ساد الصمت طوال الطريق، حيث جلس كل من سيليسيا ووالدها، الأرشيدوق ليو، دون أن يتبادلا النظرات أو الكلمات. سنوات الفراق الطويلة أحدثت فجوة عميقة بينهما، بعد أن كانا في الماضي مثالاً رائعاً لعلاقة الأب بابنته.

تكسر الصمت عندما استدار الأرشيدوق نحو سيليسيا بنظرة باردة خالية من المشاعر وسأل: "كيف هي حال الوحوش في المنطقة الجبلية الآن؟"

أجابت سيليسيا بنفس البرودة: "يبدو أن أغلبها قد هلك. لم أعد أرى سوى وحوش من المستوى الضعيف، لذا سيتمكن السكان من العيش قريباً في تلك المنطقة."

رد الأرشيدوق: "من الجيد سماع مثل هذه الأخبار. ولكن احرصي ألا ترتكبي أي خطأ مع الإمبراطور."

تنهدت سيليسيا وقالت بمرارة: "أنا أعرف ما أقوم به. لا أريد نصائح منك، لقد تخليت عني كل هذه السنين وتزوجت امرأة أخرى غير أمي."

نظر إليها والدها بغضب قائلاً: "لا تتكلمي عن كلارا. أنتِ من كنتِ سبباً في موتها."

سكت كل منهما حتى وصلا إلى القصر الإمبراطوري، حيث كان الإمبراطور ينتظرهما في الحديقة الإمبراطورية يحتسي الشاي. وجههما الحارس إلى الإمبراطور، رجل في الثلاثينيات بشعر بني فاتح وعيون قرمزية مميزة، جالس يحتسي الشاي في حديقة مليئة بالورود الجميلة ونسمات الرياح اللطيفة تعصف بهدوء.

التفت الإمبراطور بابتسامة مشرقة قائلاً: "لم أرك منذ مدة يا ليو، كيف حالك يا صديقي؟"

رد عليه الأرشيدوق ببرود: "سعيد بلقائك، أيها الإمبراطور. أتمنى أن تكون بخير."

ضحك الإمبراطور وقال: "لا تزال بارداً كعادتك يا ليو. نحن صديقان، لذا نادني بإدوارد فقط."

كان الإمبراطور يتمتع بشخصية مرحة ولطيفة، إلا أنه يخفي ذكاءً وحكمة عظيمة، فقد استطاع بمهاراته قيادة الإمبراطورية وهو في العشرين من عمره.

انذهلت سيليسيا من تصرف الإمبراطور مع والدها، قائلة في نفسها: "لم أكن أعلم أن الإمبراطور والأرشيدوق مقربان هكذا... صحيح!... في النهاية، إنهما قريبان بالدم."

التفت الإمبراطور نحو سيليسيا التي كانت واقفة تشاهد باستغراب، وقال بإشراق: "مرحباً أيتها الأميرة الصغيرة."

تفاجأت وردت عليه بسرعة: "أعتذر عن تحيتي المتأخرة، سيليسيا ريوجر تحيي سمو الإمبراطور."

تفاجأ الإمبراطور من لباقتها وابتسم قائلاً: "أوه، يا لحسن أدابك وأنتِ في مثل هذا العمر الصغير. تشبهين والدك كثيراً عندما كان صغيراً."

لم تتفاعل سيليسيا مع كلامه كثيراً. ليقطع ليو محادثتهما قائلاً: "أيها الإمبراطور، أرجو أن تخبرنا بسبب طلبك لنا، وما علاقة سيليسيا بالأمر؟"

بسرعة قالت سيليسيا: "أجل، هذا صحيح. ما الذي جعلك تفرج عني بعد كل هذه السنين؟"

نظر إدوارد إليهما قائلاً في نفسه: "إنهما حقاً متشابهان جداً حتى في طريقة كلامهما." ثم قال لهما: "بالطبع، اجلسا على الطاولة أولاً لاحتساء الشاي وسأخبركما بالسبب."

مرت لحظات من الصمت قبل أن يتكلم الإمبراطور بنظرات جدية: "كما تعرفان، كل من أصيب بمرض فوضى القوة فقد حياته عند انفجار قوته. لكن الأمر مختلف معكِ، أيتها الأميرة الصغيرة. لم تفقدي حياتك أثناء انفجار قوتك، ولهذا فكرت في أنكِ قد تكونين قادرة على ترويض قواك من خلال قتال الوحوش. لذا كيف هو تحكمك في قواكِ الآن؟"

نظرت سيليسيا إليه بثبات وأجابت: "كما قلت بالضبط، لقد أصبحت أكثر تحكماً في قواي، لكن لا أستطيع الجزم بأنني قد سيطرت عليها بالكامل."

"لهذا طلبت مجيئك"، تكلم إدوارد بنبرة حازمة. "تعرفان أن ولي العهد يملك قدرات أمه في امتصاص الطاقة من حوله. لذلك، كنت أفكر في إقامة زواج بين سيليسيا وهنري."

بدت الصدمة على وجه سيليسيا، بينما تبادل الأرشيدوق ليو والإمبراطور نظرات حادة. شعرت سيليسيا بأن قلبها يتسارع وتسارعت الأفكار في رأسها. كان من الواضح أن هذا الاقتراح لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل خطة مدروسة بعناية لتحقيق توازن في القوى داخل الإمبراطورية.

نظر الإمبراطور إلى سيليسيا بجدية، محاولاً تهدئتها قائلاً: "أعلم أن هذا قد يكون مفاجئاً، لكن زواجكما يمكن أن يحقق الاستقرار الذي نحتاجه. قدراتك في السيطرة على فوضى القوة، مع قدرات هنري في امتصاص الطاقة، يمكن أن تخلق تحالفاً قوياً يحمي الإمبراطورية من التهديدات المستقبلية."

نظرت سيليسيا إلى والدها، تبحث في عينيه عن أي دعم أو اعتراض، لكنها وجدت فقط القلق والتردد. وبعد لحظات من الصمت، سأل ليو بصوت مبحوح: "وماذا عن سيليسيا؟ هل فكرت في مشاعرها ورغباتها؟"

تنهد الإمبراطور وأجاب: "أفكر في مصلحة الإمبراطورية ومستقبلنا جميعاً. لكن بالطبع، لا يمكننا تجاهل رغباتها. سيليسيا، القرار النهائي سيكون لكِ. لكني أطلب منكِ التفكير في الأمر بعناية."

رأت في عيون والدها لمحة من الاعتذار، أما الإمبراطور فكان يبدو أكثر حزماً، مشدداً على ضرورة هذا الزواج من أجل استقرار الإمبراطورية. بعد لحظات من التفكير العميق، أجابت سيليسيا بتردد: "ربما... ربما يمكن أن يكون ذلك جيداً بالفعل. ولكن يجب أن أتأكد أولاً... أتأكد من أن هذا هو القرار الصحيح."

قال الأرشيدوق: "أتريدين أن تتكرر المأساة؟" بصوت مليء بالقلق والتأنيب. رد الإمبراطور بثقة: "لا تقلق، أنا واثق من قدرة هنري."

"حسناً، أنا موافقة على الزواج، ولكن أليس الأمر مبكراً؟" قالت سيليسيا بتردد.

ضحك الإمبراطور بلطف وقال: "ههه، حسناً، أعتقد أنني تسرعت. سنقيم الخطوبة في الدوقية بعد أسبوعين. وبعد 3 أشهر، سنقيم الزفاف في القصر الإمبراطوري."

غادرت سيليسيا المكان، والتفت ليو إلى إدوارد وسأله: "ما الذي تخطط له بالضبط؟ ألم تجد أي فتاة غير سيليسيا لتجعلها ولية العهد؟"

رد الإمبراطور بهدوء: "أتشعر بالقلق؟ لقد بدوت لي بارداً اتجاهها. لكني سأجيب عن تساؤلاتك. لا أعتقد أنني سأجد فتاة رائعة مثلها. إنها ذكية، قوية، وجميلة."

بينما كانت سيليسيا تتجول في أرجاء القصر، لفت انتباهها دفيئة زجاجية جميلة. دخلت لتجد شاباً عيناه قرمزيتان تلمعان.

التفت إليها الشاب وقال بنبرة رسمية: "عذراً، ولكن لا يُسمح بدخول هذا المكان إلا لأفراد العائلة الملكية."

أجابت سيليسيا: "نعم، هذا صحيح. أدعى سيليسيا ريوجر، الأميرة الأولى لدوقية ريوجر."

ابتسم الشاب وقال: "هنري ألكسندرين، ولي عهد شينيا. سررت بلقائك."

في تلك اللحظة، سمعت خطوات أقدام قادمة. نظرت لترى سيدة جميلة بشعر أبيض وعيون زمردية ترافقها فارسة شابة. عرفت سيليسيا على الفور أن هذه السيدة هي الإمبراطورة.

قالت الإمبراطورة كاثرين بدهشة: "أنتِ تشبهين والدتكِ كلارا كثيراً. لقد كبرتِ حقاً!"

تبادلتا كلمات المودة، ثم غادرت سيليسيا برفقة الحراس نحو العربة التي تنتظرها.

على الجانب الآخر، كانت سيليسيا تسافر عائدة إلى الدوقية. عندما اقتربوا من القصر، قال أحد الفرسان: "سمو الأرشيدوق، نكاد نصل."

توقفت العربة أمام قصر كبير تحيط به غابة واسعة. عند بوابة القصر، كانت تنتظرهم سيدة بشعر أحمر وعيون رمادية، بجانبها فتاة صغيرة في الخامسة من عمرها بشعر أحمر قصير وعيون زرقاء.

نظرت سيليسيا إليهما وقالت في نفسها: "لا بد من أنهما الدوقة وأختي غير الشقيقة."

قالت سيليسيا بأدب: "سررت بلقائكما."

ابتسمت الدوقة الجديدة وقالت: "أهلاً بكِ في منزلكِ، سيليسيا. أنا إيلينا، وهذه هي ابنتي لورين."

قاطع الأرشيدوق المشهد قائلاً: "دعونا ندخل إلى الداخل، لدينا الكثير لنتحدث عنه."

دخل الجميع إلى القصر، حيث شعرت سيليسيا بثقل الماضي يتلاشى ببطء مع كل خطوة. كانت مصممة على بدء حياة جديدة، وتحقيق السعادة التي ضحت والدتها من أجلها.

2026/04/21 · 2 مشاهدة · 1019 كلمة
Milly
نادي الروايات - 2026