في قارة فينغارد العظيمة، حيث يتشابك السحر بالواقع كأنهما وجهان لعملة واحدة، تنبض الأرض بالحكايات المنسوجة بأيدي السحرة والمقاتلين الذين يحكمون أسرار القوى الخفية. تحت سماء تتلألأ بنجوم تحمل أسماء ملوكٍ سقطوا وأساطير لم تُروَ بعد، تمتد طرق التجارة والسفر مثل شرايين عظيمة ، تنقل الحياة من أقصى القارة إلى أدناها. هناك، في مسارات متعرجة تخترق الغابات العتيقة والجبال الحارسة، تسير القوافل كنبض لا ينقطع، كل واحدة منها تروي قصتها الخاصة.

لكن من بين كل القوافل التي تجوب القارة، لم تكن هناك واحدة تضاهي –قافلة الأحلام– ، تلك التي يملكها التاجر الغامض جابيلين فريلي ، الرجل الذي قيل إنه لا يبيع البضائع فحسب، بل يبيع الأحلام مجسّدة في التحف العجيبة التي يعرضها. أينما توقفت قافلته، اجتمع حولها الباحثون عن الأمل والمغامرة، الساعون وراء الغموض أو مجرد قطعة من الماضي المختبئ في ركام النسيان. صندوق قديم يُقال إنه يعود لملك ضائع، خنجر محفورٌ عليه رموز لا يعرف أحد معناها، دمية حريرية قد تحمل لعنة أو بركة—كل شيء في قافلة جابيلين يحمل قصة، وكل قصة تُحرك رغبة مكبوتة لدى من يراها.

كان جابيلين ورجاله يميزون أنفسهم بملابس متينة مصنوعة من الجلد الخام، تتناسب مع طبيعتهم القاسية وأسلوب حياتهم في الطرق الوعرة. لم يكن هناك زخرفة فاخرة ولا مظاهر استعراضية، فقط ملابس صُممت لتدوم ولتعكس الهيبة الهادئة لرجل فرض وجوده بقوة حضوره لا بزخرفة مظهره.

لم يكن جابيلين مجرد تاجر عادي يجوب الأسواق و المدن و الممالك حول القارة بسلعه، فقد عرف كيف يستغل الفرص في عالم التجارة حيث تتداخل المصالح مع بعضها البعض . بدأ بالسلع المعتادة—المواشي، التوابل، المعادن، الأسلحة، الدروع—ولكن مع مرور الوقت، وجد نفسه ينظر إلى تجارة أخرى، تجارة يتعامل فيها مع البشر وكأنهم مجرد بضائع تُنقل من يد إلى أخرى. لم يكن تحوله إلى هذا العالم فجائياً، بل جاء تدريجياً، خطوة بعد خطوة، حيث كان كل صفقة تعمّق ارتباطه أكثر ، في تجارة العبيد .

عندما تسأل أي عبد تم بيعه من قبل جابيلين، ستسمع الإجابة نفسها: "جابيلين رجل رائع، عاملني بلطف، وبيعه لي كان طريقته الخاصة في تحريري." كان جابيلين يبيع العبيد، ثم يعطي المبلغ الذي حصل عليه للعبد سرًا ويتركه يذهب بحرية. رغم أن هذه الصفقة كانت خاسرة بالنسبة له، إلا أنها كانت جزءًا من طبيعته، تاجر يحب فعل الخير.

"همم~ أجلده أكثر، يبدو أنه لا يشعر بشيء"، قال جابيلين وهو ينظر ببرود إلى كأس النبيذ الذي في يده.

حسناً ، ربما هذه كانت الصورة في أعين الجميع ، الجميع ما عدا الأشخاص الذين يعرفون الحقيقة .

"سيدي، سيموت إذا استمررنا هكذا"، قال أحد رجال جابيلين وهو يلهث من الإرهاق.

"همم~ أنت محق، لا يجب أن يموت، فهذه ستكون راحة له. بدلًا من ذلك، ادهن جسده بالمرهم الذي حصلت عليه من تلك الوديان البعيدة جنوب القارة ، حتى تلتئم جروحه، ثم قدم السوط لزميلك ليستمر من حيث توقفت أنت. هيا~"

جابيلين، كما يقال، كان يرحم العبيد الذين يبيعهم ويعطيهم المال، لكن كان هناك عبد واحد لم يختبر هذه الرحمة. هذا العبد كان يرى جابيلين في أسوأ حالاته، حيث كان يستمتع بتعذيبه وكأنه عرض مسرحي.

"حسنًا، حان وقت الجلد من جديد، جروحه شُفيت."

ابتسم جابيلين ابتسامة خبيثة ثم قال: "جيد، اسمعوني صوت ضربة السوط على جلد هذا الملعون."

كان جابيلين جالسًا على كرسي من الخشب الأسود، يمسك بكأس من النبيذ الأحمر الفاخر، بينما تجلس على جانبيه فتاتان جميلتان تلمسان جسده نصف العاري. لم يكن جابيلين وسيمًا بشكل خاص، لكنه كان يتمتع ببنية جسدية قوية، وملامح وجهه توحي بأنه تجاوز منتصف الثلاثينيات بقليل. لحيته بالكامل محلوقة ، وعيونه الرمادية الفاتحة تبدو متراخية.

المنظر الذي كان يستمتع به كان جلد رجاله لعبد هزيل الجسد، بشعر أسود طويل مبعثر، وأصابع يديه وقدميه بلا أظافر، حيث تم اقتلاعها يدويًا. حالة هذا الشاب كانت مزرية، لكن جابيلين كان يستمتع برؤيته يتعذب، حيث كان يخصص ساعتين يوميًا لمشاهدة هذا العبد وهو يتلقى التعذيب بلا رحمة.

العبد كان صامتًا، يتلقى الضرب والشتائم بعيون لا تجرؤ على مواجهة عيون من يعذبونه. رجال جابيلين كانوا مقنعين، يرتدون بناطيل سوداء وأحذية جلدية قوية، وصدورهم العارية تظهر عضلاتهم بشكل واضح.

"توقف أيها الجلاد، لدي شيء يجب أن أتأكد منه"، قال جابيلين وهو يترك كأسه بيد إحدى الفتاتين.

تقدم من مقعده بخطوات ثابتة حتى وقف أمام الشاب الذي كان يرتجف على الأرضية الخشبية الملوثة بدمائه.

كان الهواء في الغرفة أثقل من أن يتحرك، كأنه ستار غير مرئي يسدل نفسه على الجدران، يمنع الأنفاس من المرور إلا لمن يعرف كيف يقتنصها. جابيلين وحده بدا مرتاحًا وسط هذا الثقل، كأنه يتنفس الهواء ذاته لكنه يحوله إلى شيء آخر—شيء يخصه وحده.

انحنى، نظر إلى الشاب الذي كان ملامحه نصف مدفونة تحت خصلات شعره المتشابكة، صوت جابيلين كان هادئًا لكنه مشبع بحضور لا يمكن تجاهله: "أيها الملعون، سوف أسألك وأنت تجيب، هيا، ما هو اسمك؟"

السعال مزّق الصمت، جافًا، متقطعًا، كأن الهواء ذاته كان يرفض الدخول إلى صدره بسهولة. وحين استطاع أن يخرج صوته أخيرًا، كان ضعيفًا، متكسّر الحواف: "لا... أملك اسمًا."

جابيلين لم يطرف بعينيه، ابتسامة بالكاد تُرى مرت فوق ملامحه قبل أن يتلاشى أثرها. "جميل، حسنًا، الآن، من أنت؟"

كان الرد هذه المرة أسرع، لكنه حمل نفس الثقل الذي أطبق على المكان منذ البداية: "لا أملك هوية."

أدار جابيلين رأسه قليلاً، كأنه يتذوق الإجابة كما يتذوق نكهة معتقة في كأسه. ترك الصمت ينساب بينهما لبعض الوقت، ثم عاد بصوته الذي لم يتأثر بثقل الهواء حوله: "هممم~، هل تريد أن تعيش؟".

هزة صغيرة مرت عبر جسد الشاب، صوت أنفاسه كان ممزوجًا باللهاث، لكنه حين تكلم كان صوته يشبه صوت الحجارة حين تُجر فوق الأرض الجافة: "لا أملك الحق في العيش."

جابيلين أمال رأسه قليلاً، همهمة خافتة خرجت منه، كأنه استمع إلى نغمة مألوفة وأراد أن يتأكد من صوابها. ثم جاء السؤال الأخير، بلا استعجال، بلا تغيير في نبرة صوته: "وهل تريد الموت؟"

هذه المرة لم يكن هناك سعال، فقط لهاث غير منتظم، وكأن الشاب كان يتصارع مع الإجابة قبل أن يتركها تسقط بينهما: "لا أملك الحق في الموت."

ابتسم جابيلين ابتسامة هادئة، وكأن ملامحه كانت تفيض برضا خفي، كما لو أن الكلمات التي سمعها استقرت تمامًا في المكان الذي أراده لها. رفع يده ببطء، يمرر أصابعه على ذقنه وهو يتأمل اللحظة، ثم زفر زفرة قصيرة لا تخلو من ارتياح. وقف بثبات، ظهره مستقيم وكأنه تحرر من شيء ثقيل كان يجثم عليه، ثم اتجه نحو الباب الخشبي الذي يتدلى منه مصباح زيتي، خطواته كانت واثقة لكن غير متسرعة، كمن يريد أن يتذوق صدى ما سمعه قبل أن يغادر.

الفتاتان سارعتا إلى فتح الباب له، الحركة كانت طبيعية، كأنهما تدربتا عليها ألف مرة من قبل. لكنه توقف للحظة، طرف إصبعه يلامس إطار الباب، عينيه تتأملان خشبه المعتّق، كأنه يرى فيه أكثر مما يبدو على السطح. لم يكن مجرد باب للخروج—كان نقطة عبور، من لحظة إلى أخرى ، سأل دون أن يلتفت: "ماذا تكون؟"

لهث الشاب قليلاً قبل أن يرد، لكن أحد الرجال ركله في معدته قائلًا بصوت محمّل بالتهديد: "ألم تسمع سيدك؟! أجب فورًا!"

"أنا... أنا الملعون"، رد الشاب بين أنفاسه المحمّلة بالألم.

ارتسمت على وجه جابيلين ابتسامة هادئة، غير متكلفة، كمن تأكد أن كل شيء يسير تمامًا كما ينبغي. عينيه، في تلك اللحظة، لم تكن تحمل قسوةً صريحة، بل شيئًا آخر، شيئًا أكثر إرباكًا—رضا مدروس، كأنه كان يتلذذ بترتيب الأمور كما يشتهي. تنهد ببطء، زفرة ثقيلة لكنها خالية من أي ندم، ثم استقام، كتفيه مرتاحتان كما لو أنه تخلص من عبء غير مرئي، خطا بثقة نحو العتبة، قدماه تلامسان الأرض بثبات لكنه لم يتعجل عبورها.

حين ترك الغرفة، لم يكن مجرد خروجٍ عادي، بل انتقال بين وجهين. في الخارج، كان الرجل الذي تملؤه الشهامة، ذلك التاجر الذي يعرفه الناس بطيبة كلماته وسخاء يده. أما خلف ذلك الباب، في تلك العتمة التي انطفأت فيها الشموع ببطء، لم يكن سوى مخلوق يتوارى خلف قناع، وحش لا يرى فيما يحدث سوى فنٍ يتقنه، ولعبةٍ يعرف قواعدها جيدًا.

وقف جابيلين للحظة، لم يتعجل المغادرة، وكأنه أراد أن يتذوق المشهد لوهلة أخيرة قبل أن يتركه خلفه. نظراته مرت على الشاب كما تمر يد على صفحة كتاب قديم، لا بحثًا عن معنى، بل تأكيدًا على أن كل شيء كان كما ينبغي أن يكون. زفر بهدوء ثم قال، بنبرة ممتزجة بترف الهدوء المريح: "يكفي لهذا اليوم. قدموا له قطعة خبز جيدة هذه المرة... لقد قدم لي عرضًا جيدًا، لذلك سأكون رحيمًا قليلاً هذه المرة."

وقف مستقيمًا، على جانبيه كانت فتياته، كل واحدة تحتضن ذراعه كما لو كانت امتدادًا له، انعكاسًا للهيبة التي لا تحتاج إلى إعلان. وما إن نطق بكلماته حتى انطلقت أصواتهن، ثناءً، مديحًا، إطراءً على كرمه الذي رأينه نورًا وسط ظلام هذه الغرفة، وكأن رحمته كانت فضلاً لا يقابل إلا بالامتنان.

أما الجلادان، فبقيا في مكانهما، بلا حركة أو تعبير حتى قال أحدهما، بصوت حمل احترامًا يتشابه مع الاستسلام: "أنت رحيم حقًا، سوف أنفذ أوامرك بأفضل طريقة ممكنة."

جابيلين لم يُجب، فقط ألقى نظرة أخيرة على المكان، ثم عبر العتبة تاركًا الباب مواربًا وراءه، وكأن وجوده ما زال يتردد في الجو رغم مغادرته. أحد رجاله تقدم ليغلق الباب، فيما توجه الآخر نحو الزاوية حيث كان صندوق خشبي كبير يقبع خلف الكرسي الذي جلس عليه جابيلين سابقًا. رفع الغطاء ببطء، ثم ألقى نظرة داخله قبل أن يلتفت لزميله بإشارة صامتة، لا حاجة للكلمات حين يكون الفعل متفقًا عليه مسبقًا.

"حسنًا، حسنًا، أيها الملعون، حان وقت العودة إلى صندوقك المفضل!"

الصوت كان مشوبًا بمزيج من السخرية والمتعة القاسية. جذب الشاب من يده بقوة، رفعه كما يُرفع شيء بلا وزن أو قيمة، ثم ألقاه داخل الصندوق دون اكتراث، الحركة كانت عنيفة، بلا اهتمام لما قد يسببه الاصطدام.

"أغه!" خرج الصوت من بين أسنان الشاب، لكنه لم يتبعه بأي كلمة أخرى.

الرجلان لم يتوقفا، أحدهما أغلق الصندوق بإحكام، الآخر أدار المفتاح في قفله، وكأنهما قاما بتثبيت حقيقة لا تحتاج إلى مراجعة. دون إشارة إضافية، حملا الصندوق وخرجا من الغرفة، تاركين وراءهم العتمة بلا تغيير، بلا اضطراب. وقبل أن يغلقا الباب أخيرًا، تبادل أحدهما نظرة مع الآخر، ثم دُفع القفل إلى موضعه الأخير.

'أكره هذا الصندوق.'

لم تكن الكلمات سوى أفكارٍ حبيسة داخله، لا يمكنها أن تخرج، لا يجب أن تخرج. لأن التجربة علمته شيئًا واحدًا لا يقبل الشك—أن أي كلمة قد تُقال، قد تكون دعوة مفتوحة لشيء أسوأ مما حدث للتو.

الصندوق تحرك بخفة مع خطوات حامليه، هزة متكررة، بلا انتظام، تذكير مستمر بأنه محبوس في شيء لا يمنحه حتى حق رؤية ما حوله. من الداخل، كان الظلام كاملاً، ممتلئًا، لا أثر لضوء، لا تسلل لنور ولو بقدر شعاع خافت. لم يكن هناك شقٌ واحد، لا فرصة لمحة للهروب، وكأن من اختار هذا الصندوق حرص على أن يكون كافياً لعزل كل شيء—حتى الأمل.

بعد دقائق، شعر الشاب بالثقل يخف من حوله، إدراك خافت أن الصندوق لم يعد يهتز، أنه قد وُضع أخيرًا على الأرض. لم يتاح له التفكير أكثر، إذ سرعان ما سُحب الغطاء، لتكشف عيناه ذلك المشهد المألوف حتى أصبح جزءًا منه—السجن الذي احتجزه طوال ما يبدو أنه زمن بلا نهاية.

قبل أن يدرك الوضع، انتُشل بقوة من الصندوق، جسده الخفيف لم يشكل أي مقاومة، لا وزن، لا جهد في حمله، كأنه لم يكن أكثر من شيء تُلقى به بلا اعتبار. الرجل المقنع، ذلك الذي كان يبتسم طوال الوقت كما لو أن شيئًا ما يبهجه في هذا الروتين القاسي، حمله دون أدنى تردد، خطواته لم تتباطأ حتى وصل إلى عتبة زنزانة قذرة، باردة، لا راحة فيها، لا للجسد ولا حتى للعين.

ثم، دون إنذار، دفعه داخلها بعنف.

سقط الشاب على الأرض المتعفنة، جسده ارتطم بالحجارة دون أن يملك القدرة حتى على صد الصدمة أو تخفيفها.

"أوبس~ خطأي~" قال الرجل المقنع، متصنعًا الاسترخاء، قبل أن ينفجر بضحكة صاخبة، لا أثر للندم في صوته، بل نوع غريب من المتعة المشوبة بالقسوة.

'هذا الوغد.' كانت الفكرة تتردد داخل عقل الشاب، امتزجت بالغضب الذي لم يجد له منفذًا، ولا حتى بالكلمات.

لم يمض وقت طويل قبل أن يتحدث الآخر، الرجل الثاني الذي وقف بلا اكتراث، لكنه قرر أن يزيد من هذا العبث الساخر.

"خذ هذه، قطعة خبز طازجة، صدق أو لا تصدق، إنها تُعتبر وجبة فاخرة لشخص مثلك، لذلك كن شاكرًا."

رغيف الخبز سقط في حضنه بإهمال، لا مبالاة، لم يكن هدية بل كان تذكيرًا بأنه يجب أن يقبل كل ما يُمنح له دون شكوى.

"أنا... شاكر..." خرجت الكلمات بصعوبة، الصوت متحشرج، مبحوح، جاف كما لو أنه خرج من صحراء لم تمسها قطرة ماء منذ سنوات.

دون اهتمام برده، استدار الرجلان، خرجا من الزنزانة، أغلقا بابها بإحكام ثم تقدما نحو الدرج الحجري الذي قادهما للأعلى. خطواتهما كانت متباعدة، بلا استعجال، وكأنهما لم يتركا خلفهما إنسانًا بل مجرد شيء تم وضعه حيث يجب أن يكون.

الشاب ظل ساكنًا، مستلقيًا في المكان ذاته الذي أُلقي فيه، يستمع إلى صوت الباب يُغلق فوقه، كتم خافت لكنه كان النهاية المؤكدة لهذه الليلة.

"غادروا أخيرًا... اللعنة... جسدي يؤلمني بالكامل."

الأنفاس كانت قصيرة، متقطعة، كل شهيق كان حربًا ضد الألم الذي اجتاح جسده بلا رحمة. حينها قال بصعوبة : "هذا الجحيم... لا أفهم لمَ أنا هنا أصلاً."

السؤال لم يكن جديدًا، لكنه لم يفقد بريقه ، ظل يتكرر داخل عقله، يلتف حوله كحبل مشدود لا ينفك . الزنزانة كانت ضيقة، الجدران الحجرية تحيط به من كل الجهات، القضبان السميكة تسد الأمام، لا منفذ، لا هروب. على الجدار الذي يتكئ عليه، فتحة صغيرة ذات قضيبين موضوعين بشكل عمودي، لكنهما لا يسمحان بالكثير سوى بتذكيره أنه حتى الهواء هنا مراقب.

كان المكان قذرًا، متعفنًا، باردًا، مثيرًا للغثيان، لكنه... رغم كل شيء، كان أفضل من الضرب، أفضل من الجلد المستمر، من الركل واللكمات التي جاءت بلا سبب سوى أنها تستطيع أن تأتي.

رغيف الخبز الذي كان يستقر في حضنه ، هو الشيء الوحيد الذي بدا نظيفًا هنا، حتى بدا أشبه بشيء غريب وسط هذا البؤس.

"آه~ إنها ناعمة، طرية، أفضل النظر إليها بدلًا من أكلها." قالها بصوت مغازِل، لكنه لم يكن قادرًا على إخفاء الألم الذي لا يزال يحكم قبضته عليه .

مد يده المرتجفة، أصابعه بالكاد أمسكت الخبز، رفعه قليلًا، قربه من فمه، ثم قضم منه كما يقضم من حياةٍ لم تمنحه إلا الفتات . عندما لامس الطعم لسانه، تدفق إحساس غريب، وكأنه للحظة نسي الألم، نسي مكانه، نسي زنزانته التي احتجزته سنوات طويلة.

للحظة، كان كل شيء يدور فقط حول هذه القطعة الصغيرة من الخبز الطازج، والتي بدت وكأنها أول شيء حقيقي يحصل عليه منذ زمن بعيد . في الزاوية الأخرى، الخبز القديم المتحجر كان لا يزال هناك ، الشيء الذي كان من المفترض أنه طعام الشاب خلال الأيام الفارطة ، متيبسًا، متروكًا للنمل الذي لم يعرف الخصوصية قط، لكنه في هذه اللحظة لم يكن مهمًا.

"آه~ أفضل مما توقعت..." غمغم الشاب، وكأن هذه اللحظة كانت كل ما يمكنه امتلاكه، ولو للحظة عابرة وسط هذا الجحيم.

استغرق الشاب في الأكل دون أن يدرك كم التهم حتى وجد نفسه يحدق في حضنه الفارغ—الرغيف اختفى، لم يبق منه شيء. ارتعشت نظراته نحو نافذة الزنزانة المرتفعة، حيث لا يزال وهج الشمس يتشبث بالسماء، مُعلنًا أن العشاء لا يزال بعيدًا، أبعد مما تمنى. الشعور بالندم تسلل إليه سريعًا، إحباطًا مشوبًا بالعجز.

"يا لي من أحمق..."

كلمات خرجت منه بمرارة، قبل أن يرفع يديه ويصفع وجهه، ضربات غير عنيفة لكنها تحمل ثقل الشعور بالعجز.

"لقد أفرطت في الأكل حتى لم يبقَ لي شيء للعشاء... كم أنا أحمق، كم أنا أحمق!"

كان يعرف القاعدة، يدركها جيدًا. إذا قدموا له الطعام بهذا الوقت المبكر قبل وجبة رئيسية، فهذا يعني أن لا شيء آخر سيأتي لاحقًا. تلك الحقيقة وحدها كانت كافية لتجعل الإحباط يتغلغل داخله أكثر، لم يكن هناك ما يفعله سوى الانتظار حتى يحل الليل، حتى تعبر الساعات الطويلة التي تفصل بينه وبين اللاشيء.

حينما غمر الظلام الزنزانة، كان مستلقيًا، جسده منكفئ على نفسه كما يفعل القنفذ، يحاول أن يختبئ ولو من الهواء ذاته. لكن صوت الباب الذي انفتح صدح في المكان الخاوي، قاطعًا الصمت بشراسة، جعل جسده ينتفض بفزع، أجبره على تعديل جلسته بسرعة، ليبدو مستيقظًا لا غافلًا، فهو يعلم تمامًا ما قد يفعلونه بمن لا يظهر يقظة أمامهم.

نزل رجل إلى الزنزانة، لم يكن أحد الرجلين الذين جلداه سابقًا. هذا كان مختلفًا—أقصر منهم، أقل ضخامة، لكن شيء ما في مظهره جعله أكثر غرابة من أي شخص آخر دخل هذا المكان. قناع أبيض يغطي وجهه بالكامل، عيون فارغة مرسومة بدقة، سلسة، لكنها بلا روح.

"هذا هو الماء لليوم. فلتكن شاكرًا، السيد جابيلين في مزاج جيد اليوم."

فتح الرجل باب الزنزانة، لم تكن كلماته تحمل لطفًا ولا حتى اهتمامًا، مجرد تصريح بلا معنى حقيقي. في يده، جرة فخارية قديمة، خالية من أي زخرفة، بلا اهتمام بمظهرها، مجرد وعاء يحوي الضرورة.

خفضها بعنف على الأرض، الصوت الذي أحدثته كان أعلى مما يجب، كأنه أراد أن يترك أثرًا حتى في أبسط الأفعال. تراجع بعدها بلا اهتمام، أغلق الزنزانة بإحكام، ثم استدار، صاعدًا للأعلى، مغلقًا الباب الرئيسي بقوة خلفه، وكأنه يريد أن يترك صدى حضوره حتى بعد رحيله.

الشاب بقي ساكنًا للحظات، ينظر إلى الجرة، يتأملها كما لو كانت شيئًا غريبًا، شيء ليس منه لكنه أصبح جزءًا من حياته الآن. تردد قبل أن يمد يده، أصابعه مرتجفة، تمسك بعنق الجرة، بيده الأخرى أبعد خصلات شعره عن وجهه، الكشف الذي جاء مع هذه الحركة لم يكن عادياً.

وجهه، حتى في العتمة، بدا مشوهًا، كأنه شيء لا ينتمي للبشر. التورم، الأزرق الشاحب الذي يلتصق بجلده، الندبات التي حفرت بأيدي لا تعرف الرحمة ، الحروق التي كانت متعمدة، كلها تجتمع لتروي حكاية أقسى مما يمكن نطقه. ورغم هذا، وسط كل هذا التشويه، كانت هناك عيون—حمراء، صافية، عميقة كلون الدماء الطازجة، العيون الوحيدة التي لا تزال تحمل جزءًا من شخصه الذي لم يُمحَ بالكامل بعد.

أخفض نظره إلى الجرة، شرب منها بحذر، كل رشفة كانت محسوبة، مراقبة، وكأن الماء ذاته قد يصبح رفاهية لن يراها في الأيام القادمة ، نظراً للوضع الذي هو فيه .

لحسن حظه، لم تتحطم الجرة حين ضربها الرجل قبل قليل، فالماء بقي داخلها، لم ينسكب على الأرض الموحلة، لم يختفِ كما حدث في مرات سابقة. لم تكن هذه المرة الأولى التي يدخل فيها الرجل إلى الغرفة ليؤدي مهمته بتهور، في بعض الأيام كان يترك وراءه شظايا الفخار متناثرة، والجوع ممتدًا ليوم آخر دون قطرة ماء، لكن هذه الليلة، دون سبب واضح، كان أكثر حظًا.

نظر إلى الماء في الجرة كمن ينظر إلى شيء ثمين، شيء لا يمكنه أن يستهين به. احتضنها كما لو كانت أثمن ما يملك، صوت أنفاسه كان هادئًا لكن مشبعًا بوعي مُرهق.

"مياه جيدة، خففت من شعور الألم في حلقي… لن أتهور وأشربه كله، فهذه حصتي لليوم، وقد لا أحصل على أخرى غدًا."

كان صوته منخفضًا، بالكاد مسموعًا، كأنه يخاطب الجرة أكثر مما يخاطب نفسه، وكأنها شيء يستحق الاعتراف به . لكن الجوع؟ الجوع لم يختفِ، بل احتد أكثر كلما أدرك كم كان ساذجًا حين أكل رغيفه دون تفكير.

"أنا جائع، فقط لو أنني احتضنت رغيف الخبز ولم ألتهمه بالكامل، لما كنت على هذه الحال الآن…" نبرته حملت الحزن، لكن ليس الحزن البسيط الذي يأتي ويذهب، بل ذلك النوع الذي يمكث، يتجذر، يستوطن الروح دون أن يمنحها فرصة للخلاص.

وفي لحظة غير متوقعة، سقط شيء على رأسه، ارتطم بحضنه، حركة خفيفة لكنها جعلته يتجمد للحظة.

رفع رأسه ببطء، حواسه مشوشة و مضطربة جراء هذا الإيماء المفاجئ ، هل كان هذا حقيقيًا؟ ، للحظة شعر بأنه قد يكون مجرد هلوسة بسبب الجوع و الإرهاق ، لكن حين وضع يده على الشيء الذي استقر في حضنه، حين تحسس ملمسه، أدرك الحقيقة—رغيف خبز آخر، حقيقي تمامًا، دافئ، لم يكن من محض خياله.

نظر للأعلى، لم يكن هناك شيء سوى نافذة الزنزانة المرتفعة، لا يد، لا وجه، فقط فتحة مظلمة تسمح للهواء بالدخول.

"من…؟ رمى هذا ؟ "

السؤال دار في ذهنه، التبس بين الدهشة واليقين، بين الجوع والغموض. من قام برميه إليه؟ ولماذا؟ .

2025/05/05 · 121 مشاهدة · 3062 كلمة
Gorox
نادي الروايات - 2026