قد لا يتجاوز عمر روستيكا جيناس خمسة وعشرين عامًا لكنها مرت بالكثير في حياتها
تيتمت في الرابعة عشرة من عمرها وبحلول سن الحادية والعشرين صنعت لنفسها اسماً كفارسة عبقرية في إمبراطورية كاليتا العظيمة إلى أن فقدت كل موهبتها وهربت من البلاد دفعة واحدة
لقد مرت أربع سنوات منذ فرارها حيث كانت تعيش في كوخ متداعي في قرية مجهولة الاسم على الحافة الغربية القصوى لمقاطعة مومينتوم إحدى الدويلات التابعة الصغيرة التي سقطت في حالة من التدهور وتشبثت بأطراف الإمبراطورية بحلول ذلك الوقت كانت قد رأت كل شيء
لكن الاستيقاظ في الصباح مصابة بصداع والاستلقاء في سرير غريب مع رجل لم تتعرف عليه كان شيئاً لم تختبره في حياتها قط
لا بد أن العيش بمفردي والشعور بالوحدة يدفعني إلى الجنون...
تنهدت روستيكا أو رو اختصاراً وهي تحاول منع نفسها من الصراخ
هذا حقاً تجاوز الحد
'ماذا حدث….؟'
كانت تجلس بجوار البار تشرب أكثر مما شربت في حياتها ثم قررت أن تقيم علاقة لليلة واحدة مع رجل وسيم كان يجلس بجانبها
بعد أن استوعبت الوضع بسرعة نزلت من السرير بهدوء وارتدت ملابسها على عجل كانت واثقة من قدرتها على الاختفاء دون أن تترك أثراً على الأقل احتفظت بهذه المهارة منذ أن غادرت كاليتا علاقة عابرة غير مسؤولة وغير منطقية كهذه لن تدوم إلا لمرة واحدة
غادرت رو وهي تعاني من صداع الكحول وتكره نفسها الغرفة دون أن تنظر إلى الوراء
أنا مجنونه مجنونه تماماً
مهما حاولت جاهدة التظاهر بالانحلال بعد فقدان قدراتها لم يسبق لها أن لعبت بالنار هكذا شعرت بالشفقة على نفسها لدرجة أنها لم تستطع التفكير في أي شيء آخر فجزء منها لا يزال ذلك الفارس المنضبط والمثالي الذي كانت عليه
هربت من النزل وشعرها البني لا يزال أشعثاً غير مدركة للعواقب الكاملة لما كانت تفعله
بعد ساعة من إغلاق الباب بهدوء خلفها عادت الغرفة التي كانت صامتة إلى الحركة والنشاط مرة أخرى
فتح الرجل الذي لم ينعم بهذا القدر من النوم منذ سنوات عينيه على ضوء الشمس
"...رو؟"
عيون رمادية تحت شعر أسود أشعث مسحت الغرفة بنظراتها
لم يكن هناك أي أثر للمرأة
تجمدت عيناه الرماديتان اللتان كانتا لطيفتين في السابق
***
"...اوه..."
انظر إلي أترنح في الشارع عند الظهر تفوح مني رائحة الكحول وعلى وجهي عبوس متغطرس
كادت رو أن تصمت وهي تترنح في مشيتها ما الذي فعلته الليلة الماضية بحق الجحيم؟
حسنًا أخيرًا هناك شخص فاشل في منزل جيناس لا أعرف لكنني لم أرى والدي أو والدتي في حالة سكر قط لذلك أعتقد أنني الفاشله الوحيده في العائلة
كان عليها أن تقضي بقية حياتها منحنية خجلاً كان دفء الظهيرة لطيفًا لدرجة يصعب تصديقها كانت الشمس مشرقة ساطعة تتخلل أشعتها أغصان الأشجار عريضة الأوراق الخضراء فتضفي على أوراقها لونًا أخضر مصفرًا شفافًا كان الجو دافئًا لدرجة أن أطفال القرية كانوا يخلعون ملابسهم بحماس ويتجهون نحو الجدول للسباحة
"يا إلهي! من هذه هل هيه أختي رو؟"
" أختي رو رائحتك تشبه رائحة الكحول"
"رائحتك كريهة!"
"أين كنتِ؟"
"إلى أين أنتِ ذاهبه؟"
كانت تعاني من صداع الكحول لكن الأطفال كانوا ملحين ركضوا إليها مباشرة وأحاطوا بها وهم يثرثرون بأسئلة عالية في أذنيها
هنا في قلب الريف النائي لم يكن هناك ما هو أكثر إثارة للاهتمام من تلك الشابة الغامضة التي ظهرت فجأة قبل بضع سنوات تلك التي كانت تسكن كوخًا في غابة مظلمة يتجنبها معظم الناس كانت تلعب معهم أحيانًا وتعلمهم أشياء لقد كانت لغز هذه البلدة الصغيرة الأكبر
"همم... اذهبوا بعيداً أيها الأوغاد..."
قالت ذلك بصوت أجش وهي تلوح بيديها في الهواء
أبدى الأطفال إعجابهم ودهشتهم وتحدثوا بصوت أعلى
"يا إلهي صوتها يشبه صوت والدي تماماً!"
"كان يشرب في حانة العم بن أيضاً!"
"من أين تعلمتم هذه الأشياء؟"
في الحقيقة كانت تشرب في حانة العم بن فهي الحانة الوحيدة في المدينة وكانت تنام أيضاً في النزل الواقع فوق الحانة ليس بمفردها بل مع رجل
روستيكا جيناس التي لطالما كانت مثالاً للشهامة وحسن السلوك بالكاد استطاعت أن ترفع رأسها منتصباً
"أمي تقول إنه لا يجب عليك الشرب!"
"إنها تقول إن ذلك يجعلك غبياً!"
"إذن هل رو غبية؟"
"أختي أريني !"
أمسكوا بها من طرف فستانها وجذبوها غير مكترثين إن كانوا لطيفين أم لا
آه هؤلاء الأوغاد المزعجون! نفد صبر رو وهي تفتش جيوبها انسكبت الحلوى الرخيصة من النوع الذي لا يحصل عليه الأطفال في هذا الجزء من البلاد إلا في أيام الأعياد أو بعد الحصاد في أيديهم الصغيرة
"يا إلهي!"
"لا تأكلوا إلا واحدة فقط لأنه إذا آلمتكم أسنانكم فسيتعين عليكم الذهاب إلى الحداد لخلعها واتركوني وشأني"
استدارت رو لتحتمي من الشمس لكنها واجهت صعوبة في سحب طرف عباءتها بينما كان الأطفال يشدونها وفي غمرة حماسهم للحلوى ظل بعضهم متمسكًا بها
"هل تريدين شيئاً أيضاً؟"
سألوا وهم يمدون بأيديهم اليقطينة المجففة التي كانوا يخبئونها في جيوبهم والتفاح غير الناضج الذي كانوا يسرقونه من البستان عرفت رو أن هذه طريقتهم في قول "شكرًا" فابتسمت رغم صداعها
"أنا بخير"
"شرب الكحول يسبب الصداع وقد يسبب صوت شخير في آلسرير"
"حسنًا سأذهب لأشهر"
"وداعاً أختي!"
أدرك الأطفال أنها لم تكن تشعر بحالة جيدة فتركوها ولوحوا لها وهم يغادرون
لوحت بيدها لكن بصعوبة ثم ترنحت مبتعدة كانت عظامها ترتجف بالكاد استطاعت المشي على قدميها لذا تمنت لو تزحف على يديها وركبتيها لكن ذلك سيجعلها كلبة حقًا
"أممممم..."
نظر أهل الريف إلى رو وكأنها مجنونة وهي تمشي
لقد أحبوها فتركوها وشأنها لكنها كانت غريبة "امرأة غريبة"
امرأة شابة تعيش في كوخ متداعي في الغابة ولا تخرج منه إلا لحاجتها إلى المؤن كانت امرأة مخيفة لا يوثق بها مع ذلك كانت متعلمة تعلم الأطفال الذين يأتون إليها القراءة والحساب
وبعد ذلك انتشرت شائعات بأنها مرت بالمدينة في وضح النهار نص عارية وتفوح منها رائحة الكحول
"...حسنًا هذا أفضل"
لم تكن هناك حاجة لصنع اسم جيد لنفسك عندما تكون قد خسرت كل شيء بالفعل
كانت قد خبأت بالفعل كل الأموال التي منحها إياها إمبراطور كاليتا وعندما انتشر خبر إدمانها على القمار في كاتات هربت من المدينة لقد نسي الجميع أنها كانت فارسة عبقرية
وهكذا طوي اسم روستيكا جيناس في غياهب النسيان كان لا بد من ذلك ما زالت صغيرة لكنها أجبرت على التخلي عن كل شيء
خرجت مترنحة من ضوء الشمس إلى غابة كثيفة من الأشجار والظلال
أولاً الدواء...
سواء كان ذلك بسبب صداع الكحول أو مانع الحمل أو آلام ظهرها
تأوهت رو وهي تتمسك بشجرة ضخمة لا بد أنها كانت تزيد عن خمسين عاماً
"لا بد أنني كنت مسكونه أو شيئاً من هذا القبيل"
لم تكن معتادة على القيام بأمور خطيرة أو متهورة مثل العلاقات العابرة كانت تعيش في حالة تأهب دائم
لكن ماذا حدث الليلة الماضية؟ لا بد أن العم بن ذلك الرجل قد دس شيئا في شرابها كان عليها أن تحذر من براميل البلوط كان من الصعب إسكارها لكنها ما زالت تتذكر ألم الصداع بوضوح
"أوف..."
عندما وصلت أخيرًا إلى منزلها وهو كوخ كانت تخجل من تسميته منزلًا لكنه مع ذلك منزلها كانت قد قطعت شوطًا كبيرًا ففي النهاية إذا لم تستطع المشي على قدميها فمن الأفضل أن تستخدم يديها وفي النهاية عادت إلى المنزل وهي في حالة سكر شديده تبدو ككلب
يا إلهي كم هذا محرج...
لكن لم يكن أحد يعلم لذا لم يكن الأمر مهماً ستلتزم الصمت لبعض الوقت
كان كوخًا متداعيًا ولكن عندما فتحت الباب وجدته مريحًا ودافئًا أكثر مما توقعت
أمسكت رو برأسها وأغلقت الباب وابتلعت آخر جرعة من الدواء الذي صنعته ثم جرت جسدها الثقيل والرطب بين أسنانها إلى حوض الماء لتغسل كل آثار الليل
"آه... أعتقد أنني سأعيش"
لن تشرب في حانة العم بن مجدداً حتى لو كان ذلك بسبب الابتسامات الثملة والتعليقات عن جمالها تجاهلت رو كل ذكريات الليلة الماضية ودفعتها إلى أعماق لا وعيها وعقدت على نفسها عهداً سريعاً ومسحت نفسها ودخلت إلى فراشها
لا أتذكر أي شيء من ذلك
"أشعر بالمرض…."
ربما كان ينبغي عليها أن تأكل شيئاً لكنها كانت متعبة جداً
***
مع حلول ضوء الشفق المسائي على الغابة انفتحت عيون خضراء فجأة في الكوخ المظلم
مدت رو يدها على الفور وأمسكت بسيفها الذي كان يرافقها دائمًا ونهضت بصمت كانت عيناها الخضراوان حادتين ومتوهجتين بضوء مرعب كما لو أنها لم تكن قد غفت للتو وهي تعاني من صداع الكحول
أولئك الذين قضوا حياتهم دون رقابة أو رصد لم يكونوا حساسين لأدنى إشارة إنذار لكن كان عليها أن تكون كذلك إن أرادت النجاة في ساحة المعركة
كان هناك اضطراب في الخارج كان الأمر واضحاً لا لبس فيه
"دب؟"
عادة ما يكون حيوانًا بريًا يهاجم منزلًا مدنيًا بدافع الجوع لكن هذا لم يكن النوع الوحيد من الوحوش التي تزور امرأة تعيش بمفردها فقد يكون لصًا أيضًا
استلت رو سيفها وتحركت متأهبة بقيت قريبة من الجدار تصغي لأي أصوات من الخارج ثم سارت بمحاذاته لم يطل بها الوقت حتى تسللت من الخلف واختبأت بين الشجيرات متجهة نحو حدود الملكية كان كل شيء مألوفًا جدًا لرو
...أظن أنني أشم رائحة دم
كانت الغابة مليئة بالأشجار الطويلة التي ظللت جسدها النحيل وبينما كانت رو تنتقل بسرعة من شجرة إلى أخرى أبقت جميع حواسها في حالة تأهب قصوى
اختبأت في شجرة أرز كثيفة وألقت نظرة خاطفة باتجاه رائحة الدم اتسعت عيناها الخضراوان فجأة سحبت رو رأسها إلى الوراء في عجلة من أمرها
هذان دبان! يا إلهي ما هذا؟ هل يوجد دبان على الأرض؟ هل أرى الأشياء بشكل صحيح؟
لم تستطع رو التي رأت كل شيء تقريباً من قبل أن تصدق ذلك
أخرجت رأسها مرة أخرى
دبان ينزفان ورجل متكئٌ على شجرة مغطى بالجروح بالكاد يتنفس كان مغطى بالدماء ولم يكن يرتدي سوى آثارٍ ضئيلة من الدرع في الواقع كان أكثر من نصفه محطما
"من أنت؟"
سألت رو بصوت متوتر وحذر فنظر إليها الرجل الذي كان مصاباً بجروح بالغة في فخذه وكتفه
التقت عيناه الرماديتان بعيني رو فذهلت أوه لقد بدا مألوفاً
"رو.."
كانت عيناه الرماديتان الكبيرتان ضيقتين من الألم صرخت رو في داخلها
"لماذا تركتيني؟"
ليس هذا هو نوع السؤال الذي قد يطرحه رجل يسيل الدم على جسده عادة وهو جالس بين جثتي دب على الرغم من أنه كان صحيحاً أنها تركته في نزل العم بن هذا الصباح
فجأة تذكرت رو أحداث الليلة الماضية فذعرت وسحبت سيفها على الفور
"أنت من أنت بحق الجحيم؟ ما أنت بحق الجحيم
؟
لا يمكن لرجل قتل دبين شرسين أن يكون شخصاً عادياً أن يتحدث عن ذلك بكل بساطة هذا الصباح... من الواضح أن هذا كان نوعاً من الخدعة
ضغطت رو بسيفها على حلق الرجل الوسيم الملطخ بالدماء وسألته بحدة
"ألا تتذكريني؟ لقد أعطيتيني الخبز..."
كانت رو مذهوله كان صوته مكتوماً بسبب إصاباته وكانت عيناه حزينتين حقاً
"هل تعتقد أنك الطفل الوحيد الذي أعطيته الخبز؟"
كان هذا أقل ما يمكنها فعله من أجل الفرسان الشباب المساكين الذين جروا إلى ساحة المعركة! لكن الآن كان هذا الرجل الوسيم ينزف أمامها لقد كانت معجزة أنه ما زال يتنفس
"...هذا مؤسف للغاية ظننت أنكِ أعطيته لي وحدي..."
ازدادت عيناه ثقلا لا بد أنه مجنون!
"اذا هل قمتِ بتحضير الشوكولاتة الساخنة للآخرين؟"
لم يكن هذا النوع من الأسئلة التي يطرحها المرء عادة والسيف مصوب إلى رقبته
"هل سمحتِ لهم بالنوم في خيمتكِ؟"
بدت عيناه الرماديتان الكبيرتان على وشك البكاء
بدا الرجل الذي تعامل مع الدببة لطيفًا وودودًا بشكل غريب ربما كان في أوائل أو منتصف العشرينات من عمره شاب ذو ملامح قوية لكن لمحة من براءة الطفولة لا تزال بادية في عينيه
"لا ليست هذه هي النقطة أنت مصاب"
أغمدت رو سيفها وقررت أنه لا يوجد سبب لتوجيهه نحو رجل لا يستطيع حتى تحريك إصبعه ومدت يدها
"هذا أهم من إصاباتي هل أنتِ متأكده أنكِ لا تتذكرين؟"
ماذا تقصد؟ لا أتذكر ماذا؟ النوم؟ الشوكولاتة؟
لم يسبق لرو أن مرت بمثل هذا الموقف من قبل لم يسبق لرجل قضت معه ليلة أن لاحقها وقتل الدببه وسألها أسئلة غريبة وهو على وشك البكاء أسئلة مثل ما إذا كانت قد أعطته خبزًا وشوكولاتة في يوم من الأيام الخبز نعم لكن الشوكولاتة؟ متى فعلت ذلك؟ ولمن ستعطي هذه السلعة الثمينة؟ إضافة إلى ذلك لماذا ستسمح له بالنوم في خيمتها؟ هذا مخالف للقواعد
نبشت في ذكرياتها لم يكن هناك سوى ذكرى واحدة حلوة ومرة ودافئة
"لماذا تركتيني..."
مستحيل لا يمكن أن يكون ذلك الطفل اللطيف عند الجدار أليس كذلك؟
كان عمره آنذاك أربعة عشر أو خمسة عشر أو ربما ستة عشر عاماً فقط كان يتمتع بوجه جميل وكان صغيراً جداً لدرجة أنها كادت تقلق بشأن كيف سيبدو شكله...
"لقد بحثت عنكِ لفترة طويلة كنت سعيدًا جدًا بالعثور عليكِ..."
انهمرت الدموع من عينيه وتدفقت على ذقنه المتين
"لماذا - لماذا تبكي؟"
تشتت ذهن رو انهمرت الدموع على وجهه الجميل كما لو كان بطلاً في لوحة
"هل فعلت شيئاً خاطئاً الليلة الماضية؟"
لم تكن رو من النوع الذي يبكي بسهولة وكانت هذه هي المرة الأولى التي تسأل فيها هذا النوع من الأسئلة لقد كانت مذهولة
"لم أكن أعلم سأحاول أن أكون أفضل في المستقبل لذا لا تتركيني وحدي..."
"لا مهلاً أنت تنزف توقف عن الكلام و...!"
مد الرجل الذي كان ينزف بغزارة والدموع تنهمر على وجهه يده المرتعشة وأمسك بيد رو قبل أن ينهار عليها بشدة أغمضت عينيها بقوة
"يا إلهي... هذا جنون"
خارج إمبراطورية كاليتا غرب مومينتوم مباشرة التقت روستيكا جيناس الفارسة الإمبراطورية السابقة و"العبقرية الساقطة" برجل غريب للغاية في حانة
———-
قراءة ممتعه ~