الفصل الأربعمئة والثالث والخمسون : الكرة الفولاذية تنتصب في الفضاء! (2)
________________________________________
راود ري حلم لا يمكن وصفه إلا بكلمة "غريب الأطوار". لقد رأى في عالم يكتنفه الظلام ثلاث كرات من النور تكافح بشدة، حاولت أن تضيء العتمة من حولها، لكن جهودها باءت بالفشل، فقد كان الظلام واسعًا ومحيطًا كالكون الفسيح، بينما كانت كرات النور متناهية في الصغر، كقطرات الماء في محيط لجيّ، فاستسلمت وابتلعتها العتمة.
وبينما التفت ري لينظر إلى كرات النور الثلاث، بدت وكأنها قد اكتشفته أيضًا، فاندفعت الكرات الثلاث نحوه في لمح البصر. اجتافه الخوف لأنه لم يكن يدرك ماهيتها، إضافة إلى أنها كانت مشتعلة، فخشِي أن تحترق. دفعه غريزته الطبيعية للفرار، لكنه لم يتمكن من الحراك في قلب الظلام، فلم يسعه إلا أن يراقب أكبر كرة نارية وهي تندفع نحو جسده. في تلك اللحظة، رأى رجلًا ضخمًا يضحك بملء فيه في عرض الفضاء الشاسع.
تلاشت الكرتان الناريتان الأُخريان في جسده، ثم عاد العالم إلى ظلام دامس. لم يعد يرى شيئًا، وترك وحيدًا في هذا العالم الذي يكتنفه العدم. لم يكن هناك سوى نفسه واقفًا بمفرده.
اجتاحه الخوف والوحدة، فكانت تلك الوحدة قشعريرة اجتاحت كيانه. تمنى لو يرى والديه وأصدقاءه، لكن لم يكن يحيط به سوى هذه الوحدة الكئيبة.
شعر ببطء وكأن شيئًا ما يحاول أن ينمو من داخل جسده. كان نورًا، لهيبًا، لكنه مقيّدًا في جسده وكأن عظامه ولحمه قفصًا. وبينما كان على وشك الاستسلام لليأس، أشرق شعاع نور ساطع من خلفه. التفت دون وعي ليرى في عالم الظلام شمسًا عملاقة. أضاء نورها العالم من حولها، ولم يستطع الظلام أن يبتلعها، بل كان النور يبدد الظلام، جاعلًا العالم ينبض بالحياة. في الوقت نفسه، بدا وكأن النار والنور داخل جسده يتجاوبان مع الشمس. كافحا للخروج من جسده، وفي لحظة، أصبح هو أيضًا جزءًا من النور.
"آه!"
جلس ري فجأة، وجسده كله مغطى بعرق بارد. وقبل أن يدرك ما يجري، هزّه اهتزاز عنيف أيقظه. شعر وكأنه جالس في أفعوانية مجنونة.
بعد عدة ثوانٍ، تمكن ري من رؤية محيطه بوضوح أكبر. لم يكن حوله أحد، لا أطباء ولا والدان، ولا أي أثر لبشر سوى بضعة روبوتات الذكاء الاصطناعي. كانت هناك محاليل وريدية كثيرة متصلة بجسده. تذكر فجأة الوقت الذي كان محتجزًا فيه في الظلام، وبدأ يبكي، “يا أمي، أريد أمي. يا أبي، أين أنت؟ ما هذا المكان؟ أرجوكما أنقذاني.”
تحركت الروبوتات القليلة. أزال أحدها المحلول الوريدي من جسد ري، وضغط آخر على صدره من الأمام، وانطلقت صورة ثلاثية الأبعاد من عينيه.
ظهر وجه جاكو الملطخ بالدماء أمام ري في صورة ثلاثية الأبعاد.
“لا تبكِ يا بني، كن قويًا، لقد أصبحتَ رجلًا كبيرًا. أتتذكر كيف أخبرتني يومًا أنك ستكبر لتصبح رجلًا شهمًا؟ إذًا توقف عن البكاء. من هذه اللحظة فصاعدًا، عليك أن تتذكر شيئًا واحدًا، هو أننا نحن البشر لن نبكي أبدًا، فنحن نؤمن بالحديد والدم فقط!”
نظر ري إلى صورة والده، ومسح دموعه، ووعد بصوته الطفولي، “أتذكر يا أبي! لن أبكي بعد الآن!”
ابتسم جاكو وكأنه يتوقع رد فعل ابنه مسبقًا، “هذا هو ابني. يا ري، ألم تخبرني أنك تريد أن تصبح بطل البشرية، جنديًا من النجم الأسود؟ هذه فرصتك الآن؛ لقد أصبحت مؤهلًا أخيرًا لتكون جنديًا من النجم الأسود.”
“استمع إلي جيدًا. بعد انتهاء هذا الفيديو، اتبع التعليمات التي سيمليها عليك الروبوت الذي أظهر لك هذه الصورة، فهو من سيخبرك بما عليك فعله. يا بني، يا أعز أبنائي.”
“يا بني، أنت أيضًا ابن البشرية. أعلم أن هذا قاسٍ عليك، ولكن عندما تستمع إلى هذه الرسالة، فإنني أنا ووالدتك، وكذلك العمات والأعمام الذين كانوا يرعونك، قد توفينا جميعًا. وأنت ستمثل أملنا. اذهب إلى أعمق زاوية في حظيرة المكوكات حيث توجد أحدث اختراعات البشرية، السلاح الذي لا يمكن التحكم فيه إلا من قبل البشر المتسامين الجدد، إنها الكرة الفولاذية. اجعلني فخورًا يا بني.”
“كن بطلًا، واحمل معك أمنية والدك، وحب والدتك، وذكرياتك الثمينة لتصبح بطلًا يحمي هذه الذكرى، يحمي هذه السعادة!”
بعد أن اختفت صورة جاكو، توطدت عزيمة في قلب ري. كادت دموعه أن تنهمر، لكن هذه المرة عضّ على مفاصل أصابعه حتى كادت أسنانه تخترق العظم. سال دمه، لكن دموعه لم تسلّ. [ ترجمة زيوس]
استدار الروبوت متجهًا نحو حظيرة المكوكات. كانت الأرض لا تزال تهتز، وسمع ري انفجارات متقطعة. قبض ري على أسنانه، وتبع الروبوت مطيعًا إلى عمق الحظيرة. بعد فترة، رأى صندوقًا معدنيًا كبيرًا هناك. كان الروبوت يضغط على بعض الأزرار على سطح الصندوق، وسرعان ما انفتح الصندوق ببطء ليكشف محتوياته.
كانت كرة معدنية فضية بيضاء، يبلغ عرضها وارتفاعها حوالي 15 مترًا. اضطر ري إلى إمالة رأسه للوراء ليرى قمة الكرة. وبينما كان مذهولًا بحجم الكرة، استمر الروبوت في تفعيلها. أضاءت صدمة كهربائية سطح الكرة. فجأة، انفتح فراغ، وامتد سلم إلى قلب الظلام.
ابتلع ري ريقه ليتمالك أعصابه. كان متوترًا وخائفًا حقًا. فقد استيقظ للتو ليجد عالمًا غابت عنه والديه، وترك فجأة برسالة من والده. لم يكن هذا شيئًا يجب على صبي في التاسعة من عمره أن يواجهه أو يفهمه. كان مرتبكًا، ووقف بصمت، غير متأكد مما يفعله.
لم يدفعه الروبوت، بل وقف بهدوء وقد أتم أوامره كلها. اتخذ ري خطوات حذرة نحو المدخل. لكن قبل أن يخطو الخطوة الأولى، حدث زلزالٌ عنيف أسقطه تمامًا على الأرض. ليس هذا فحسب، بل بدأت حظيرة المكوكات نفسها بالانهيار. تشققت قطعة عملاقة من السقف وسقطت فوق الكرة المعدنية. كانت الكرة قوية، فنجت بالكاد من خدش، على عكس الروبوت الذي كان واقفًا بجانبها والذي تهشم إلى قطع. حمى ري عينيه من اللهب والانفجار. ثم شعر بشيء مبلل على وجهه. لمسه، فأدرك أن وجهه قد خدش، ربما بشظايا معدنية من الانفجار.
لم يكن هناك شيء آخر يمكنه فعله. كانت حظيرة المكوكات تنهار وتتفكك. إذا لم يتصرف بسرعة، فقد يُدفن حيًا. لم يكن لديه خيارات أخرى، فاندفع إلى الظلام ودموعه في عينيه وصرخة على شفتيه.
بعد أن ابتلعته الكرة الفولاذية، بدأ السلم في التراجع وأُغلق المدخل. وجد ري نفسه مرة أخرى في عالم الظلام. لم يجرؤ على تحريك عضلة. فجأة، أضاء عالمه بنور فضي ظهر حوله. كان ممرًا ضيقًا. وفي نهايته، كان هناك كرسي. تحرك ري نحوه وأدرك أن المساحة كانت أكبر من الممر، حوالي مترين مكعبين. كانت غرفة دائرية صغيرة.
عندما دخل ري الغرفة، ظهرت مجموعة من البيانات أمامه في صور ثلاثية الأبعاد. تضمنت البيانات صورًا لأماكن مختلفة حول القاعدة، مثل حظيرة المكوكات المنهارة، والمسارات المتصلة بالحظيرة، وحتى المنطقة السكنية حيث سقطت العديد من روبوتات المجسات بيضاوية الشكل من السماء مثل النجوم. كان هناك شق كبير فوق سماء خط الدفاع الثاني، وكانت سفينة حربية فضية انسيابية فضية تشق طريقها بصعوبة. وعلى الأرض، كان الناس يُحاصرون ويُذبحون.
عضّ ري على أسنانه وقفز إلى المقعد، ثم بدأ يبحث عن أزرار. أجل، لقد لعب الكثير من ألعاب محاكاة السفن الحربية في حياته، وأنهى بالفعل جميع الأجيال الأربعة من اللعبة. اعتقد أن لديه المهارات الكافية للنجاة في هذه اللعبة أيضًا، لكنه كان مرتبكًا لأنه لم يرَ أي عصا تحكم أو أزرار، فكيف سيتحكم في هذا الشيء؟
بينما كان ري ينظر حوله، قال صوت آلي، “يرجى تقديم اسمك الكامل. النموذج الأولي للكرة الفولاذية متصل بالمعلومات البشرية. لن يتمكن غير البشر من قيادته.”
فزع ري وهمس ردًا، “اسمي... اسمي ري.”
[يرجى تقديم اسمك الكامل. النموذج الأولي للكرة الفولاذية متصل بالمعلومات البشرية. لن يتمكن غير البشر من قيادته. آسف، ولكننا غير قادرين على العثور على معلوماتك في المحفوظات البشرية. يرجى تقديم اسمك الكامل في الثواني العشر التالية وإلا سيبدأ النموذج الأولي للكرة الفولاذية في تسلسل التدمير الذاتي، 10، 9، 8…]
رأى ري فجأة مجموعة من الجنود في الصور ثلاثية الأبعاد. كانوا يقاتلون جيش الروبوتات في بدلات الفضاء الخاصة بهم، لكنهم تبخروا فجأة من ضربة طاقية من السماء. في لمح البصر، احمرّت عيناه. كان خائفًا، خائفًا من أن يكون والده جزءًا من تلك المجموعة المؤسفة!
“أبي، أمي! ابدأ، أيتها الآلة السيئة، لماذا لا تبدئين؟ ألم تسألي عن اسمي؟ اسمي شينغ لينغ-أموللو-ري! ابدأي!” صرخ ري بينما انهمرت الدموع من عينيه.
[شينغ لينغ-أموللو-ري... تم العثور على المعلومات، ابن الملازم جاكو، تحليل الصوت... متطابق، الحمض النووي... متطابق. غير متسامٍ من البشر المتسامين الجدد، معدل الوفيات من استخدام الكرة الفولاذية: 100 بالمائة. هل ترغب في بدء تشغيل النموذج الأولي للكرة الفولاذية؟]
صاح ري، “نعم، ابدأ الآن!”
وما أن قال ذلك، حتى ابتلعه نور ساطع. وفي لمح البصر، بدت أفكاره وكأنها تهرب من جسده لتحيط بالكرة بأكملها.
وبينما كان المدنيون في خط الدفاع الثاني ينظرون بيأس إلى المذبحة من حولهم، في حظيرة المكوكات العسكرية، ارتفعت فجأة كرة فضية، وفي أقل من ثانية واحدة، انفجرت عدة سفن حربية فوق خط الدفاع الثاني.