عشرون عامًا مضت على ذلك اليوم الذي انشرخرت فيه مرآة الحقيقة، وانفجرت الفضيحة الكبرى التي لم يكن لأشد البشر سوداوية أن يتخيل خروجها إلى العلن.

لسنوات طويلة، كانت حكومة العالم تدير ملفًا سريًا غاية في الخطورة خلف الأبواب المغلقة، وفي أقبية المختبرات المحصنة. ملفًا يتعلق ببشر يختلفون في تركيبهم الجوهري عن بقية الجنس البشري.

أفراد يحملون في شيفراتهم الوراثية ما صار يُعرف لاحقًا في الأوساط الطبية والسياسية باسم "سلالة الهومو سابينس المتحورة"، أو اختصارًا بـ .H.S.V.

بشرٌ بملامح اعتيادية، نعم، لكنهم يحملون طفرات جينية غريبة وتصادمية، تنبثق في خلاياهم في لحظات عشوائية لا يمكن لأعتى أجهزة الرصد التنبؤ بها، مسببة تحولات فجائية تمنحهم قدرات تكسر القوانين المألوفة، أو خصائص جسدية وبيولوجية خارجة عن الطيف الطبيعي.

وكأن هذا العبء الكوني لم يكن كافيًا لإغراق الأرض في الفوضى، إذ بعد سنوات قليلة من تلك الفضيحة، ضرب الأرض هجوم إرهابي بيولوجي غامض وعنيف.

عمّ أرجاء الكوكب كالنار في الهشيم، مسبباً ارتفاعاً جنونياً ومتصاعداً في نسبة المصابين بالطفرات مع مرور الوقت، وفقاً لما تؤكده الدراسات المستمرة.

غير أن الحقيقة في هذا العالم باتت عملة مشوهة؛ فالبعض ينفي وجود هذا الهجوم البيولوجي من الأساس، معتبراً إياه مجرد خدعة سياسية قذرة حكتها الحكومة لإخفاء أسرار أعظم.

بينما يصدقه آخرون بيقين أعمى، مؤمنين بالقصة المرعبة التي تحيط بمسببه؛ ذلك الرجل الذي صار المطلوب الأول عالمياً، والشبح الذي تطارده كافة الأجهزة الأمنية، الرجل المعروف فقط بلقب "العائد".

لم تكن الطفرة حدثًا يمكن ضبطه بساعة توقيت، أو توقعه بفحص سريري عابر. كانت تختار ضحيتها بكامل العشوائية.

قد تبدأ في غرس جذورها منذ اللحظة الأولى لتكوّن الجنين في ظلمات رحم أمه. وقد تندلع فجأة في سن الطفولة البريئة، أو تباغت صاحبها في عنفوان المراهقة. بل وأحيانًا لا تستيقظ إلا في اللحظات الأخيرة من حياة الإنسان وهو يلفظ أنفاسه لتعيده من حافة القبر.

لم يكن هناك نمط واضح، ولا قانون فيزيائي ثابت يحكم هذا الجنون.

كانت الفوضى البيولوجية في أنقى، وأقسى صورها.

وعندما انهار جدار الكتمان وانكشفت الفضيحة أمام الشعوب، حاولت حكومة العالم أن تمارس اللعبة التي أتقنتها على مر العصور في إدارة الأزمات القذرة: التنصل التام والتضحية بالبيادق.

أصدرت المكاتب الرئاسية بيانات رسمية منمقة، ونفت بملامح باردة أي علاقة مباشرة أو علم مسبق لها بتلك العمليات السرية والوحشية التي كانت تُجرى خلف الأبواب الموصدة على أصحاب الطفرات. وادعت للرأي العام أن الأمر لا يتعدى كونه "تجاوزات فردية خاضعة للتحقيق" من قِبل قادة عسكريين وضباط استخبارات تصرفوا من تلقاء أنفسهم.

لكن النهر كان قد جرف السد بالفعل. الحقيقة عارية ومرعبة خرجت إلى الضوء، ولم يعد بإمكان أي قناع سياسي إعادتها إلى عتمة الظل.

خلال الأيام القليلة التي تلت الانكشاف، بدأت ردهات المستشفيات وممرات المصحات في جميع أنحاء العالم تمتلئ بحالات تشيب لها الولدان.

فالطفرة، في لحظة استيقاظها الأولى وظهور عوارضها الفجة، لم تكن تبدو كتحول تطوري يبعث على الفخر، بل كانت تشبه مرضًا غامضًا، قاتلًا ومدممًا. الحمى مستعرة تحرق الدماء في العروق. انهيار حاد وفجائي في وظائف الأجهزة الحيوية. آلام مبرحة تفوق قدرة العصب البشري على الاحتمال، ونوبات تشنج عنيفة تشبه إلى حد تطابق احتضار الجسد وتفككه.

والأسوأ من ذلك كله، أن العضو أو الجهاز الجسدي الذي تستهدفه الطفرة ليصير مركز القوة الجديدة، يمر بعملية إعدام وظيفي؛ حيث يقوم الجسد بتدمير ذلك العضو وتحطيم أنسجته ذاتيًا، ثم إعادة بنائه وتشكيله من الصفر عدة مرات متتالية وسط نزيف داخلي حاد، حتى تستقر الحالة أو يدرك الموت صاحبها.

في الماضي السحيق، قبل الفضيحة، كانت الحكومة تتعامل مع هذه الكوارث الطبية بآلية مغايرة تمامًا، آلية يسودها الصمت المطبق.

كان يتم إدخال المصاب إلى غرف العزل، وخلال ساعات يُعلن موته رسمياً للعائلة المكلومة... ثم يختفي الجسد من المشرحة ومن سجلات المستشفى قبل أن يجف حبر شهادة الوفاة.

كانت عائلات بأكملها تعيش سنوات عمرها وهي ترتدي السواد وتزور قبورًا فارغة، معتقدة أن أبناءها قد واروا الثرى بسبب مرض نادر. بينما كانوا في الحقيقة يُساقون كالماشية تحت جنح الظلام إلى منشآت ومختبرات تحت الأرض، حيث تبدأ هناك المرحلة الحقيقية والأنكأ من المعاناة الإنسانية والتجريب البشري.

لكن بعد أن تهشم جدار السرية، لم يعد هذا الأسلوب مجديًا أو ممكنًا. أصبح وجود أصحاب الطفرات واقعًا يوميًا مرئيًا يعيش بين الناس.

وبدأ الأطباء والمحللون يكتشفون الحقيقة القاسية شيئًا فشيئًا مع كل جثة يشرحونها أو حالة يحاولون إسعافها. الطفرة لم تكن هبة سحرية تظهر بلمحة بصر، بل كانت معركة طاحنة، حربًا أهلية شرسة تدور رحاها داخل الخلايا بين الجينات البشرية القديمة المقاومة والجينات الجديدة الغازية.

أعضاء كاملة تتلف وتتحول إلى نسيج ميت في دقائق، خلايا تنهار جدرانها، وأنسجة تتفكك روابطها كأنها تذوب من الداخل.

وفي ذات الوقت، ووسط هذا الركام البيولوجي، تبدأ أعضاء أخرى تماماً بالنمو والبروز من جديد... أحيانًا بطرق مرعبة ومشوّهة لا تمت للتناظر البشري بصلة.

بعض المرضى استيقظوا من غيبوبة الحمى ليجدوا أن أجسادهم بدأت تنمو فيها عيون إضافية غريبة، تحدق في الفراغ من أماكن متفرقة كالسواعد أو الظهر.

آخرون ظهرت لديهم غدد عرقية متحورة وقاذفة، قادرة على إفراز مركبات كيميائية سائلة تشتعل بمجرد ملامستها للأوكسجين في الهواء.

وبعضهم انصهرت بنية عظامهم بالكامل وتحولت إلى خامات معدنية مرعبة، كأن الهيكل العظمي نفسه كائن حي يعيد تصميم الجسد وهندسته من نقطة الصفر رغماً عن إرادة صاحبه.

كانت العملية برمتها كابوساً بصرياً ونفسياً، والأرقام والإحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية كانت تزيد الرعب رسوخاً؛ سبعة وسبعون بالمئة من الحالات التي داهمتها الطفرة... لم تنجُ.

والموت في هذه الحالات لم يكن رحيمًا أو يأتي سريعًا وخاطفاً في معظم الأحيان، بل كان بطيئًا، ممتدًا، ينهش الجسد قطعة قطعة على مدار أسابيع. كان قاسيًا كحد السيف على العائلات التي تقف عاجزة ومحطمة بجانب أسرة المستشفيات، تراقب أبناءها وهم يخوضون حرب إبادة ذاتية ضد أنفسهم دون امتلاك القدرة على منحهم سوى المسكنات اللعينة.

ولم تقف المأساة عند حدود الألم الجسدي، بل كانت المشكلة الأكبر والأكثر سحقاً للعائلات هي المال.

الدعم الصحي والرعاية الطبية لأصحاب الطفرة أثناء مرحلة التحول لم تكن مجرد زجاجات دواء أو حقن وريدية متوفرة في الصيدليات. بل كانت تتطلب غرف عزل مجهزة بأجهزة دعم حياة معقدة، ومراقبة طبية لصيقة ومستمرة على مدار الساعة، قد تمتد لأيام... أو أسابيع... أو شهور طويلة حتى تصل الطفرة إلى مرحلة الاستقرار الوراثي.

ولم يكن هناك سقف زمني محدد يمكن للأطباء أن يطمئنوا العائلات به؛ فالأمر كله كان مرهوناً بمتغير واحد فقط: مدى قوة وعنفوان الطفرة المستيقظة.

كلما كانت القدرة الناتجة عن الطفرة بسيطة ومحدودة النطاق، كانت عملية التحول سريعة والنزاع الجسدي أقل عنفاً، وتنتهي العملية برمتها خلال بضعة أيام، لتبدو بعض الحالات وكأنها ليست أسوأ من نزلة برد حادة أو وعكة موسمية شديدة.

لكن... كلما كانت القدرة الكامنة أعتى وأقوى، كان الثمن الذي يتقاضاه الجسد مقابلها أضخم وأكثر دموية. ألم ممتد يحطم الإدراك. انهيارات هيكلية وجسدية شاملة، واحتمالات موت شبه مؤكدة.

ولهذا السبب، كانت آلاف العائلات الفقيرة والمتوسطة تضطر إلى اتخاذ القرار الأكثر مرارة وقسوة في حياتها: هل ينفقون كل ما يملكون من مدخرات، ويبيعون منازلهم لتغطية تكاليف رعاية طبية باهظة لشخص يحتضر، ونسبة نجاته قد لا تتعدى الصفر؟

وحتى القلة الذين حالفهم الحظ الخبيث وخرجوا أحياء من تلك المحرقة البيولوجية، لم تكن دروب حياتهم مفروشة بالورود. إذ إن المجتمع البشري، بطبيعته الخائفة، لم يكن مستعداً نفسياً أو ثقافياً لقبول هؤلاء "المتحورين" بينهم.

كان الخوف والتوجس في قلوب عامة الناس أضخم بكثير من أي مشاعر تعاطف، وخصوصاً مع انتشار رقعة الفساد الشامل، وصعود نجم العصابات المنظمة وشبكات السوق السوداء الدولية التي رأت في أصحاب الطفرات المستقرين دجاجة تبيض ذهباً، فاستغلتهم في أعمال العنف، والتهريب، والحروب غير القانونية.

خمسة أعوام كاملة ومريرة مرت على كوكب الأرض وهو يتخبط في هذه الفوضى العارمة والدموية، خمسة أعوام من انهيار الأنظمة الأمنية والاقتصادية... حتى ظهرت هي من ركام هذا العالم المتهالك.

لايدي ماسك (Lady Maske).

لم يكن أحد على وجه البسيطة يعرف اسمها الحقيقي. ولم يكن أحد، حتى من أقرب المقربين إليها في الدوائر السياسية، يعرف شكل وجهها أو ملامحها أصلا، إذ كانت تتحرك كظل مغطى بالقناع دائمًا.

كل ما عرفه عامة الناس عنها في تلك الفترة، أنها برزت فجأة كقوة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها في المشهد العام، وبدأت تخوض بمفردها سلسلة لقاءات واجتماعات متكررة ومغلقة مع قادة حكومة العالم. كانت اجتماعات ماراثونية، طويلة، مشحونة بالتوتر، ومليئة بالخلافات الحادة والتهديدات المتبادلة خلف الكواليس.

استمرت هذه المفاوضات الشرسة أشهراً طويلة والجميع يحبس أنفاسه، ثم جاء الإعلان التاريخي الكبير الذي أعاد تشكيل الخارطة السياسية والاجتماعية للعالم بأسره؛ إذ تم الإعلان رسمياً عن تأسيس منظمة جديدة تحت مسمى: "اتحاد شؤون وتكوين الطفرات"، أو ما صار يُعرف بين ألسنة البشر ببساطة واختصار شديدين: "النقابة".

بموجب هذا الاتفاق التاريخي والمعقد، عادت حكومة العالم إلى التدخل في شؤون وأرواح أصحاب الطفرات، ولكن هذه المرة تحت عباءة قانونية وبطريقة غير مباشرة؛ إذ أصبحت "النقابة" هي الوسيط الرسمي والوحيد على كوكب الأرض.

هي الجهة السيادية التي تشرف على غرف الطوارئ، وهي التي تحتكر الحالات الطبية، وهي التي تتحمل بالكامل التكاليف المالية الخيالية لعلاج المصابين وإنقاذهم، وتتولى قانونياً تنظيم ومتابعة حياة هؤلاء الناجين بعد استقرار حالتهم الجينية.

لكن... في عالم البشر، لا يوجد شيء مجاني، ولا أحد يمنح الحياة دون مقابل.

كل شخص مصاب تتدخل النقابة لإنقاذه من براثن الموت أثناء تحول طفرته، يستيقظ ليجد نفسه مديناً رسمياً للنقابة بكل سنت ودولار أُنفِق على سريره وأدويته.

ويتم سداد هذا الدين الإجباري بطريقة واحدة لا بديل عنها: السخرة والعمل العملياتي. يصبح الفرد عبداً قانونياً يعمل لدى الحكومة أو لدى النقابة نفسها كأداة تنفيذية، تِبعاً لطبيعة وقوة وحجم الطفرة التي بات يمتلكها في جسده، ولفترات زمنية طويلة وشاقة يتم حسابها بدقة رياضية وفقاً لحجم التكاليف التي صُرِفت لعلاجه وضمان استقراره.

بعضهم وجد نفسه مجبراً على العمل لسنوات، وبعضهم الآخر... طفراتهم كانت قوية لدرجة أن ديون علاجها جعلتهم يعملون لصالح النقابة لعقود، أو لما تبقى من أعمارهم.

وخلال خمسة عشر عاماً من الهيمنة المطلقة للنقابة، تبدلت ملامح العالم بشكل جذري لا عودة عنه.

في البداية، وتحديداً عند نشوء الاتحاد، لم يكن أصحاب الطفرات يشكلون سوى نسبة ضئيلة لا تتعدى الخمسة بالمئة من التعداد السكاني الكلي. لكن الأرقام البيولوجية صعدت كمنحنى انتحاري؛ خمسة بالمئة... ثم قفزت إلى عشرة... ثم تمددت لتصل إلى عشرين... حتى استقرت النسبة المرعبة في إحصاءات اليوم عند سبعة وثلاثين فاصلة ثمانية بالمئة من سكان الأرض. والعداد البشري لا يزال يتصاعد بضراوة في كل دقيقة.

تشير أحدث الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث المستقلة إلى أن معدل ظهور واستيقاظ الطفرات في الجسد البشري يرتفع عاماً بعد عام بنسق هندسي مرعب، وكأن البشرية بأسرها تُدفع دفعاً مجبراً لدخول مرحلة تطورية جديدة ومجهولة لم يستطع أي عالم فهم كنهها أو غايتها بعد.

وكلما عُقِدت الندوات لمناقشة هذا الازدياد الوراثي المخيف، كان هناك اسم واحد يتردد صداه خلف الأروقة السياسية كشبح لا يمكن الفكاك منه: "العائد"، وهجومه الإرهابي البيولوجي الغامض القديم. ذلك الهجوم الذي لا يزال العالم يتجادل حول حقيقته؛ هل هو واقع تاريخي أم مجرد أسطورة مصطنعة؟ هل "العائد" إنسان من لحم ودم وموجود بالفعل في مكان ما من هذا العالم، أم أنه مجرد قصة قديمة لشخصية مجهولة اختلقتها الأنظمة في فترة التكتم والنفاق الحكومي لتبرير تلاعبها بالمعلومات ومصائر الشعوب؟

ولكن، وبعيداً عن الجدل الفلسفي والسياسي، كانت هناك حقيقة مادية واحدة وصارمة تفرض نفسها على أرض الواقع: هذه الزيادة البشرية الهائلة واليومية في أعداد المتحورين وضعت ضغطاً لوجستياً وعسكرياً غير مسبوق على كاهل النقابة وعلى ميزانيات حكومة العالم معاً.

ولهذا السبب بالذات، اتخذت القيادة العليا للنقابة قرار التوسع الشامل، وبدأت في إنشاء فروع جديدة، محصنة ومجهزة في مختلف أنحاء العالم ومختلف المدن.

واليوم... حان الدور على مدينتنا الجميلة لتستضيف أحد هذه الفروع الإقليمية الضخمة، وتنضم رسمياً تحت جناح النقابة الحديدي، وتكون بذلك ثاني مدينة في دولتنا تنال هذا الشرف العظيم، وتصبح وجـ...

قطع حبل الجملة التلفزيونية صوت المذيع وهو يتحرك برشاقة مهنية، قائلاً:

— "والآن ننتقل بالصوت والصورة إلى زميلنا المراسل المتواجد مباشرة في موقع الحدث، حيث تتم على قدم وساق أعمال بناء وتشييد فرع النقابة الجديد..."

كان كل هذا الضجيج الإعلامي والتحليل السياسي مجرد كلام منساب من لسان مراسل غارق في النفاق عبر شاشة التلفاز. شاشة كان يتابعها الفتى "أدولف" بعينين ذابلتين، خضراوين كأوراق شجر أصابها الجفاف، وهو مستلقٍ بجسد واهن وضامر في سرير أبيض يتوسط غرفة مستشفى باردة ومعقمة. كان مدعوماً بشبكة معقدة من أنابيب آلات دعم الحياة، ومحاطاً برنين الأجهزة التي تقيس نبضه بانتظام رتيب وممل.

كانت الشاشة مثبتة في ركن علوي مرتفع من جدار غرفته، تسكب ضوءها الافتراضي على وجهه الشاحب.

مرت بالفعل ثلاثة أشهر كاملة وهو على هذه الحال البائسة. وعيه وإدراكه لم يكن سويّاً أو حاداً قط، بل كان غارقاً في ضباب كثيف وثقيل بسبب الكميات الهائلة من المسكنات المخدرة والمواد الكيميائية التي تتدفق بانتظام في أوردته عبر المحاليل.

كان حبيساً هنا، معزولاً عن العالم الخارجي، بينما يكتفي بمراقبة مدينته وهي تتغير وتنسلخ من جلدها القديم عبر نافذة زجاجية وشاشة تلفاز صغيرة.

"جانغل سيتي" (Jungle City).

مدينته ومسقط رأسه التي يعلم كل تفاصيلها. كانت في ماضيه دائماً مدينة هادئة، لا تعرف الازدحام الخانق إلا في فترات الصيف القصيرة وأوقات الذروة المعتادة.

لكن الازدحام والتدفق الذي يراه الآن على الشاشة وفي التقارير كان شيئاً مغايراً تماماً، شيئاً يبعث على التوجس. الطرقات باتت ممتلئة بأسراب لا تنتهي من السيارات الفارهة والعسكرية، الأرصفة تعج بمارة بملامح حذرة ووجوه غريبة، والأبنية الحديثة ذات الطابع الخرساني المسلح والواجهات الزجاجية الداكنة ارتفعت فجأة في أماكن وأحياء لم يكن فيها قبل عام واحد سوى منازل قديمة متهالكة وأشجار عتيقة.

كل هذا الزخم، وهذا التحول الرهيب... ونحن ما زلنا في بدايات فصل الربيع، حيث الهواء يحمل بقايا برودة الشتاء.

أعاد أدولف تركيزه البسيط والمجهد نحو الشاشة المشتعلة بالبث المباشر.

ظهر المراسل التلفزيوني واقفاً بملابس ميدانية أمام موقع بناء شاسع كأنه ثكنة عسكرية، تحيط به من كل جانب حواجز معدنية شاهقة الارتفاع، تعلوها أسلاك شائكة وكاميرات مراقبة تتحرك بزوايا حادة.

تلمس المراسل سماعة أذنه، وقال بصوت واضح النبرات يحاول مغالبة ضجيج الآلات في الخلفية:

— "أنا أقف الآن مباشرة أمام البوابة الرئيسية لموقع بناء فرع النقابة الجديد، وكما تلاحظون من خلفي، فإن الدخول أو الاقتراب من هذه المنطقة غير ممكن بتاتاً للمدنيين أو وسائل الإعلام، وذلك بسبب إجراءات السلامة والأمن الصارمة الفائقة التي فرضتها القيادة. لكنني، ولحسن الحظ، أقف هنا الآن في لقاء حصري مع المسؤول الأول عن إدارة السلامة والأمن الشامل في هذا الموقع... السيد جوستاف روك."

تحركت عدسة الكاميرا ببطء لتنقل الكادر إلى الرجل الواقف بجانب المراسل، وهنا استقرت الصورة على هيئة فرضت هيبتها وصمتها على المشهد.

كان رجلاً أسمر البشرة، متوسط القامة في طوله... لكن بنيته الجسدية كانت ملفتة للنظر وضخمة إلى درجة تثير القشعريرة والرهبة في نفس من ينظر إليه. عضلات كتفيه وصدره كانت متكتلة ومبنية بقسوة، لدرجة أن الزي الرسمي الأسود القاتم الذي يرتديه بدا مشدوداً على آخره، وكأنه على وشك التمزق عند خطوط الخياطة المحيطة بالترقوة والصدر مع كل نفس يأخذه.

كان الزي يشبه إلى حد التطابق ملابس القوات الخاصة العسكرية أو مكافحة الإرهاب، وعلى الجانب الأيسر من صدره العريض، كان يبرز شعار اتحاد (UMAF) بفضيّه اللامع وخطوطه الصارمة.

كان شعره أبيض بالكامل، ناصعاً بياضه كالثلج، على الرغم من أن ملامح وجهه وتجاعيد بشرته لم تكن توحي برجل عجوز أو شيخ شارف على الهرم، بل كانت ملامح مقاتل في ذروة نضوجه العسكري. وعلى امتداد وجنتيه وفكه السفلي، كانت هناك عدة ندوب قديمة وعميقة، خطوط بيضاء حفرتها شفرات أو شظايا معارك سابقة لم تُمحَ، بل تركت قصتها مكتوبة على جلده.

مد المذيع يده التي تحمل المذياع نحو الرجل بابتسامة مهنية مصطنعة، وقال بنبرة ترحيبية:

— "مرحباً بك معنا سيد جوستاف في هذا البث المباشر، ونشكرك جزيلاً على منحنا جزءاً من وقتك الثمين رغم انشغالك بمهام الإشراف."

أومأ جوستاف برأسه إيماءة خفيفة تكاد لا تُرى، ولم تتغير ملامحه الصارمة وهو يرد بصوت هادئ، عميق، وثابت كالصخر:

— "مرحباً."

تحمحم المذيع ليصيغ سؤاله الأول بذكاء:

— "دعنا نبدأ، سيد جوستاف، بالسؤال الذي يشغل بال الشارع وجماهير المواطنين هنا في جانغل سيتي حالياً. كيف تسير أعمال تشييد هذا الصرح الكبير؟ وهل تسير الخطة الزمنية لبناء فرع النقابة وفق ما هو مرسوم لها؟"

أجاب جوستاف بلا تردد، وعيناه الحادتان مثبتتان نحو الأفق خلف الكاميرا:

— "الأعمال الهندسية والإنشائية تسير بسلاسة تامة وبكفاءة مطلقة. لم نواجه أي عقبات أو مشاكل أمنية أو تقنية حتى هذه اللحظة، وأنا من موقعي هذا، لا أتوقع أن نواجه أي شيء يعطلنا مستقبلاً."

ثم توقف عن الحديث لبرهة قصيرة، وضيق عينيه قليلاً قبل أن يضيف بنبرة هادئة، لكنها حاسمة وقاطعة كشفرة مقصلة:

— "طالما أنني متواجد هنا في هذا الموقع... فلن تحدث أي مشاكل."

رفع المراسل حاجبيه قليلاً، وبدت علامات المفاجأة والاهتمام على وجهه، وكأن هذه الجملة الأخيرة المليئة بالثقة المفرطة قد أثارت فضوله الصحفي ليدق خلف أبوابها. قال مبتسماً بابتسامة تحفيزية:

— "يبدو أنك تصدر عن ثقة مطلقة وجدار أمني صلب جداً، سيد جوستاف. عندما تفضلت بالقول إن المشاكل لن تجد طريقاً إلى هنا طالما أنك تشرف على الموقع... هل كنت تقصد بذلك المشاكل الفنية والهندسية المتعلقة بالبناء والعمال؟ أم أنك تشير تلميحاً إلى نوع آخر، ربما أشد خطورة، من المشاكل الخارجية؟"

في تلك اللحظة، تغيرت تعابير وجه جوستاف بشكل طفيف لكنه ملحوظ. لم يعد وجهه محايداً أو هادئاً كما كان قبل ثوانٍ؛ إذ ازداد عبوس جبهته، وتصلبت ملامحه السمراء لتصبح أكثر صرامة وحدة، وكأن السؤال قد لمس وتراً حساساً في طبيعة عمله.

نظر مباشرة إلى المذيع، وقال ببطء شديد يمنح كل كلمة وزنها:

— "إن النقابة... وعلى الرغم من كل الخدمات الجليلة والرعاية الطبية الإنسانية التي قدمتها للبشرية طوال الأعوام الماضية... إلا أنها تمتلك في المقابل عدداً لا بأس به من الأعداء المتربصين في الظلام."

توقف لثوانٍ معدودة يجمع أنفاسه، ثم تابع مسترسلاً:

— "هناك فئات في هذا المجتمع تعتقد واهمة أننا نستغل أصحاب الطفرات الجينية المستقرة لنحصل منهم على عمالة رخيصة وسخرة مقننة تحت مسمى ديون العلاج. وهناك فئات أخرى تكره هؤلاء المتحورين ببساطة مطلقة مدفوعة بأسباب عنصرية ونظريات تفوق بشري عقيمة. وهناك أيضاً الأشد خطراً؛ العصابات المنظمة والمنظمات الإجرامية الدولية التي يعتمد اقتصادها السري بالكامل على خطف أصحاب الطفرات وتجنيدهم في أعمالها القذرة. والنقابة، بطبيعة الحال، تشكل العائق الأكبر والوحيد أمام طموحات تلك العصابات، ونحن في حرب ضروس ومفتوحة ضدهم منذ اللحظة الأولى التي أُسس فيها هذا الاتحاد."

صمت جوستاف لثانية واحدة، بدت دهرًا على الشاشة، قبل أن يضيف:

— "الجميع يعلم، بلا استثناء، أن النقابة تخوض حرب إبادة مفتوحة ضد تلك المنظمات الإجرامية في كل بقعة من أرجاء الكوكب."

أومأ المذيع برأسه بملامح يكسوها الجد والاهتمام، تعبيراً عن تماشيه مع خطورة التصريح. فأكمل جوستاف ببرود ثلجي:

— "وبما أن حكومة العالم قد اتخذت خياراً استراتيجياً بعدم التدخل المباشر في الشؤون اليومية والأمنية لأصحاب الطفرات، تاركة هذه المسؤولية بالكامل على عاتقنا، فإن النقابة هي الجهة الوحيدة المخولة والمسؤولة عن التعامل مع هذه التهديدات وسحقها. بناءً على ذلك، من الطبيعي جداً والمتوقع أن تحاول بعض الأيدي المخربة والعناصر التابعة لتلك العصابات إفساد عملية البناء هنا، أو زعزعة الاستقرار في جانغل سيتي."

ثم أردف وعيناه تلمعان ببريق بارد:

— "ومهمتي الأساسية التي جئت لأجلها ببساطة... هي إيقافهم عند حدهم."

ابتسم المراسل بإعجاب حقيقي صبغ نبرة صوته وهو يقول:

— "يبدو إذن أنك تأخذ مسؤولياتك وعملك هنا بجدية بالغة وصرامة واضحة، سيد جوستاف."

رد جوستاف بجفاف وثبات:

— "بالطبع أفعله. فخطأ أمني واحد هنا، أو تهاون لثانية واحدة في فرض السيطرة، لن يكلف النقابة فقط خسارة ملايين الدولارات وضياع جهود البناء، أو حتى إزهاق أرواح بعض العاملين الأبرياء في الموقع... بل سيكلفنا أيضاً شيئاً لا يمكن تعويضه بأي ثمن... سيكلفنا خسارة ثقتها."

كان تعبيره الأخير، والطريقة السفليّة المخيفة التي نطق بها كلمة "ثقتها"، كفيلين ببث الرهبة في مفاصل المذيع؛ إذ فهم الصحفي بذكائه وغريزته أنه قد وصل إلى خط أحمر يتعلق بالقيادة العليا للنقابة ولايدي ماسك نفسها، وأنه ربما من الخطر والمجازفة التمادي في السؤال عن هوية أو طبيعة هذا التعبير. لذلك، آثر السلامة وقرر تغيير مجرى الحوار وسياق الأسئلة فوراً.

قال المذيع بعد لحظة ارتباك قصيرة حاول إخفاءها:

— "ولكن... وجود شخص بوزنك وثقلك العسكري هنا في هذه المدينة يثير الكثير من علامات الفضول والتساؤل في الأوساط الصحفية، بصراحة تامة. فمن المعروف والشائع في السجلات الأمنية أنك لست مجرد مسؤول أمن عادي أو مشرف حراسة إقليمي، بل إنك وصلت إلى جانغل سيتي مصحوباً بكتيبة ضخمة وعدد غير مسبوق من أصحاب الطفرات العسكرية المدربين على أعلى مستوى عملياتي. هل هذا الإجراء الاستثنائي والمكثف يحدث في كل مرة يتم فيها الشروع في بناء فرع جديد للنقابة في بقية المدن؟ ألا يسبب هذا الحشد العسكري إرهاقاً كبيراً لموارد المنظمة اللوجستية والبشرية؟"

ساد صمت قصير وثقيل بين الرجلين، وبدت ملامح جوستاف وكأنه يزن كل حرف ويختار كلماته بعناية فائقة قبل إطلاقها في الهواء. ثم نبس أخيرًا بكلمة واحدة قاطعة:

— "لا."

نظر جوستاف في تلك اللحظة مباشرة نحو عدسة الكاميرا، كأنه يوجه حديثه لجهات محددة تراقبه خلف الشاشات، وتابع قائلاً:

— "هذه حالة خاصة جداً."

وأضاف موضحاً:

— "في الحالات الاعتيادية وبناء الفروع التقليدية، لا يتم إرسال هذا العدد الضخم من القوات الخاصة... ولا يتم تكليفي أنا شخصياً بالإشراف الميداني على عملية البناء."

سأله المذيع وقد بلغت حالة الفضول لديه ذروتها:

— "ولماذا هذه المرة إذن؟ ما الذي يوجب هذا الاستثناء هنا؟"

لكن جوستاف قطعه بحدة وصوت جهوري قبل أن يتمكن الصحفي من إكمال صياغة سؤاله، مستطرداً:

— "أنا قائد وحدة العمليات الخاصة والتدخل السريع في النقابة. ومهمتي الأساسية والثابتة هي التعامل الصارم مع الهجمات الكبرى والكمائن الإرهابية التي يشنها أصحاب الطفرات الخارجون عن القانون، أو المنظمات السرية التي تستخدمهم كأدوات تدميرية."

ثم أكمل بنبرة صوت خلت من أي عاطفة وزادت جديتها:

— "بمعنى آخر وأكثر وضوحاً لجمهورك... يتم استدعائي أنا ورجالي فقط عندما تصبح الأمور خطرة إلى حد لا يمكن للوسائل التقليدية احتواؤه."

ابتلع المراسل ريقه بصعوبة، وظهر التوتر على حركة كتفيه وهو يسأل بهمس تقريباً:

— "وهل... وهل يعني ذلك، سيد جوستاف، أن هناك خطراً حقيقياً ومحدقاً يهدد مدينتنا جانغل سيتي حالياً؟"

أجاب جوستاف بملامح جامدة:

— "ليست هناك معلومات استخباراتية مؤكدة أو تقارير نهائية تفيد بوجود تهديد مباشر..."

توقف للحظة، وحول نظره نحو الأسوار المعدنية، ثم أردف:

— "لكن... هناك شائعات."

اقترب المراسل منه خطوة إضافية، موجهاً المذياع بكامل تركيزه، وسأله بلهفة:

— "أي نوع من الشائعات تقصد تحديداً؟"

قال جوستاف بنبرة سياسية حذرة:

— "النقابة، ولأسباب استراتيجية خاصة بالقيادة العليا، بدأت في الآونة الأخيرة ببناء وتأسيس العديد من الفروع والمراكز الأمنية في مختلف المدن والمحافظات الإقليمية التي لا تصنف كمدن كبرى أو عواصم اقتصادية، تماماً مثل هذه المدينة. هذا التوسع الجغرافي المفاجئ والسريع بدأ يثير قلق وتوجس العديد من الجهات السياسية والسيادية، وهذا تحديداً ما زاد من حدة العداء والتحريض ضد النقابة من قِبل أطراف عدة. لذلك، يدور حالياً نقاش حاد ومحتدم في أروقة مراكز القرار حول إمكانية تحويل وحدات التدخل الخاصة والكتائب التابعة للنقابة إلى جيش نظامي متكامل ومستقل بذاته. لكن هذه الفكرة، وحتى هذه اللحظة، تواجه رفضاً قاطعاً ومعارضة شرسة من حكومة العالم، بسبب مخاوفها المتزايدة من أن النقابة تحاول عبر هذه الخطوة الانفصال التام والاستقلال التام عن سلطة الحكومة المركزية."

ساد صمت قصير ومفاجئ في أثير البث، كأن الكلمات أحدثت هزة سياسية في عقل المراسل. قال المذيع بنبرة خفيضة:

— "وهل... وهل هذا صحيح؟ هل تسعى النقابة فعلياً للاستقلال وتشكيل جيشها الخاص؟"

هز جوستاف كتفيه العريضين بحركة خفيفة نمت عن عدم مبالاة عسكرية واضحة، وقال ببرود:

— "لا أعلم... ولا يهمني ذلك في شيء."

ثم أضاف بملامح حادة:

— "لكن الشائعات، بطبيعتها، تجذب المشاكل والمخربين كالعواصف... وعملي وواجبي الوحيد هو التعامل مع تلك المشاكل وسحقها قبل أن تولد."

رفع نظره وعينيه الذكيتين نحو هيكل البناء الخرساني الضخم الذي يرتفع خلفه كقلعة حربية، وأكمل:

— "ولهذا السبب، وتفادياً لأي مفاجآت غير محسوبة، قرر المسؤولون في القيادة العليا إرسال عدد من القوات أكبر بكثير من المعتاد... وجعلي أنا شخصياً المسؤول المباشر عن إدارة الأمن الشامل للعملية في جانغل سيتي."

أومأ المذيع برأسه علامة الفهم والاستيعاب التام لخطورة الموقف، واستمرت المقابلة الصحفية في عرض تفاصيل أخرى وتحليلات على شاشة التلفاز.

لكن أدولف لم يعد يملك الطاقة أو الرغبة في إكمال المشاهدة، ولم يعد عقله الغارق في خدر الأدوية قادراً على استيعاب تلك الصراعات السياسية البعيدة عن سريره.

رفع يده الشاحبة والواهنة بهدوء شديد... ثم تركها تسقط بثقلها على السرير.

أغلق عينيه الخضراوين لتنزلق روحه المتعبة في غياهب نوم عميق وضبابي مجدداً.

2026/07/07 · 9 مشاهدة · 3734 كلمة
KOD
نادي الروايات - 2026