أخذت استريا تتابع ريموريكا بعينيها، حتى بدأ يختفي بين المارة وهو يسير إلى جانب والده. بقيت تحدق في المكان الذي غادر منه لثوانٍ، ثم استدارت وأكملت طريقها بهدوء.
لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا.
دوّت أصوات الجنود في أرجاء السوق.
"ابحثوا في كل مكان!"
"هل وجدتم الأميرة استريا؟"
تبادل الجنود النظرات، ثم جاء الجواب من أكثر من جهة.
"كلا!"
"لا أثر لها."
"استمروا في البحث."
اتسعت عينا استريا، وسرعان ما ركضت واختبأت خلف مجموعة من الصناديق الخشبية، واضعةً يدها على فمها حتى لا يُسمع صوت أنفاسها.
وبينما كانت تراقب الجنود بحذر، سمعت صوتًا هادئًا خلفها.
"ماذا سيفعلون إن وجدوكِ؟"
أجابت بعفوية طفولية، دون أن تلتفت:
"لا أعرف."
ثم تجمد جسدها فجأة.
استدارت ببطء، والخوف يملأ عينيها.
وما إن رأت الرجل حتى حاولت الفرار، لكنه أمسك بمعصمها قبل أن تخطو خطوة واحدة.
كان فارسًا طويل القامة، يرتدي درعًا فضيًا تتدلى منه عباءة داكنة، وعلى صدره شعار العائلة المالكة.
حاولت استريا الإفلات وهي تبكي.
"اتركني... أرجوك... اتركني!"
كانت تسحب يدها بكل ما تملك من قوة، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة.
ثم بدأ يسير بها عبر السوق.
وما إن رآه الناس حتى ابتعدوا عن الطريق بصمت، تاركين له ممرًا واسعًا.
تعالت الهمسات بين الحشود.
"أليست تلك ابنة الملك سكارتون آل ديسون؟"
"إنها هي بالتأكيد."
"ما الذي كانت تفعله بين عامة الناس؟"
"ربما خرجت للتنزه."
ضحك بعضهم بخفة.
لكن الفارس أدار رأسه إليهم بنظرة باردة.
وفي لحظة...
ساد الصمت.
في الجهة الأخرى، كان ريموريكا يسير إلى جانب والده، يحمل الكيس الذي اشتراه له.
وبينما كان يتلفت حوله، وقعت عيناه على استريا.
كانت تسير ورأسها منخفض، ودموعها تنساب بصمت على وجنتيها، بينما كان شعرها الطويل يتمايل مع الرياح، يغطي جزءًا من وجهها.
في تلك اللحظة...
توقف الزمن بالنسبة إليه.
أصاب رأسه ألمٌ حاد، حتى كاد يفقد توازنه.
ظهرت أمام عينيه صورة مشوشة، أشخاص لا يعرفهم... ومكان لم يره من قبل... وصوت بعيد لم يستطع تمييزه.
وما إن اختفت الصورة، حتى وضع يده على رأسه وهو يلهث.
نظر إليه والده بقلق.
"ريموريكا... هل أنت بخير؟"
رفع رأسه بصعوبة، وحدق نحو استريا.
ثم قال بحزم:
"سأذهب لإنقاذ تلك الفتاة."
تغيرت ملامح والده فورًا.
"اصمت يا ريموريكا! إنها ابنة الملك، وليس لنا شأن بها. إن تدخلت فلن يرحموك."
لكنه لم يستمع.
انتزع يده من يد والده، وانطلق راكضًا بكل ما يملك من قوة.
توقفت أنظار الناس عليه.
"إلى أين يذهب ذلك الطفل؟"
"هل جنّ؟"
وصل إلى استريا، وأمسك بيدها الصغيرة محاولًا سحبها بعيدًا.
لكن قبضتها بقيت ثابتة في يد الفارس، وكأنها مقيدة بصخرة.
تعالت الهمسات من جديد.
"ماذا يفعل هذا الطفل؟"
"سيُقتل حتمًا."
"انظروا إلى نظرة الفارس..."
"إن نجا بلكمة واحدة فستكون رحمة."
توقفت استريا عن المقاومة، ونظرت إلى ريموريكا والدموع تملأ عينيها.
قالت بصوت مرتجف:
"لماذا... جئت؟"
لم يجبها.
بل رفع رأسه ببطء، ونظر مباشرة إلى الفارس.
كانت ملامح الفارس مليئة بالاحتقار والغضب، وكأن وجود هذا الطفل أمامه إهانة لا تُغتفر.
ولم ينطق بكلمة.
رفع قدمه...
وركله بكل قوته.
في لحظة واحدة، اندفع جسد ريموريكا عبر السوق كالسهم، واخترق واجهات عدة منازل قبل أن يرتطم بالأرض وسط سحابة من الغبار والحجارة.
ساد الصمت.
بدأ الدم يسيل ببطء من جانب رأسه.
فتح عينيه بصعوبة، وكانت آخر صورة رآها...
استريا.
كانت تنظر إليه وهي تبكي، عاجزة عن فعل أي شيء.
بدأت الأصوات من حوله تتلاشى شيئًا فشيئًا.
وأخذ الظلام يبتلع بصره.
ثم...
أغمض عينيه.