1 - الليلة التي بدء فيها كلشيء

كان المساء هادئًا على غير العادة.

تساقط المطر بخفة على نوافذ المنزل، بينما جلس إيكو على الأريكة يتصفح هاتفه بصمت. بالقرب منه كانت مينا تلعب بدميتها الصغيرة ، تهمس لها بكلمات لا يفهمها أحد سواها.

أما رين، فلم تعد من عملها بعد.

كان هارو قد خرج إلى الملعب القريب ليلعب كرة القدم كعادته، ولم يبقَ في المنزل سوى إيكو ومينا.

رفعت مينا رأسها فجأة وسألت بصوت بريء:

"إيكو... لماذا تأخرت رين؟"

رفع عينيه عن شاشة الهاتف، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة ليطمئنها.

"ربما طلبوا منها البقاء قليلًا في العمل."

هزت رأسها، لكنها لم تبدُ مقتنعة.

مرت الدقائق ببطء... ثم أصبحت ساعة كاملة.

نظر إيكو إلى الساعة، وأخرج هاتفه واتصل برين.

رن الهاتف...

مرة...

مرتين...

لكن لم يجب أحد.

انعقد حاجباه، وشعر بشيء ثقيل يجثم فوق صدره.

في تلك اللحظة عاد هارو من الخارج وهو يحمل كرته المبتلة بالمطر.

اقترب منه إيكو بسرعة وقال بجدية لم يعتدها هارو:

"ابقَ مع مينا. لا تفتحا الباب لأي شخص مهما حدث... حتى لو سمعتما صوتي."

اتسعت عينا هارو.

"وماذا عنك؟"

ارتدى إيكو معطفه على عجل.

"سأذهب لأبحث عن رين."

ثم خرج راكضًا تحت المطر الغزير.

كانت الشوارع شبه خالية.

كان المطر يضرب وجهه بينما يركض بين الأزقة متجهًا نحو مكان عمل رين.

وفي الوقت نفسه...

مر كازو بالقرب من منزل إيكو.

ابتسم وهو يضع يديه في جيبيه.

"سأمر لألقي التحية فقط."

صعد الدرج وطرق الباب.

دق...

ثم دق مرة أخرى.

داخل المنزل تجمد هارو ومينا في مكانهما.

تذكرا كلمات إيكو.

اقترب هارو بحذر ونظر من ثقب الباب.

لم يكن إيكو...

ولا رين.

ازداد خوفه.

أمسكت مينا بذراعه وهي ترتجف.

"لا تفتح..."

واصل كازو الطرق، معتقدًا أن أحدهم لم يسمعه.

مرة...

مرتين...

ثلاث مرات...

ثم تنهد وغادر المكان.

لكن الطفلين لم يعرفا ذلك.

بقيا متشبثين ببعضهما، لا يجرؤان على الحركة، بينما كان صوت المطر يملأ المنزل.

بعد وقت طويل...

فُتح الباب أخيرًا.

دخلت رين وهي مبتلة بالكامل، تبدو مرهقة.

صرخت مينا وهي تركض نحوها.

احتضنتها بقوة وانفجرت بالبكاء.

أما هارو، فحاول أن يبدو شجاعًا، لكنه لم يستطع إخفاء ارتجاف صوته.

"إيكو خرج ليبحث عنك..."

ساد الصمت.

شحب وجه رين.

"خرج... يبحث عني؟"

هز هارو رأسه.

"ولم يعد حتى الآن."

شعرت رين بأن قلبها انقبض.

أمسكت هاتفها بسرعة واتصلت بإيكو.

الهاتف مغلق.

في تلك اللحظة...

دوى صوت رعد هائل، وانطفأت الكهرباء في المنزل كله.

ساد الظلام.

ثم...

صدر صوت طرق بطيء على الباب.

طرقة واحدة.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

نظرت رين إلى الباب، بينما تشبث بها هارو ومينا.

كان الطارق يقف بصمت...

لكن هذه المرة، لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من ثقب الباب.

يتبع...

لم تستطع رين تجاهل ذلك الشعور الذي كان يضغط على صدرها. بعد الطرقات الثلاث، اقتربت من الباب بخطوات حذرة. وضعت يدها على المقبض، ثم فتحته ببطء. لم يكن هناك أحد. فقط شارع مبلل بالمطر، ورياح باردة تعبر الممر. تلفتت يمينًا ويسارًا. لا شيء. لكن... همسٌ خافت اخترق الصمت. "احذري..." تجمدت في مكانها. ثم تبعه صوت آخر، أقرب هذه المرة. "لا... تفتحي... الباب..." اتسعت عيناها، واستدارت بسرعة، لكنها لم تجد أحدًا خلفها. أغلقت الباب بقوة، وأسندت ظهرها إليه وهي تلتقط أنفاسها. ركض هارو نحوها. "رين... ماذا حدث؟" أما مينا، فقد تشبثت بملابسها وهي ترتجف. ابتسمت رين ابتسامة متعبة رغم خوفها. "لا شيء... ربما كنت متوترة فقط." لكنها في أعماقها، لم تصدق ما قالته. في مكان آخر... فتح إيكو عينيه ببطء. كان مستلقيًا في منتصف شارع لا يعرفه. نهض وهو يمسك رأسه. "أين... أنا؟" نظر حوله. مبانٍ مرتبة. إشارات مرور. محال تجارية. كل شيء يبدو طبيعيًا... إلا أن المدينة كانت خالية تمامًا. لا أصوات محركات. لا خطوات. لا بشر. حتى الرياح كانت ساكنة. بدأ يمشي ببطء بين الشوارع. كل شيء نظيف، وكأن الناس كانوا هنا قبل لحظات فقط. لكن لم يكن هناك أحد. كان يسمع فقط... همساته المعتادة. تلك الأصوات التي رافقته منذ سنوات. همس في نفسه: "هل... أنا أتوهم من جديد؟" واصل السير، بينما بدأ شعور غريب يخبره أن هناك من يراقبه. في المنزل... مر وقت طويل. وفجأة... دق... دق... قفز الجميع من أماكنهم. اقتربت رين بحذر، ثم فتحت الباب. كان إيكو يقف أمامها. ملابسه مبتلة بالمطر. وشعره يقطر ماءً. لكن... كان صامتًا بصورة غريبة. "إيكو!" احتضنته مينا فورًا. أما هو، فاكتفى بالنظر إليها، ثم دخل المنزل دون أن ينطق بكلمة. بدّل ملابسه المبللة، ثم جلس على الأريكة محدقًا في الأرض. جلست رين أمامه. "أين كنت؟" لم يجب. كررت سؤالها. تنهد أخيرًا وقال بصوت منخفض: "كنت... في مكان لا يوجد فيه أحد." نظرت إليه باستغراب. "ماذا تقصد؟" رفع رأسه ببطء. "مدينة كاملة... لكنها فارغة." ساد الصمت. ثم تنهدت رين. "إيكو..." خفضت صوتها. "لقد توقفت عن تناول دوائك منذ أسبوعين... أليس كذلك؟" اتسعت عيناه. "أنتِ لا تصدقينني." أجابت بحزن: "أنا أخاف عليك." وقف إيكو بعصبية. "كلما أخبرتكم بما أراه... تقولون إنها هلوسات!" ارتفع صوته لأول مرة. "لكن هذه المرة... كانت حقيقية!" ساد الصمت. ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة. بقيت رين تنظر إلى الأرض. كانت تريد تصديقه... لكن عقلها كان يخبرها أن المرض عاد يطارده من جديد. وفي الخارج... داخل الزقاق المظلم المقابل للمنزل... كانت هناك عينان سوداوان تحدقان في نافذة غرفة إيكو... ثم اختفتا في الظلام.

أغلق إيكو باب غرفته بهدوء.

لم يغضب...

ولم يصرخ...

لكنه شعر بذلك الإحساس المعتاد، وكأن أحدًا انتزع منه القدرة على الكلام.

جلس أمام مكتبه، وأخرج دفترًا أسود اعتاد أن يخفيه عن الجميع.

أمسك القلم، وبدأ يرسم.

وجوه بلا ملامح...

أزقة فارغة...

وعيون تحدق به من الظلام.

لم يكن يرسم لأنه يحب الرسم...

بل لأنه لم يجد طريقة أخرى لإسكات الأصوات داخل رأسه.

...

طرق... طرق...

لم يجب.

تكرر الطرق مرة أخرى.

ثم فُتح الباب ببطء.

دخل كازو وهو يبتسم ابتسامته المعتادة.

"مساء الخير."

رفع إيكو عينيه نحوه للحظة، ثم عاد إلى دفتره.

اقترب كازو وجلس على الأرض بجانبه.

لاحظ الرسومات المبعثرة.

ولاحظ أيضًا أن يد إيكو كانت ترتجف قليلًا.

ساد الصمت.

"إيكو..."

لم يرد.

ربت كازو على كتفه برفق.

انتفض إيكو وكأنه عاد من مكان بعيد.

"أنت بخير؟"

تنهد طويلًا.

ثم قال بصوت خافت:

"لا أظن..."

نظر إلى الرسومات أمامه.

وبدأ يخبر كازو بما حدث...

عن المدينة الصامتة...

عن الشوارع الخالية...

وعن ذلك الشعور بأن أحدًا كان يراقبه.

لم يقاطعه كازو.

ظل يستمع حتى النهاية.

ثم خيم الصمت على الغرفة.

ابتسم إيكو ابتسامة باهتة وقال:

"أنت أيضًا... لم تصدقني، أليس كذلك؟"

وقبل أن يجيب كازو...

طرقت رين الباب.

دخلت وهي تحمل صينية صغيرة عليها أكواب ماء وطبقًا من التمر.

وضعتها على الطاولة بابتسامة هادئة.

"تناولا شيئًا."

كانت عادة قديمة في عائلتهم...

ورثوها عن والدتهم، وما زالت رين تحافظ عليها حتى اليوم.

خرجت من الغرفة بهدوء.

عاد الصمت.

قال كازو أخيرًا:

"لا أعرف إن كان ما رأيته حقيقيًا..."

ثم نظر مباشرة إلى إيكو.

"...لكنني أعرف أنك رأيته."

رفع إيكو رأسه.

كانت تلك أول مرة لا يشعر فيها أن أحدًا يسخر منه.

وبينما كانا يتحدثان...

انفتح الباب فجأة.

ركضت مينا إلى الداخل وهي تبتسم بحماس.

"إيكو! إيكو!"

التفت إليها.

"أريد أن أقص شعري!"

تجمد في مكانه.

نظر إلى شعرها الطويل الذهبي.

ذلك الشعر الذي كان يذكره بوالدته في كل مرة يراه.

هز رأسه بهدوء.

"لا."

عبست مينا.

"لكنني أريد أن أصبح مثل بطلة الكرتون!"

لم يجب.

وبعد لحظات...

بدأت تبكي.

نظر إليها طويلًا.

ثم أطلق زفرة خفيفة.

"حسنًا..."

نهض، وأحضر المقص.

نظر إليه كازو بقلق وقال ضاحكًا محاولًا كسر التوتر:

"انتظر... هل تعرف أصلًا كيف تقص الشعر؟"

ابتسم إيكو ابتسامة خافتة.

"قصصت أشياء كثيرة من قبل."

اختفت ابتسامة كازو.

فهم تمامًا ما يقصده.

لم يكن يتحدث عن الشعر...

وبعد دقائق قليلة...

بدأت خصلات مينا الذهبية تتساقط واحدة تلو الأخرى على الأرض.

عندما انتهى...

ركضت مينا إلى المرآة.

أضاءت عيناها.

"أعجبني!"

ضحك كازو وقال:

"تبدين جميلة."

لكن إيكو لم يشاركهما الضحك.

انحنى بصمت...

وجمع كل خصلة شعر سقطت على الأرض.

وضعها بعناية داخل كيس صغير.

ثم أخفاه في جيبه.

راقبه كازو بصمت.

في تلك اللحظة...

أدرك أن معاناة إيكو لم تكن بسبب مدينة فارغة...

ولا بسبب هلوسات...

بل كانت أعمق من ذلك بكثير...

2026/07/19 · 9 مشاهدة · 1245 كلمة
Camellia
نادي الروايات - 2026