّط في مسؤوليتنا أمام الاتحاد!"
كان الجميع يُردّدون الرأي ذاته، وكأن القرار قد حُسم. أما الملتحي، فقال: "يكفي سحب اللقب. لا أحد معصوم، والطرد قاسٍ للغاية."
لكن لم يلقَ تأييدًا. وحده الطبيب العجوز ظل صامتًا.
وقبل أن يُعلَن القرار، رفع وانغ باولي رأسه فجأة، وعيناه تمتلئان بالغضب والحزن.
"أساتذتي! أرجوكم امنحوني فرصة للكلام!"
كاد الرجل ذو الرداء الأسود أن يرفض، لكنه فوجئ بالطبيب العجوز يقول:
"دعْه يتحدث."
قال وانغ باولي بصوت مرتجف:
"أعلم أن الاختبار كان خدعة، لكن أخبروني، ماذا كان عليّ أن أفعل؟"
"هل أفصح للجميع بالحقيقة؟ هل أُفشل الاختبار وأُغضب الإدارة؟"
"حين رأيت زملائي ينزفون ويُصابون، لم أستطع إخبارهم بالحقيقة، لكنني أنقذت من استطعت. هل كنت مخطئًا؟ هل كان عليّ أن أُدير ظهري لهم؟!"
"هل إنقاذ الناس جريمة؟ هل الذكاء والحنكة جريمة؟! إن كان الأمر كذلك، فأنا أقبل العقوبة!"
ثم انحنى بكل احترام، وسط صمتٍ تام.
تبدلت نظرات الحضور، وأدرك الرجل ذو الرداء الأسود أنه لا يستطيع رفض كلماته دون أن يبدو كمن يعارض الحق ذاته.
أما الطبيب العجوز، فقد ابتسم وأغمض عينيه.
خرج وانغ باولي من القاعة، وبينما كان الحشد ينتظرون سقوطه، دوّى صوتٌ قوي من داخل المبنى:
"وفقً
ا للتحقيقات، فإن الطالب وانغ باولي لم يخالف أي قاعدة خلال اختبار المستجدين، ويستمر في الاحتفاظ بلقبه كطالب خاص!"