لم يكن الليل في مستشفى سانت إلينور يشبه ليل المدينة. في الخارج، تتلألأ أضواء الشوارع على الأرصفة المبتلّة، بينما في الداخل، يستقر الصمت ثقيلًا، لا يقطعه سوى أزيز أجهزة التنفس أو صدى خطوات ممرضة تسير في ممر العناية المركزة.

جلس إيثان كول، حارس الأمن الليلي، على مقعده المتواضع قرب غرفة المراقبة. أمامه كوب قهوة بارد، وشاشة تعرض صورًا متقطّعة من زوايا المستشفى. لم يكن يكره عمله؛ فالوحدة باتت مأوى له منذ سنوات، بعيدًا عن صخب البشر وحواراتهم المملة.

رفع عينيه نحو الساعة… الثالثة إلا ربع. تلك اللحظة الغريبة من كل ليلة، حين يشعر بأن الهواء يثقل، وأن الأضواء تخفت على نحو غير معتاد. كان بعض الممرضين القدامى يهمسون بأنها "ساعة الموت"، اللحظة التي تلفظ فيها الأرواح العالقة أنفاسها الأخيرة.

ابتسم ساخرًا. "مجرد خرافات."

ضغط زر التنقّل بين الكاميرات، يتنقل من زاوية إلى أخرى، حتى توقف فجأة.

في شاشة رقم (04)، ظهر شخص يتحرك ببطء داخل الممر السابع. ممر مهجور، مغلق بالسلاسل منذ ثمانية عشر عامًا، إثر حادث حريق مأساوي راح ضحيته ستة أشخاص.

ضيق إيثان عينيه… الصورة غير واضحة. رجل مسن، يتكئ على الحائط ويتجه نحو المصعد.

دق قلبه بقوة.

أسرع يتحقق من دفتر المراقبة… لم يُسجّل خروج أي مريض منذ بداية ورديته.

تناول مصباحه اليدوي ومفتاح الطوارئ من فوق المكتب. في تلك الأثناء، دخلت الممرضة مارغريت. قالت متعجبة: "ما الأمر يا إيثان؟"

أجاب دون أن يلتفت: "رأيت شخصًا في الممر السابع."

شهقت مارغريت، وبدت وكأنها تحاول منع ارتجافة في صوتها. "هذا مستحيل… ذلك المكان مغلق منذ ثمانية عشر عامًا."

لم يُجبها. توجه نحو الباب المؤدي إلى الممر. السلاسل ما تزال في موضعها، لم تُفتح، ولا أثر ليد امتدت إليها. لكن الكاميرا لا تكذب… أو هكذا كان يظن.

فكّ السلاسل بحذر، ودفع الباب ببطء.

رائحة قديمة ثقيلة، كرائحة كتب منسيّة وأرواح واهنة، ملأت المكان. الجدران مغطاة بطبقة غبار كثيف، والهواء ساكن، كأن الزمن لم يتحرك منذ سنوات.

نادى بصوت ثابت: "هل هناك أحد؟"

لا رد.

في نهاية الممر، وعلى الجدار المهترئ، كُتبت جملة باهتة بحبرٍ أسود متقادم: "لا تثق بأحد… حتى بنفسك."

وقبل أن يتمكن من استيعاب العبارة… صدر صوت طفيف خلفه، كخطوةٍ خفيفة على الأرضية المتشققة.

استدار ببطء. لم يكن هناك شيء.

لكن الباب خلفه… انغلق وحده.

نهاية الفصل الأول.

2025/04/16 · 73 مشاهدة · 351 كلمة
Bilal Brahmi
نادي الروايات - 2026