أشرقت الشمس على أرجاء القرية، فألقت أشعتها الذهبية فوق أسطح المنازل الحجرية، بينما أخذ نسيمٌ عليل يتسلل بين الأزقة الضيقة، يحمل معه رائحة الخبز الطازج والأعشاب البرية. ولم تمضِ سوى لحظات حتى بدأت القرية تستيقظ على أصوات الحياة.

تعالت نداءات الباعة من كل جانب، واختلطت أصواتهم بحركة العربات وضحكات الأطفال.

"هيا... تعالوا! أفضل الخضروات الطازجة!"

"فاكهة قُطفت هذا الصباح!"

"تعالوا... جبنٌ طازج وحليبٌ دافئ!"

كانت السوق تعج بالناس، وكل واحدٍ منهم منشغل بما جاء من أجله، فمنهم من يساوم التجار، ومنهم من يحمل سلال الطعام، بينما كان الأطفال يركضون بين الأزقة غير آبهين بازدحام المكان.

وسط تلك الحركة، كان ريموريكا يسير إلى جانب والده وهو يتأمل السوق بعينين تملؤهما الدهشة، يتنقل ببصره بين الدكاكين والباعة، حتى توقف فجأة وكأنه تذكر شيئًا مهمًا.

رفع رأسه نحو والده وقال:

"أبي... هل أحضرت الطماطم التي أوصتك بها أمي؟"

توقف الأب في مكانه، ثم وضع يده على جبينه وقال مبتسمًا:

"همم... لقد نسيتها! ولماذا لم تذكرني قبل قليل؟"

ابتسم ريموريكا بخجل، ولم يجد ما يقوله.

تنهد الأب وهو يربت على كتف ابنه.

"حسنًا، انتظرني هنا. لن أتأخر، سأذهب لأحضرها."

أومأ ريموريكا برأسه.

"حسنًا يا أبي."

ابتعد الأب مسرعًا بين الحشود، حتى اختفى عن ناظريه.

بقي ريموريكا واقفًا في مكانه، يراقب الناس وهم يعبرون السوق في كل اتجاه. كانت أصوات الباعة لا تهدأ، ورائحة الفاكهة والخبز الطازج تملأ المكان، بينما أخذ يتأمل الوجوه المارة أمامه في فضول طفولي.

وفجأة، قطع شروده صوت فتاة.

"هيه... يا ولد، ماذا تفعل هنا؟"

التفت نحو مصدر الصوت، فرأى فتاة صغيرة في مثل عمره تقريبًا، تقف أمامه وهي تنظر إليه بنظرة حادة وجادة.

أجاب بهدوء:

"أنتظر أبي... سيأتي بعد قليل."

أومأت برأسها وقالت:

"إذن أنت تنتظر أباك."

ساد صمت قصير بينهما، قبل أن تسأله:

"ما اسمك؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

"ريموريكا."

أومأت برأسها مرة أخرى.

"همم... ريموريكا إذًا."

نظر إليها وقال:

"وما اسمكِ أنتِ؟"

عقدت ذراعيها وقالت ببرود:

"وما شأنك باسمي؟"

ابتسم وهو يهز كتفيه.

"لقد سألتِ عن اسمي فأجبتك، أليس من حقّي أن أعرف اسمكِ أيضًا؟"

أدارت وجهها قليلًا، ثم قالت وكأنها مجبرة على الإجابة:

"همم... اسمي استريا."

ردد الاسم بهدوء.

"استريا...؟"

ارتسمت الدهشة على وجهه، وكأنه يحاول تذكر شيءٍ بعيد.

قطبت حاجبيها وهي تنظر إليه.

"ماذا؟ أليس اسمي جميلًا؟"

لوّح بيديه بسرعة.

"لا، لا... إنه اسم جميل، لكنني أشعر أنني سمعته من قبل، ولا أعرف أين."

وقبل أن يكمل حديثه، سمع صوتًا مألوفًا يناديه من بين الحشود.

"هيا يا ريمو، دعنا نذهب."

التفت بسرعة، فرأى والده يقترب منه وهو يحمل كيسًا صغيرًا في يده.

ابتسم الأب وقال:

"أحضرت الطماطم... والجبن أيضًا، فقد كدت أنساهما تمامًا."

ابتسم ريموريكا واتجه نحو والده، بينما ألقت استريا عليه نظرة أخيرة قبل أن تستدير بهدوء وتختفي بين زحام السوق.

2026/07/07 · 2 مشاهدة · 426 كلمة
نادي الروايات - 2026