في حياته الأولى، لم يكن زاتيل سوى شخص عادي، بوظيفة عادية وحياة عادية.

كان يعيش في عالم يخلو من السحر أو الكائنات الخارقة، لكنه يعجّ بتكنولوجيا متقدمة للغاية غيّرت طريقة حياة كل فرد.

وكانت "شريحة الذكاء الاصطناعي" هي تتويج هذا التقدم التكنولوجي، إذ لم تكن قادرة فقط على تحليل وتخزين أي نوع من البيانات، بل يمكن استخدامها أيضاً في التجارب من خلال المحاكاة وحساباتها التي تتيح إجراء التجارب وعرض النتائج الناتجة عنها.

يُزرع في كل طفل عند ولادته شريحة الذكاء الاصطناعي التي ترافقه طيلة حياته.

عاش زاتيل حياة رتيبة بلا طموحات كبيرة، وانتهت حياته بسبب الشيخوخة. ولو كان لا بد من وصف حياته بكلمة واحدة، فستكون: "بسيطة".

في لحظاته الأخيرة، لم يتوقع زاتيل شيئًا سوى الفناء. كملحد، لم يؤمن يومًا بأمور كالنفس أو الحياة بعد الموت. لذا، حين أغمض عينيه، كان من المفترض أن تكون تلك نهايته.

لكنّه فتح عينيه من جديد، ليكتشف أنه لا يزال حيًّا. وعندما نظر إلى ما حوله، وجد نفسه في مكان متهالك، تكتسحه رياح حارقة، وتعلوه شمس حمراء ملتهبة. كانت الأرض مليئة بالحُفَر السوداء.

ولو نظرت من السماء، لرأيت نهرًا هائلًا يشق الأرض، تمخره مئات الظلال الصارخة.

لقد كان في "الهاوية" — مسقط رأس الشياطين، مستوًى فوضوي من الشرّ الخالص، يتكوّن من عدد لا يُحصى من الطبقات.

خائفًا ومصدومًا، حاول زاتيل الحراك، لكنه شعر بثقلٍ وغرابة.

وبينما يغمره الذعر، بدأ يتفحص جسده، ليجد يديه أكبر بثلاث مرات من الحجم الطبيعي، بمخالب كالأظافر، وبشرة بيضاء مليئة بالندوب والتشوهات. كان جسده خاليًا من الشعر، وفمه قد تحوّل إلى فجوة تحوي مئات الأسنان.

لقد أصبح "مان" — وهو أدنى نوع من أنواع شياطين الهاوية. عادةً ما يكون المان أرواحًا بشرية تشوّهت وتحوّلت بعد دخولها الهاوية، بسبب الهالة والطاقة الطبيعية الفوضوية لهذا المكان. ويُعتبرون مجرد وقود للمعارك لبقية الشياطين، بل أحيانًا مصدرًا للغذاء.

كان زاتيل مرعوبًا ومشوشًا مما يحدث، لكن مع مرور الدقائق بدأت أفكاره تتعرض لهجوم من إرادة وحشية وعنيفة للغاية.

فبطبيعة كل شيطان أن يصبح آلة قتل هائجة، يتصرف بغريزة خالصة، بسبب تأثير الهالة الفوضوية والطاقة الطبيعية المترسخة في كيانه. وهذا ما يجعل معدلات الوفيات بين الشياطين، وخاصة الضعفاء منهم، مرتفعة جدًا. فحتى إن كان عدوك أضعف منك، إن استطاع أن يوقعك في فخه المعدّ بإحكام، فستلقى حتفك على الأرجح.

لكن للطبيعة الفوضوية لهالة الهاوية فوائد، فهي تمنح كل شيطان قوة هائلة، ليس فقط في جسده بل حتى في دفاعه الروحي، مما يجعل الشياطين على قدم المساواة مع التنانين في نفس الرتبة.

وبالطبع، هناك شياطين خاصة أذكى من غيرها، وتتحكم في اندفاعها بشكل أفضل، وكلما زادت قوة الشيطان، قلّ تأثير الفوضى عليه.

أما زاتيل، فلم يكن مميزًا بأي شكل من الأشكال، وفي غضون دقائق، بدأت أفكاره تتآكل تحت تأثير الهاوية. لكن لحسن حظه، رافقته شريحة الذكاء الاصطناعي في رحلته. لم تساعده الشريحة فقط في مقاومة التآكل الذهني، بل أرشدته لوسائل النجاة والتطور.

وبعد آلاف السنين من المجازر والدمار، لم يصبح زاتيل قويًا فحسب، بل ارتقى إلى مرتبة "سيد الهاوية"، كائن من كائنات القوانين، بعمر يمتد بامتداد الكون ذاته — ولكن حتى هذه الكائنات يمكن أن تموت.

في حياته الثالثة، كان زاتيل يتيمًا تم إرساله إلى برج السحر بعد أن لاحظ أحد المتدربين أن لديه موهبة تؤهله ليصبح ساحرًا. بالطبع، لم يكن ذلك بدافع اللطف، بل لأنه من مهام المتدربين جلب المواهب الجديدة للبرج.

ترجمة : krinker

كانت حياته داخل البرج مليئة بالقلق، فقد كان مجرد فتى لم يتجاوز الخامسة عشرة، وجد نفسه فجأة في برج سحري يُشبه الزنزانة، يعجّ بأشخاص ذوي نوايا خبيثة.

قضى زاتيل عامه الأول في زيادة قوته الروحية تدريجيًا، وقراءة كل الكتب التي وقعت بين يديه، أو أداء بعض الأعمال الشاقة ليكسب بعض المال.

وفي أحد الأيام، عرض عليه ثلاثة متدربين من الرتبة الثانية الانضمام إليهم في مهمة للبرج. كانت المهمة تتعلق بالحصول على عشبة سحرية تُدعى "حزن الظلال"، والتي تزيد من قوة الروح لدى المتدربين ذوي الانسجام مع طاقة الظلام.

كان زاتيل متشككًا، فهو مجرد متدرب من الرتبة الأولى لا يملك أي قدرة قتالية، لكنهم أكدوا له أن مهمته فقط أن يكون مراقبًا أثناء أخذهم للعشبة.

وبعد ضغط منهم، ووعد بإعطائه جزءًا من العشبة، وافق زاتيل أخيرًا. وأثناء رحلتهم إلى موقع العشبة، كانوا ودودين جدًا معه، مما جعله يطمئن ويخفض حذره. لكن بمجرد وصولهم قرب العشبة، هاجموه ودفعوه نحوها، وبدأوا في الاختباء.

لم تتح له الفرصة حتى ليستوعب ما يحدث، حين سمع زئيرًا. وعندما نظر باتجاه الصوت، رأى "ذئب الظل"، مخلوقًا سحريًا بقوة متدرب من الرتبة الثالثة، وككل المخلوقات السحرية، كان شديد التعلّق بأرضه، فهاجم زاتيل فور رؤيته.

حينها فهم زاتيل كل شيء. لم يرد أولئك المتدربون منه أن يكون مراقبًا، بل أرادوا استخدامه كطُعم يُلهي ذئب الظل ريثما يأخذون العشبة.

ركض زاتيل بكل ما أوتي من قوة محاولًا تفادي هجمات الذئب، ولكن كم يمكن لمتدرب ضعيف أن يصمد أمام مخلوق سحري؟

خلال ثلاث دقائق فقط، كان زاتيل على حافة الموت. ولولا أن المخلوق شعر بشيء مريب وعاد إلى عشبة الظلال، لكان قد قُتل.

...

استلقى زاتيل تحت شجرة، مغمض العينين، لا يتحرك، يتفحّص معلومات حياته السابقة.

وبعد بضع دقائق، فتح عينيه.

وقال بصوت مهيب:

"أنا زاتيل، سيد الهاوية، حاكم الموت والدمار، كابوس ديس... قد استيقظت!!"

"شريحة الذكاء الاصطناعي، افحصني."

...............................................................................

ترجمة : krinker

2025/05/18 · 193 مشاهدة · 811 كلمة
krinker
نادي الروايات - 2026