الفصل الأول/ مملكة الشمس

في الأجواء الباردة التي تروس المكان، كان هناك شاب يدعى كوند بشعر ابيضّ فوضوي وعيون باردة، مرتديا معطف من جلد اسود مفتوح من الأمام، وتحته ثوب رمادي بسيط.

يسير على جسر خشبي معلق ما بين ارضين وتحته محيط يضرب بكل قوته الأراضي.

وصل إلى الجهة الأخرى، وكان أمام عينيه منظر جدار عملاق يشق طوله الفارع السماء. تقدم بضع خطوات وسقط كوند على ركبتيه، ونادى بصوت عال:

"اريد الماء."

ولكن لم يسمع اي اجابة، فقط صوته الذي ارتد نحوه، وكأنه يجيبه… نهض على قدميه وهو يمسك رقبته مع ابتسامة جميلة تعلوا وجهه.

"اشعر بالعطش، لقد كانت رحلة مكلفة للوصول إلى مملكة الشمس."

"مملكة الشمس، ولكن خيوط الشمس لا تلوحها…" تحدث بنبرة ساخرة وهو يحك ذقنه.

اقترب من جدار العملاق، لمسه بيده وبدا يتحسس الجدار، وهو يحرك يده توقفت عند حجر بازغ بطريقة غريبة.

توهج الحجر، وكان على وشك إطلاق موجة قوية… لاحظ كوند الموجة التي سوف تأتي نحوه، ومال راسه نحو اليمين.

من قوة الإشعاع دمر الجسر الخشبي الذي كان هو الشيء المتصل ما بين الأراضي المكسورة.

"يبدو أن على مسافرين ايجاد رحلة أخرى."

واعاد النظر نحو الحجر المتوهج، وبدا يخرج وميض غريب حتى انطفئ، وتحولت هذه الصخرة الصغيرة إلى باب خشبي بطريقة سحرية او انه مجرد تلاعب بالعين.

"باب سحري، جميل."

وهو يريد إمساك مقبض الباب، احس بوجود شيء خلفه. رفع يده وسحب سيفه من ظهرة، ولوح به، ولكن لم يكن هناك اي احد خلفه.

'هل أنا أتخيل؟ لقد كنت استشعر شخص خلفي.'

وهو ينظر من حوله، سمع صوت انفاس تتنفس ببطء شديد وكانّها تترجى الهواء، وكلمات تخرج بطريقة متعبة وكانّها تتوسل للسان أن يتحرك.

"كلا، لم تكن تتخيل أيها الفتى."

نظر على جانبه الأيمن، ووجد امراه تجلس على صخرة محطمة تطفو فوق الأرض. كانت تجلس بالقرب من بوابة، والحافة التي تودي إلى اعماق المحيط، وكانّها تتحدى المنطق.

تضع قماش ابيضّ على رأسها ويغطي جميع ملامحها، مع فستان اسود يتحرك فيه اللون قرمزي يظهر معظم اجزاء جسدها وصدرها.

'لم ألاحظ وجود احد عند عبوري للجسر.'

"انت لم تلاحظ وجودي؛ ولكني لاحظت وجودك."

صُدم كوند من نبرتها الباردة، والشيء المبهر الأكثر والمخيف هل تستطيع قراءة ما يفكر به…

"يبدو أنني أمام شخص يستطيع قراءة ما في العقول، ياللعجب."

"ما انت قاصد أيها الفتى: القوة، الثروة، او اعادة اجزاء خاتم الاركين المبعثرة ما بين الأراضي المكسورة حتى تتشافى من لعنتك الدائمة."

أخذ ينظر نحوها وهو مرتعب، ولكن كان يحلل الإجابة التي تدور في ذهنه، وتعمق في سوالها. او انه لم يكن سؤالاً بل شيء أقرب إلى تحديد المصير.

مسح رقبته بيده اليسرى، حتى ابتعدت وظهرت علامة قرمزية ناصعة، يتمدد بها خيط مستقيم ويقطعها خط آخر مائل من يسار، وخط آخر يبان انه مغروس داخل الجلد من اليمين.

'لم يكن دم وسيلة، ولكن اصبح غاية…'

تحدث بنبرة هادئه، وهو يمسك سيفه بقوة…

"لم اكن خائفا من الدم، ولكن إلان كل قطرة تسيل مني هي عداد ينقص مني الشعور بالحياة. لذا أنا خائف."

"خائف من الموت؟ او عدم تحرير ما بين الأرضي المكسورة من الكوابيس وارجاع قطّع الخاتم الاركين." كانت تسأله، وكانّها تعرف الإجابة.

"كلا، لست شخص مثالي او البطل الخارق الذي يساعد الناس."

توقف عن كلام ونظر نحو المحيط وهو يضرب المملكة وكانّه يحاول تدميرها. ومن ثم تابع كلامه:

"أنا لست من هذه الأراضي اساساً، اتيت عندما سمعت أن من يستطيع إرجاع قطّع خاتم الاركين سوف يشفى من لعنته. ولهذا السبب أنا هنا، من اجل مصلحتي."

صدرت ضحكة خفيفة من الامراه الغامضة، ووقفت وهي تطفو في الهواء وتنظر نحو نهاية المحيط وهو تراه يتشاجر مع الغيوم وكأنهما يتغازلان بطريقة غير معتادة.

"رحلتك لم تبدّا بعد… الكثير من الأمور سوف تحدث، ومن خلالها سوف تغير قرارتك، ولكن لدي سؤال واحد."

"سؤال…" وضع يده فوق الأخرى.

"او، اكتشف ذلك بنفسك…"

وعندما قالت آخر جملة، سقطت من الحافة نحو اعماق المحيط، ركض كوند نحوها وهو متفاجئ، ولكن الصدمة انه لا يوجد اثر للسقوط او حتى سماع مياه المحيط.

"يالها من امراه غامضة…"

ذهب كوند نحو بوابة مرة أخرى وكان متردد بعض الشيء، لان دخول ما بين الأراضي المكسورة هو بمثابة الموت بطيء، ولا مجال للرجوع فيه.

"أصبحت اكثر ترددًا بسبب تلك الغامضة، ولكن هل قطعت هذه المسافة حتى أفكر هل ادخل ام لا؟!"

لم يفتح الباب بيديه، بل ركله بكل قوة حتى تكسر إلى قطع صغيرة وهو يصطدم بعمود خشبي امامه.

"خاتم الاركين… يالها من رحلة شاقة."

دخل بخطوات ثابته، وعبر نحو الجهة الأخرى… وعندها البوابة الصغيرة التي كانت خلفها أصبحت غير موجودة. نظر كوند خلفه، مع ابتسامة ساخرة:

"من أخبرك أنني سوف ارجع…"

أعاد كوند نظرة نحو الأمام، ووجد مملكة الشمس في حالة من الخراب المبعثر والغريب، المكان كان أقرب إلى العمارة البشعة.

كانت المدينة ذات طابع قوطي قديم ومتهالك. الشوارع رطبة، ورائحة تثير الاشمئزاز في كل مكان، والمرعب اكثر من هذا، هو وجود أعمدة عملاقة وفوقها بنايات أخرى تشق السماء من طولها السريالي الغريب.

"هل هذه مملكة الشمس حقا؟ لا حياة، لا ضوء، والمكان أقرب إلى مملكة خرجت من اعماق الكوابيس."

وضع كوند أصابعه على خشمه وهو يسير في شوارع المدينة، التي تكاد تخلو من الحياة، جثث منتشرة في الشوارع، والأحصنة مقطعة وميته.

"وكانّ طاعون غريب اصاب المدينة؛ ولكن بعيدا عن الغموض كله الذي يزين المدينة…"

نظر كوند إلى الأعلى، ووجدها سماء مظلم او أقرب إلى فراغ وكانّه لا يوجد أي شيء. والمرعب ان المطر يهطل بدون غيوم.

"وكأنني في بُعد ثاني، يا إلهي."

وهو يكمل مسيرته وصل عند بوابة تؤدي نحو الجهة الأخرى… ليست خشبيه وانما مصنوعة من المعدن الميت، وتحوم حوله نشاط سحري غريب.

"علي ايجاد طريقة لفتحه."

وهو يبتعد عن البوابة، وجد هيكل عظمي يرتدي ملابس مشقوقة وقذرة يحمل لافته خشبيه مكتوب عليها بخط دموي:

[لا يفتح، إلا بالمفتاح.]

وضع كوند يده على راسه، وهو مصدوم…

"ياللهول لم أتوقع أن هذا باب يحتاج إلى مفتاح ليفتح… يبدو ان احدهم يحاول ان يصبح كوميديا هنا."

وعندما انتهى من جملته سمع صوت أتى من الجهة اليمنى، ليس صراخ وانما ضحكات بسعادة مفرطة وغريبة.

"هل بدأت اهلوس ام أنني اسمع ضحكات؟"

لم يقف كوند مكانه، حرك قدميه وانطلق نحو مصدر الصوت… وهو يسير بخطوات ثابته توقف للحظة، وهو ينظر لمجموعة تحمل سيوف ويرتدون درع حديدي مكسور ودماء تسيل منه، وكان ويقومون بحرق جثة مصلوبة بشكل عكسي.

وعلى جانب الآخر توجد حانة مدمرة، بالكاد واقفه على أعمدتها الرطبة، يصدر منها صوت الضحكات…

"جنود يحرقون جثة، وصوت ضحكات تخرج من تلك حانة… المعنى الحقيقي للشيء العبثي."

تحدث كوند، وهو يسحب سيفه ببطء…

وهو يريد الابتعاد عنهم ركل عن طريق الخطا حصى، مما ادى إلى أثارت الفضول لبعض الجنود للنظر خلفهم.

كانوا يرتدون أقنعة حديديه تحجب وجوههم… امسكوا سيوفهم بقوة، وبعض منهم حمل القوس والسهم.

"أنا آسف على تخريب اجواء حفلتكم، أكملوا ما بداتم به."

ذهب كوند نحو الحانه، وهو لا يعتري أي أهمية نحو الفرسان الذين كانوا يقفون أمامه قبل قليل. وبعد ان أكمل ثلاث خطوات وضع نصل السيف على رقبته.

توقف عن الحركة، وإزاحة عينيه نحو الفارس، الذي كان يصدر صوت اشبه إلى الشخص الغارق.

"جسدك انه متشبع بالضوء…" تحدث الجندي بصوت خانق.

"ومفتقر للدم، جميعنا نبحث عن الشيء الذي ينقصنا."

لوح الجندي بسيفه على رقبته، ولكن تراجع كوند للخلف وهو يسحب سيف من غمده. نظر من حوله ووجد مجموعة من الفرسان الذين يحيطون به على شكل دائرة سداسية.

"يبدو أنكم لن تجعلوني امر بسلام."

صدر ضوء متوهج من الرسمه التي على رقبته، وبدا الدم يسيل ويخرج حرارة مزعجة.

'ياله من تعطش للدماء… الشيء المستفز عندما اكون مجبرا للقتل.' تمتم مع نفسه.

حرك كوند سيفه عليهم جميعا مع ابتسامة ساخرة تعلوا وجهه…

"الحفلة على وشك البدء، لذا حاولوا الرقص لإبهار الحضور."

2026/03/26 · 5 مشاهدة · 1190 كلمة
Heolstor
نادي الروايات - 2026