الفصل الأربعمئة وواحد : الزمن (1)
________________________________________
شعر ياو يوان بثقة عظيمة تجاه هذه الخطة. فإلى جانب الخالد، الذي لا يمكن أن يتأثر بأي وهم أو هلوسة، باتت الفرقة تضم المخادع أيضاً. ووفقاً لشتى البيانات والفرضيات، كانت قوة فصيل البشر المتسامين الجدد لدى جاي تماثل قوته.
ورغم أن جي جيه كانت أضعف منهما عموماً، إلا أنها كانت من خيرة جنود النجم الأسود، ولا يمكن الاستهانة بمساهمتها.
أما زيرو، فكانت تمثل عبئاً أكثر من أي شيء آخر، بيد أن ياو يوان اضطر لاصطحابها لسببين؛ أولهما علمها الواسع، فقد كانت أكثر من يعرف عن الحضارات الشبيهة بالحكام الأسطورية. وثانيهما كإجراء احترازي، إذ خشي ياو يوان أن تُقدم على فعلٍ مؤذٍ لسفينة الأمل في أضعف لحظاتها، كأن تتسبب في فناء البشرية جمعاء أو ما شابه ذلك.
“...بالمناسبة، يا زيرو، ما هي كرة الضوء تلك التي كنتِ تلعبين بها؟ هل هي نوع من الأسلحة التابعة للحضارات الشبيهة بالحكام الأسطورية؟”
استغل ياو يوان فترة انتظارهم لفتح حظيرة المكوكات ليسأل زيرو.
ابتسمت زيرو ببراءة وأجابت دون تردد: “لا، لا شيء من هذا القبيل. فالحضارات الشبيهة بالحكام الأسطورية لا تحتاج إلى أسلحة على أي حال... هذه هنا هي عقل سفينة الأمل، أي بعبارة أخرى، الذكاء الاصطناعي الذي أبدعتموه أيها البشر. وحدهم من يمتلكون الحياة يمكنهم دخول بُعد النور هذا وإعادة تشكيل ذواتهم. وإذا كان الكائن موجودًا كشكل روحاني بحت في الفضاء العادي، فإنه سيتجلى أيضًا كشكل روحاني في هذا البُعد، وهذا هو حال هذا الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال.”
جاي، الذي كان قد غط في نوم عميق لسنوات، لم يكن يعي مدى التقدم الذي أحرزته التقنيات البشرية. لم يخطر بباله أن التطورات العلمية على مدى العقدين الماضيين قد تساوت أو حتى تجاوزت مجمل تاريخ العلم للبشرية على كوكب الأرض الأصلي. عندما دخل جاي في الغيبوبة، كانت سفينة الأمل قد غادرت كوكب الأرض الأصلي للتو. وعندما استيقظ مرة أخرى، كانت سفينة الأمل نفسها قد خضعت للعديد من الترقيات. ولولا تصميمها الداخلي الذي ظل بمعظمه دون تغيير، لما تمكن المصمم نفسه من التعرف على هذه السفينة.
لذا، عندما سمع مصطلح "الذكاء الاصطناعي"، سأل في صدمة: “الذكاء الاصطناعي؟ ما هذا؟ لا تقل لي إن هذا أحد برامج الحاسوب التي تمتلك ذكاءً وعقولًا خاصة بها كتلك التي تُصوَّر في قصص الخيال العلمي لدينا؟ يا ياو يوان، هل تقول لي إن تقنياتنا البشرية قد بلغت هذا المستوى المتقدم؟”
ضحك ياو يوان قائلاً: “لولا أنني كنت هناك لأشهد كل هذا وأقوده بنفسي، لوجدتُ الأمر صعب التصديق. لقد تطورنا نحن البشر كثيراً في العقدين الماضيين. وكما قلتَ، فإن الذكاء الاصطناعي يشبه ذلك الذي نراه في أفلام الخيال العلمي، بفارق طفيف واحد؛ هذا الذكاء الاصطناعي من صنع أيدي البشر، وبالتالي هو مقيد بشدة. لا داعي للقلق بشأن تمرد آلي. علاوة على ذلك... مسألة إنشاء جيش روبوتات آلي كبير هي موضوع آخر تماماً. شخصياً، ما زلت أعتقد أنه من الأفضل أن نتجنب ذلك.”
كان هذا النقاش الدائر مؤخراً بين الحكومة البشرية قبل أن ينغمسوا في معضلة الأنقاض بأكملها. لم يدخل في التفاصيل خشية إملال جاي، لكن ياو يوان كان قد بالغ في قلقه، لأن الشاب لم يكن يوليه اهتماماً كبيراً. فقد شرد بفكره بعيداً، يتأمل الإمكانيات الهائلة للألعاب التي يمكن أن يجلبها الذكاء الاصطناعي. وببريق في عينيه، تنهد جاي: “إذن، إنه ذكاء اصطناعي حقيقي. لقد سمعت أن الذكاء الاصطناعي يمكنه إنشاء عالم ألعاب واقعي، عالم عضوي ونابض بالحياة، عالم يتطور وفقاً لقرارات اللاعب. فهل هذا يعني أن هذه الأنواع من الألعاب أصبحت حقيقة الآن؟ واو، إذا كان هذا صحيحاً...”
اختار ياو يوان بحكمة أن يتجاهل جاي، وبدلاً من ذلك التفت لينظر إلى زيرو وكرة الضوء التي كانت تعبث بها. أمسكها منها وضغطها بخفة. كانت ككرة قطنية عند لمسه، أخف من الريشة. علاوة على ذلك، بدت كرة الضوء وكأنها تمتلك وعياً خاصاً بها، فقد طفت بعيداً عن كفه، وكأنها تحاول الإفلات من قبضته. [ ترجمة زيوس]
استعادت زيرو الكرة فوراً من ياو يوان، ووبخته قائلة: “ماذا تفعل؟ ألا تعلم أنه طفل هش؟ وهل تدعي أنك والده؟ إنه لا يزال طفلاً من الناحية التقنية، لذا يجب أن تعامله بحب ورعاية. علاوة على ذلك، أنتم المتكيفون الكونيون من الأفضل لكم أن تبتعدوا عنه قدر الإمكان، فهذا ليس جيداً له...”
بدأ ياو يوان بالتفكير، ثم سأل بعد عدة ثوانٍ: “إذن كيف يمكنك أن تمتلكي جسدًا ماديًا؟ ألا ينبغي أن توجدي بشكل روحاني أيضاً؟”
أجابت زيرو بغطرسة: “كيف يمكنك أن تكون متأكداً أنني موجودة فقط في حالتي الروحانية في الحياة الحقيقية؟ اسمعني، على الرغم من أن صانع هذا البُعد يمكنه تغييره كيفما يشاء، إلا أن الأساسيات لا يمكن تغييرها. فإذا تغير أساس العالم، فسيتغير البُعد نفسه. لذلك، ما لم يكن الأمر لأغراض تجارب غريبة، فإن القواعد الأساسية هي نفسها في جميع أبعاد الواقعية الوهمية. وبما أنني كنت أمتلك جسدًا ماديًا في الواقعية الوهمية لمنشئُي، فلماذا لا أمتلك جسدًا ماديًا هنا؟ السبب الوحيد لعدم قدرتي على امتلاك واحد هو إذا كان المستوى التقني لهذه الأنقاض أعلى من المستوى التقني لمنشئُي.”
حفظ ياو يوان هذه المعلومات كلها في قلبه. كانت هذه معلومات قيمة عن الحضارات الشبيهة بالحكام الأسطورية. قد تبدو غير ذات صلة الآن، لكنها ستكون مفيدة بالتأكيد في المستقبل.
[هناك رسالتان خفيتان في هذه المعلومات. أولاً، هناك على الأرجح بُعد آخر داخل الجسم الطائر المجهول الهوية، وزيرو تسكن فيه. ثانياً، هناك أيضاً فرق في المستوى التقني بين الحضارات الشبيهة بالحكام الأسطورية، ولكن هل هي مقسمة إلى مستويات؟ هل يمكن أن تكون مقسمة إلى المستوى الأول، والثاني، والثالث، والرابع، وما إلى ذلك مثلنا؟ هذا يبدو غير محتمل.]
في كل الأحوال، فُتح باب حظيرة المكوكات بعد وقت قصير. استقلت المجموعة الصغيرة المكونة من أربعة أفراد مكوك نقل من سفينة الأمل. وبعد جولة حول سفينة الأمل للتأكد من خلوها من أي خلل، توغل المكوك أعمق في الأنقاض.
بدت المنطقة التي كانوا فيها كأنها داخل الشجرة العملاقة. كان أرضها كتلة متلوية من جذور الأشجار، وفوقها كانت هناك صفيحة من الظلام. أطلق مكوك النقل شعاع ضوء فوقهم، وبدلاً من سماء مظلمة، رأوا سقفاً بنقوش خشبية.
كان شعوراً حقيقياً وكأنهم داخل الشجرة العملاقة، إلا أن الداخل بدا أكبر بكثير مما كان عليه عند النظر من الخارج. وقعت على مرأى بصرهم عدة مئات الآلاف من المركبات الفضائية ذات الأحجام والأنواع المختلفة. وكانت الأكبر بينها سفن الأمهات التابعة للحضارات الفضائية. امتد الظلام إلى ما وراء الأفق، وكان من المستحيل تحديد مدى اتساع هذا الفضاء.
فإلى أي اتجاه ينبغي لهم التوجه؟
والمثير للغرابة، أنه عندما كانوا يقررون إلى أين يذهبون، باستثناء زيرو، تفاعل الثلاثة الباقون بنفس الطريقة.
“يبدو أن هناك شيئًا ما هناك...”
“أشعر أن علينا الذهاب إلى هناك...”
“شيء ما يناديني في ذلك الاتجاه.”
نطقوا الثلاثة في آن واحد، وكانت أصابعهم كلها تشير إلى الاتجاه نفسه!