199 – التحوّل الروحيّ

 

 

 

زهزق شيطان اليأس كثيرا حتّى كاد الناس يعتقدون أنّه يتقيّأ دما من الضحك لا من ضربة إدريس الحكيم، ومسح الدماء من على فمه ثمّ حدّق إلى خصمه بعينين تشتعلان حماسا. من كان يعلم ما إذا كانت تانك عينان تحدقان باحترام إلى الشخص أمامهما، أم مجرّد عينين تتربّصان بفريستهما المفضّلة.

 

أشعّ جسده فجأة ثمّ أطلق أشعّة في العديد من الاتّجاهات، وفي لحظة، اختفت كلّ آثار الدماء التي غطّته والجروح والكدمات التي غطّت جسده. لقد أصبح جديدا كسابق عهده كأنّما لم يُضرب قطّ.

 

عبس إدريس الحكيم وتمتم: "الشفاء الذاتي!" تنهد ثم أكمل: "حقّا الروحاني المبارك شيء مدهش. بمجرّد ما أن تحصل على البركة فتكسب قطرات الحياة، يتسنّى لك شفاء نفسك من هجمات حتّى بمثل هذا المستوى بهذه السرعة."

 

توهّج جسد إبلاس مرّة ثانية بنور ساطع يجعل العين تُغمَض أوّلا قبل أن يشعر صاحبها بالاحتراق. انطلق ضوء ذهبيّ من أعماق روحه مانحا الذين سقطوا في هاوية اليأس أملا، قبل أن يدركوا أنّه كان طعما فقط يقود إلى يأس أعظم سحقا. كان كتلك الشمس التي أنارت العالم، لكنّها أحرقته ما أن ظهرت.

 

التفّت حوله عواصف من شأنها تمزيق كلّ ما يوجد إلى جزيئات متبعثرة، وصاحبتها أعاصير قلبت العالم رأسا على عقب. وكلّ ذلك كان وقودا للشمس حتّى تزداد سطوعا أكثر وفتكا أشدّ من ذوي قبل.

 

وفي الجهة الأخرى، امتدّ ضوء إدريس الحكيم الفضّيّ إلى جميع الأنحاء والزوايا من أجل قيادة الناس بحرص أكبر حتّى لا يُخدَعوا من طرف الضوء الذهبيّ، بعث فيهم السكينة والطمأنينة وجعل الروح تشتعل أملا من جديد بعدما أصبحت رمادا بسبب الشمس الفتّاكة.

 

أحاطته عواصف وأعاصير أيضا قوّت لمعان الضوء الفضّيّ، وحمت كلّ شيء من العواصف والأعاصير الأخرى، وأضعفت قوّة تلك الشمس المرعبة.

 

تفاجأ الناس في العالم الواهن بأجمعه من جديد، وأحسّوا باقتراب نهاية عالمهم بسبب معركة هذين الاثنين لحظة تلو الأخرى.

 

اليوم، عرف العالم الواهن حقّ المعرفة إمكانيات السحر الحقيقيّة، وأنّه كلّ شيء بمستويات الربط لا يُعدّ سوى المرحلة التمهيديّة إلى عالم الروح الحقيقيّ؛ كلّ شيء من أجل كسب حياة جديدة بإمكانيات غير محدودة؛ كلّ شيء من أجل بلوغ تلك القمّة غير المبلوغَة ولا المعلومة.

 

حدث كلّ ذلك في لحظات وجيزة للغاية، وبعدما ظهر إدريس الحكيم وشيطان اليأس مرّة أخرى، لم يكونا نفسيهما بعد ذلك. لقد بدا للجميع أنّ هناك شخصين... أو يجب القول شيئين لا يعلمون ماهيتهما قد حلّا مكانيهما.

 

اتّضح شكل الأوّل في المكان الذي اعتاد أن يكون به إبلاس وبدا كأسد ذهبيّ عظيم. كانت لبدته تبدو كشمس وُضِعَت كـتاجٍ ملكيّ فوق رأسه الذي يعلو بفخر وكبرياء، وانتشر تألّقها على باقي الجسد، فجعلت من اللون الذهبيّ يلمع بشكل مستمرّ وأقوى فأقوى مع مرور الوقت. كلّ شعرة منه تألّقت بإشعاع يبيّن مدى غنى هذا الأسد بطاقة جوهر العالم.

 

كان هذا الأسد الذهبيّ العظيم عملاقا بشكل لا يعقل. بلغ حجمه خمسين مترا طولا. كلّ ذلك كان جزءا بسيطا من هيبته؛ فما أثار الدهشة في قلوب الناس هو حضوره السامي وروحه القويّة التي جعلت الناس ترتعد من هوله. لم تكن ذلك روح وحش أو ساحر، وإنّما شيء فاق ذلك.

 

لقد كان ذلك شعورا مختلفا تماما عمّا شعروا به من قبل؛ لم يكن ذلك الرعب بسبب هالته المفزعة أو يأسه المظلم؛ لقد كان ذلك بسبب إحساسهم بدمه الملكيّ الذي يسري في عروقه ويجعله جديرا بحكم العالم كعاهله الفاضل، وروحه المختلفة عن أيّ شيء سبق ورأوه.

 

وفي الجهة المقابل له، لاحظوا ظهور نمر فضّيّ لا يصغر ولا يكبر الأسد الذهبيّ العظيم حجما. لقد كان ببرا أبيضا ملكيّا مخطّطا بالأسود، وكانت عيناه الزرقاوان مهيبتيْن للغاية وتجتاح العالم، وكان بريقه يغطّيه، وفقط أنفاسه كانت غنيّة بطاقة العالم كما لو كانت ضبابا روحيّا.

 

انطلق الوحشان المرعبان وتلاحما عن قرب، فاهتزّ العالم الواهن من جديد واحترقت العديد من أراضيه وانشقّت، تساقطت الجبال الشامخة وجفت الأنهار المديدة، أظلمت السماء فاختفت الشمس والقمر وانطفأت النجوم كلّها في السماء الشاسعة، فكان الأسد الذهبي والنمر الفضّيّ هما المصدر الوحيد للضوء حاليا.

 

كان حجماهما كبيريْن للغاية، لكنّ سرعتهما لم تتأثّر بذلك، بل أصبحت أكبر بكثير حتّى. فغبارا أصبحت مئات الأميال بجوارهما بإلقاء الأسد الذهبيّ شموسا تصحبها رياح يمكنها قلب العالم وقطعه، ومواجهة النمر الفضّيّ له بنجوم وأقمار ركبت العواصف وقادت الأعاصير.

 

كلّ شيء أصبح بلا معنى عندما كشّر ذانك الوحشان الهائلان عن أنيابهما، ولم يهمّ إن كان شخصا أو وحشا أو مخلوقا ساميا، كلٌّ على حدّ سواء كان مآله الموت تحت هيبتهما العظيمة.

 

لقد كانت تلك معركة تفوق فهم ناس العالم الواهن بكلّ المعاني، ولم يعلم أحد ما الذي كان يحدث بالضّبط غير الدمار الذي كان ينتشر في عالمهم لحظة بعد الأخرى كوباء بلا شفاء.

 

هدأت الأوضاع ووضع الوحشان مسافة بينهما، وتارة أخرى، حدث المذهل وفوجئ الناس؛ اختفى هذه المرّة الوحشان الساميان من السماء وظهر كيانان مختلفان، فبدا لوهلة كما لو أنّ ذينك الوحشين قد ضُغِط حجماهما حتّى صارا شيئين آخرين.

 

بلع أولئك الستّة الذين كانوا يشاهدون من بعيد عبر "بركة المراقبة السامية" أرياقهم، وقوّوها بإضافة كميّة كبرى من أحجار أصل سامية حتّى يتسنّى لهم مراقبة ما يحدث بصورة أوضح وأقرب. ركّزوا أنظارهم جيّدا بعدما شغّلوا أبصارهم الروحيّة.

 

لقد كانت هذه معركة ستهزّ نتيجتها العوالم الروحيّة فتسبّب السعادة للكثير، والكآبة لعدد كبير. من لمْ يتساءل يوما عن الأقوى بين هذين الاثنين؟ من لم يرد أن يرى نتيجة نزالهما النهائيّة؟ من لم يرد أن يشهد المعركة الأخيرة بين أفضل عباقرة العوالم الروحيّة؟ كان هناك عدد ضئيل جدّا من الأشخاص الذين بلغوا درجات عظمى في عالم الروح ولم يعودوا يهتمّون بهذه الأمور الدنيويّة البسيطة بالنسبة لهم.

 

علم الستّة أنّ قائدهم وإدريس الحكيم قد بدآ الشيء الحقيقيّ.

 

كان ما ظهر في مكان شيطان اليأس هو نفسه في الواقع، إلّا أنّه كان هناك العديد من التغيّرات التي طرأت عليه؛ طال شعره الذهبيّ وأصبح كلبدة أسد خشنة غطّت ظهره، وبرزت أنيابه أكثر ثم تغيّر شكل بؤبؤيه فأصبحا كأنّهما شمسين صغيرين، وتمركزهما نقطتان سوداوان مشتعلتان بلون بنفسجيّ يمكنهما اختراق وبلع أيّ شيء والنظر إلى حقيقته.

 

أصبح جسده أطول قليلا وصُقِلت عضلاته لدرجة لا توصف. لقد بدا كما لو أنّ قوّة ذلك الأسد الذهبيّ العظيمة قد خُزّنت في جسده ذاك؛ كان تلويح واحد منه قادر على سحق البرّ، وفرق البحر، وفلق البصر.

 

لقد كان دمه ملكيا أصلا، والآن غدا أكثر سموّا من ذي قبل. لقد أصبحت روحه ذاتها ملكيّة. كان محاطا بصورة ذلك الأسد الكبير كما لو كانت تحمي جسده وتقوّي روحه.

 

لقد هذا هو تحوّلُ شيطانِ اليأسِ الروحيُّ، ومُنِح لقب "أسد شمس الحقيقة السامي".

 

أمّا إدريس الحكيم، فقد حدث معه شيء مشابه. ظهر على ظهره معطف فرو يبدو مصنوعا من ذلك النمر الفضّيّ سابقا، وبدا مندمجا مع لحمه الخاصّ من الكتف إلى الكتف فجعله يبدو كصيّاد يرتدي جلد فريسته السامية، ممّا جعل منظره الهادئ سابقا يظهر شرسا نوعا ما.

 

صارت عيناه الزرقاوان المزيّنتان بالنجوم برّاقتين أكثر من قبل وامتدّ وريد أسود كسلسلة جوهريّة من جفنيه إلى ذقنه فصدره مرورا بجميع نقط أصله في النهاية. كان ذلك كوشم أسود يميّز ببرًا ساميا عن أقرانه.

 

لقد كان هذا هو تحوّلُ إدريس الحكيم الروحيُّ، وسُمِّيَ بـ"الببر حاكم القمر الحكيم".

 

أحسّ الجميع بظهور روحين قويتين في سماء العالم الواهن؛ لقد كانتا روحا ساحرين مستحوِذيْن على روحيْ وحشين روحيّيْن. كانت تلك هي اللحظة الأولى في تاريخ العالم الواهن أنْ شهدَ تحوّلا روحيّا.

 

مجرّد الحضور في نفس المنطقة والعالم مع هذين الكيانين جعل التنفّس صعبا والوقوف أصعب. نسي الناس شيئا يسمى بالشجاعة وحاولوا الابتعاد قدر المستطاع عنهما. لقد كانوا مجرّد نمل أمام ذلك القمر وتلك الشمس.

 

تحدّث فجأة شيطان اليأس بنبرة سياديّة كملك يخاطب عبيده: "عندما تظهر شمس الحقيقَة، لا تخفى دقيقَة؛ وتصير كلّ نفس رقيقَة. يعبر الأسدُ الذهبيُّ الممر، مغلِقا المفر، فله آنذاك يعود الأمر؛ فهو المدمّر المدبِّر."

 

اهتزّت صورته بعدما ردّد تلك التعويذة، ثم التفّت حوله فجأة قوانين تحكم هذا العالم وتضع قواعد لا يمكن خرقها. اخترقت جسدَه وروحَه كلّ تلك القوانين الروحيّة التي اتّخذت شكل حروف لغات عتيقة للغاية لا يعلم شخص معناها، فدعّمتهما من كلّ النواحي.

 

كانت تلك تقنية تكامل إبلاس التأصّليّ. لقد كانت تقنيات التكامل التأصّليّ هي ما يسمح للساحر بالاستحواذ ودمج روح الوحش الروحيّ مع روحه، وفي نفس الوقت جعلت كلّ من تقنيات الساحر الأصليّة تتكامل مع قدرات الوحش الروحيّ الأصليّة، منتجة بذلك قدرات جديدة كلّيّا.

 

فعل إدريس الحكيم نفس الشيء فحدث معه نفس الأمر. كانت تعويذة تقنية تكامله التأصّليّ كالتالي: "يطلع ويسطع القمر، فيرتفع الببر، فيخضع البرّ والبحر. يسود الحكيم، بالقانون السليم، فله التسليم بدون غريم؛ فهو الصميم."

 

قد أصبحا الآن في الشكل النهائيّ للساحر الروحيّ؛ كان التحوّل الروحيّ هو أقوى تقنية يملكها الساحر الروحيّ إذ يصاحب ذلك استخداما مجهِدا للغاية للطاقة الروحيّة وتقنيات جديدة تتطلّب جهدا أكبر.

 

كان هذا التحوّل يستنزف طاقة الساحر الروحيّ بشكل سريع للغاية ولم يكن يمكنه البقاء في هذه الوضعيّة لوقت طويل، لاسيما بعد البدء في استخدام "تقنيات التحوّل".

 

كانت تقنيات التحوّل هذه هي ما يستخدمه الساحر في طور التحوّل الروحيّ، وكلّ واحدة منها كانت تتطلّب كمّا هائلا من الطاقة الروحيّة حتّى تُنَفّذ؛ فكانت هناك أفضليّة للأشخاص ذوِي المستوى الروحيّ الأعلى، وبالخصوص الذي أكملوا مراحلَ أكثر في نطاقاتهم؛ كلّ ذلك كان لأنّهم يكونون يملكون طاقة روحيّة وفراء ونقوى.

 

كان الستة يشاهدون من بعيد معركة هذين الاثنين الأخيرة. لقد كان ذلك قتالُ أسدِ شمسِ الحقيقةِ السامِي والببرِ حاكمِ القمرِ الحكيمِ النهائيُّ الذي سيحدّد نتيجة كلّ المعارك السابقة بينهما.

 

كان أولئك الستة متحمّسين كثيرا لرؤية نتيجة هذه المعركة بغض النظر عن الفائز بها، نظرا لأهمّيتها الكبرى في العوالم الروحيّة، ولكنّهم لم يكونوا ليعلموا قطعا ما الآثار المرعبة المستقبليّة التي ستكون بدايتها نتيجة هذه المعركة؛ لم يكونوا ليتخيّلوا إطلاقا العصر الذي سيجدون أنفسهم فيه في المستقبل؛ إذ سيكون عصرا تتسابق فيه الأجناس والأعراق كلّها من أجل بلوغ تلك القمّة الخرافيّة وكسب الحياة الجديدة، من أجل السيادة العظمى وحلّ اللغز الأعظم!

 

من تأليف Yukio HTM

 

أتمنّى أن يعجبكم الفصل. أرجو الإشارة إلى أيّ أخطاء إملائية أو نحوية.

إلى اللّقاء في الفصل القادم.

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus