في تلك الليلة، حين سقط رغيف الخبز على رأس الشاب بخفة ، لم يكن مجرد سقوط عابر بالنسبة للشاب السجين—بل لحظة اخترقت العادة المتحجرة التي عاش عليها ، لحظة زعزعت رتابة الجحيم الذي بنيت على مدار السنوات العشر الماضية. كان الأمر غريبًا، بل و مريبًا. لم يحدث قط أن مُنح شيئًا دون مقابل في هذا السجن الذي يسميه "حياته"، ولم يعتد أن يجد في هذا المكان سوى الضرب والإهانات والجوع. أما الآن؟ نافذة الزنزانة المرتفعة تقذف له رغيف خبز وكأنه هدية من المجهول؟ أي نوع من سخافة هذه؟ .

جلس في مكانه، وعيونه تتنقل بين الرغيف وحجارة الأرض الباردة. و الرائحة ... تلك الرائحة الدافئة التي تحملها قطع الخبز الطازج، لم يكن من السهل شمها في كثير من الأوقات ، حتى القطعة التي حصل عليها قبل عدة ساعات كانت أبرد من هذه القطعة بقليل ، حتى أنه كاد ينسى أن الطعام يمكن أن يكون أكثر من مجرد وسيلة للبقاء على قيد الحياة. لكن الشك ظل يزاحم جوعه، ينهش تفكيره كما تنهش المعدة الخاوية جدرانه الداخلية.

انتظر لدقيقة، ثم دقيقتين ، ثم ساعة و ساعتين . لا أحد جاء ليستعيد الرغيف، و لا أحد صاح غاضبًا ليأمره برميه بعيدًا أو دفع ثمنه بضربة سوط. بالمقابل ، أصبح الانتظار نفسه معضلة، شبحًا يلاحقه ويحيطه بأسوأ الاحتمالات. ماذا لو أكله؟ هل سيتم معاقبته؟ لكن ماذا لو بقي على هذه الحال؟ هل سيكون العقاب أسوأ؟ جحيم الاختيار هذا لم يقل قسوة عن الجوع نفسه.

و ببطء، مد يده، أصابعه مرتجفة بين الرغبة والرهبة، إلى أن لامست أطراف أصابعه المتهالكة سطح الرغيف. في تلك اللحظة، لم يعد هناك خيار. غرس أسنانه في الخبز ، كما لو أنه يقتطع جزءًا من خوفه معه. كان طعمه ناعمًا، دافئًا، رغم أنه بدأ يتيبس بعض الشيء. لكن لم يكن الأمر يتعلق بالطعم، بل بالحقيقة الوحيدة التي تأكد منها الآن—أنه حي بما يكفي ليشعر بلذة الأكل، وبما يكفي ليواجه أي عواقب قد تأتي لاحقًا.

و مع حلول اليوم التالي، أستيقظ بصعوبة، كما لو أن جسده قد سُحق تحت وطأة صخور ثقيلة . كان الألم منتشرًا في كل زاوية من جسده، كأن عضلاته باتت مشدودة إلى حد الانفجار، وعظامه ترفض أن تتحرك بسلاسة. حاول أن يتقلّب يمينًا ويسارًا، حتى نجح في نهاية و جلس، وإن كان ذلك بالكاد.

"أغه... جسدي يؤلمني بشدة، أكره هذا بحق..." تمتم بانزعاج، أنامله تتجول بتلقائية على صدره، معدته، وكل بقعة ينبعث منها الألم وكأنما يود أن يضغط عليها ، على أمل أن يُخمد وطأته.

رفع رأسه ببطء، متابعًا الضوء الباهت الذي بالكاد يتسلل إلى زنزانته من النافذة العالية. لم يكن هذا أمرًا جديدًا عليه، فقد عاش لعشر سنوات على هذه الحال، متنقلاً بين الأماكن وكأن حياته ليست إلا سلسلة من الزنازين المتشابهة، لكن بخرائط مختلفة.

هو عبد في "قافلة الأحلام"، القافلة التي تجوب أراضي فينغارد بحثًا عن المغامرة، الاكتشاف، والتجارة. ومثله مثل أي قطعة من البضائع، يُنقل مع القافلة إلى حيث تستقر، لا رأي له ولا خيار. هذا المكان الذي يقطنه الآن لم يكن أول زنزانة يُحتجز فيها، فقد عاش هنا لثلاث سنوات، بعد أن انتقل من زنزانة أخرى في موقع القافلة السابق. لكن مقارنةً بزنازينه الماضية، هذه أفضل... على الأقل، لديه نافذة.

قد يبدو الأمر تافهًا، لكن في حياةٍ كهذه، كل تفصيل صغير يتحوّل إلى فارق بين احتمال البقاء أو الغرق في العدم. زنزانته السابقة كانت أشبه بصندوق مغلق، لا هواء، لا بصيص ضوء، مجرد ظلمة حادة تبتلع كل من يستقر داخلها. بالمقارنة، الزنزانة الحالية تبدو وكأنها امتياز ثمين، مساحة يمكنه فيها أن يجلس ويستلقي دون أن يُرمى مكبّلًا داخل أحد إسطبلات الخيول كما كان في الماضي. على الأقل، هنا لديه جدران تخصه وحده ، مع القليل من الضوء و الهواء .

لكن ذلك لم يكن خيارًا من رحم الرحمة...جابيلين فيرلي لم ينقله إلا لسببين، وكلاهما محفور في ذاكرته كوشم لا يزول.

الأول: كي لا يكتشفه أحد بالصدفة. فجابيلين بنى سمعته على أنه الرجل الطيّب، تاجر يعامل الجميع بلطف—حتى العبيد أنفسهم. مجرد فضيحة صغيرة كفيلة بتمزيق هذا القناع إلى أشلاء، وكفيلة بجعل كل ما بناه ينهار ويتحوّل إلى رماد متناثر مع الرياح.

الثاني: لتسهيل نقله إلى الغرفة التي يُعذَّب فيها دون أن يراه أحد ( الجميع يعلم عدا العبيد و بعض اعضاء القافلة القلائل ) . غرفة موجودة في كل موقع تتوقف فيه القافلة، غرفة مربعة مظلمة بالكاد تُضاء بأربعة مصابيح في الزوايا. كان قد قضى بعض الوقت فيها يوم أمس ، وهذا وحده يكفي لجعل يومه التالي يبدأ بألم، وينتهي بتوقّع المزيد منه.

بعد ليلة عصيبة ، كان جسده يئن بصمت، متثاقلًا كما لو أن طبقات التعب قد تراكمت فوقه على مدار سنوات وليس مجرد ساعات. أغلق ثم فتح عينيه ببطء، راقب الفراغ أمامه، وأستجمع ما تبقى من قواه قبل أن يتحرك بتثاقل نحو جرة المياه الفاخرية في زاوية الزنزانة.

انحنى عليها، ثم أرتشف القليل... فقط ما يكفي ليروي نفسه بعد الاستيقاظ من النوم ، فالماء قليل ، و هذا يعني انه لا يملك رفاهية الشرب حتى الارتواء بشكل كامل . قطرات الماء الباردة انزلقت على شفتيه، وكأنها تعيد إليه جزءًا بسيطًا من الحياة التي تتلاشى معه يومًا بعد يوم.

أعاد الجرة إلى مكانها، ثم اتكأ على الجدار الجانبي—يمينًا—مسندًا رأسه إلى الحجارة الخشنة. في تلك اللحظة، لم يكن يفكر، لم يكن يخطط، كان فقط يتأمل، يترك عقله يجول في اللاشيء، ينساب في هذا الصمت الذي لم يكن هدوءًا، بل انتظارًا متحفزًا.

لم يدم ذلك طويلًا ، حيث صدح صوت فتح الباب العلوي، صليل المعدن على المعدن بدا جافاً ، كما لو أن صدى السنين المختزنة في هذا المكان أُجبر على الاستيقاظ معه.

تصلّب جسده على الفور ، وعدّل جلسته حتى لا يظهر مرتاحًا أكثر مما ينبغي. هذه قاعدة غير مكتوبة، تعلمها بالغريزة وليس بالكلمات: الراحة داخل السجن ليست امتيازًا، إنها نقطة ضعف، علامة على الاستسلام، على الاعتياد...وهو لم يكن مستعدًا لمنحهم ذلك الرضا.

لم يكن بحاجة إلى النظر ليعرف أنهم قد دخلوا . حتى قبل أن يرفع رأسه، أدرك وجود ثلاثة—رجلان وامرأة. خطواتهم كانت ثابتة، واثقة، تحمل ذات الهيبة القاسية التي ميزت أولئك الذين يأتون إلى هذه الزنزانة.

الرجلان كانا ملثمين، يرتديان الملابس المعتادة لأفراد القافلة، قماش عملي لا يحمل أي تميز. وجوههم مخفية تحت الأقمشة الداكنة، كأن هويتهم مجرد امتداد لوظيفة لا تتطلب ملامح، بل أفعال فقط.

أما المرأة، فقد بدت مختلفة. ملابسها لم تكن مجرد قطعة رثة كالبقية، بل أكثر عصرية، مصممة بطريقة تجعلها أنيقة دون أن تكون متبرجة. الملابس ملتصقة بجسدها، نعم، لكنها لم تكن فاضحة—بل كانت تحمل تناسقًا يوحي بنوع من السلطة الصامتة، تلك التي لا تحتاج إلى الصراخ لتُحترم. ومع ذلك، أكثر ما أثار القلق، لم يكن ملابسها، بل السوط المعلق على خاصرتها...كل من يدخل هذه الزنزانة يحمل واحدًا.

"هيا قف، سوف تخرج للساحة اليوم." قالتها المرأة بنبرة خالية من المشاعر، باردة كالثلج. لم يكن فيها أدنى انفعال، لم تكن تهديدًا صارخًا، لكنها كانت أمرًا صريحًا، لا مجال للنقاش فيه .

في اللحظة التي نظر إليها، عرف أنها ليست كبيرة في العمر من خلال ملامحها الشابة، مزيج غريب بين الطفولة التي لم تكتمل والصلابة التي تشكّلت رغم ذلك. قوامها الجسدي يثبت ذلك، وشعرها الطويل المربوط للخلف بلون الكستناء يزيد من ذلك الانطباع. لم تكن طويلة للغاية، لكنها لم تكن قصيرة أيضًا، مما أعطاها حضورًا يجذب الانتباه بين الآخرين دون أن تسعى إليه.

لم يكن عليه التفكير كثيرًا في الرد . بمجرد أن سمع كلماتها، نهض مباشرة.

في نظرته الأولى إليها، أدرك أنها مستعدة في أي لحظة لسحب السوط وجعله يرقص على جلده دون الحاجة إلى لحن. بدلًا من الإفطار على ضربات سوط، فضّل البقاء جائعًا.

فتح باب الزنزانة، تقدم الرجلان بالأصفاد، لم يكن هناك كلمات، لا حاجة لها. الأول سحب يديه، الثاني وضع الأصفاد بعنف قليل، ثم بدأ السير. خطواته ثقيلة، غير متزنة، كأن جسده كان يرفض التحرك لكنه مُجبر على الطاعة.

ثم جاء شيء غير متوقع.

راحة يد المرأة وضعت على صدره. لم يكن الأمر قوياً، لكنه كان مفاجئًا بما يكفي ليجعل قشعريرة تسري في جسده دون إرادة منه. اتسعت عيناه للحظة .

"لن تخرج بدون أن تضع عصابة العين، هذه أوامر السيد جابيلين." قالتها بذات البرودة، بذات الجفاء الذي لم يتغير.

ومع ذلك، لسبب ما، شعر براحة غريبة غزت فؤاده. لم يكن الأمر مجرد فرض عصابة العين... بل الإحساس، للحظة وجيزة، شعر بأنها قد تفعل شيئًا غير مألوف له.

ومع ذلك، لم يكن لديه الوقت ليحلل هذا الشعور، ولا القدرة على ذلك. بمجرد أن غطّوا عينيه، تلاشى العالم المرئي، وحلّ محله ظلام ثقيل لم يكن مجرد غياب الضوء—بل غياب السيطرة . أمسك الرجل الأول بكتفه الأيسر، والرجل الثاني بكتفه الأيمن، قبضتهما ثابتة، غير قابضة بشدة لكنها لا تسمح له بالانفلات. لم يكن هناك حاجة للعنف، فالعصابة وحدها كافية لجعله يدرك أن الخيار لم يكن بيده. وأمامهم، المرأة تسير بخطوات واثقة، إيقاع خطواتها منتظم، يصدح على الأرضية الحجرية بصوت حاد يصل إلى مسامعه بوضوح، يطغى على وقع خطواته هو—المتراخية، الثقيلة، وكأن جسده لم يقرر بعد كيف يتعامل مع هذا الوضع.

كل خطوة كانت تقرّبه أكثر إلى المجهول، إلى الساحة التي تم ذكرها على مسمعه . لا يعرف كيف تبدو، لا يملك صورة واضحة لها في ذهنه، فقط يعرف أنها ليست مكانًا اعتاد عليه، وليست مكان يتوقع منه شيئًا جيدًا. ومع كل حركة، مع كل دفعة صغيرة تُوجه له ليتحرك للأمام، كانت أعصابه تتمدد أكثر، ذلك التوتر القابع بداخله يتصاعد، حتى صار كأنه جزء من الهواء الذي يتنفسه.

لم يكن الشاب قادرًا على رؤية شيء. القماش السميك الذي غطّى عينيه لم يترك مجالًا حتى لوميض خافت، لم يكن مجرد عتمة، بل عزلة مفروضة، فُراغ ثقيل لا يُملأ إلا بالأصوات . الأصوات وحدها هي التي منحته إدراكًا بما حوله—خطوات الأقدام، إيقاعها المنتظم الذي طغى حتى على أنفاسه الضعيفة.

بعد دقائق من المسير، شعر بشيء مختلف... دفء خفيف يلامس جلده، يتسلل إليه كما لو أنه ذكرى من زمن بعيد، دفء لم يشعر به منذ فترة طويلة. كأن جسده، رغم كل ما مر به، لا يزال قادراً على تمييز الأشياء التي تشبه الحياة.

ثم، دون مقدمات، شعر بيد المرأة تفك عصابة عينيه.

حتى ومض ضوء الشمس في عينيه بغتة، تطلب منه لحظات ليعتاد على العالم المرئي من جديد . بقي ساكنًا، متأملًا، تفحص المكان جيدًا رغم وجود الشعر الذي كان يغطي وجهه جزئيًا، حاجزًا جزءًا من رؤيته كما لو أنه بقايا سجن لم يتخلص منه تمامًا.

كانت ساحة ترابية واسعة، محاطة بسياج من الصخور المتراصة ببراعة—صلبة، عملية، لا تسمح بالهروب . هناك، رأى أشخاص آخرين... عبيد مثله، محملين بالصناديق الخشبية، يسيرون نحو وجهة مجهولة، وجوههم غارقة في التعب ، رغم ذلك ، كانوا في حالة أفضل منه ، أفضل بكثير . لم يكن لديه وقت ليستوعب أكثر، إذ سرعان ما شعر بيدي المرأة تمسكه من الخلف، دفعة قوية أجبرته على التقدم.

"عليك بالجلوس هناك، ولا تبرح مكانك قط، وإن فعلت، فأنت تعلم ما سوف يحدث لك... عشر سنوات كافية لتدرك نتيجة أي فعل قد تقدم عليه ."

نبرتها كانت قاسية، حادة، لا أثر فيها لتعاطف أو شفقة، كأن الرحمة مصطلح لا وجود له في قاموسها. كانت كلماتها أشبه بصفعة باردة، لا تحتاج إلى ارتفاع الصوت لتترك أثرها داخله.

لم يعترض، لم يناقش، فقط فعل ما طُلب منه.

أرشده الى نقطة بالقرب نن الجدار الحجري ، هناك حيث يتواجد صندوق بجانب الجدار ، لم يجلس فوقه، بل اكتفى بالجلوس بجواره، مسندًا ظهره على الحائط الصلب، كأنه يحتاج إلى شيء ثابت كي لا يسقط . هناك حيث تركته المرأة القاسية، تحت مراقبة الرجلين اللذين كانا معها، ليجد نفسه أخيرًا في الخارج... خارج الزنزانة الرطبة.

"الجو جميل اليوم... لكن أطرافي... لا يمكنها تحمل ذلك، أشعة الشمس وملوحة الأرض..." تمتم ببعض الكلمات بصوت منخفض ، بالكاد يمكن سماعه .

تأمل السماء للحظات، لكن تفكيره كان في مكان آخر تمامًا. كانت أطرافه تحمل آثار اقتلاع مؤلم، ليس بترًا، بل انتزاعًا قسريًا لأظافره من يديه وقدميه، ترك ندوبًا لم تلتئم تمامًا، وألَمًا لم يهدأ رغم مرور الوقت الذي يقال إنه أفضل علاج .

الأظافر ليست مجرد طبقة صلبة تنمو، بل امتدادٌ مباشر للنهايات العصبية في الجلد. اقتلاعها بهذه الطريقة ترك الأعصاب مكشوفة، حساسة لأي مؤثر خارجي، وجعل كل لمسة، كل احتكاك، مصدرًا لألم حارق لا يهدأ.

التشخيص الطبي لحالته قد يُدرج تحت "التهاب مزمن في سرير الظفر" و"آلام عصبية مستمرة"، حيث تظل المنطقة مكشوفة ومعرضة للتهيّج الدائم. الجلد في أماكن اقتلاع الأظافر لم يعد طبيعيًا، بل أصبح أكثر سماكة في بعض النقاط، وأكثر هشاشة في نقاط أخرى، مما جعله عرضة للالتهابات المتكررة، وأحيانًا للنزيف المفاجئ إن تعرض لضغط غير محسوب.

بالنسبة لقدميه، كان فقدان الأظافر يعني أنه يسير دائمًا على أرض غير رحيمة، حيث يواجه ملوحة التربة كأنها شفرة تقطع طبقات الجلد المكشوفة. كان الألم يأتي على شكل موجات متفاوتة، بين الخدر المؤلم حين تتكيف الأعصاب على الأذى، وبين ضربات حادة حين يشتد الضغط أو عندما تلامس الأرض الساخنة أماكن الجروح القديمة.

كل خطوة كانت ثمنًا، كل حركة كانت عقوبة غير معلنة، ومع ذلك، ظل واقفًا، ورغم كل هذا ، ما زال صامدًا . كأن هناك شيئًا يدفعه للبقاء، للتماسك، حتى حين يكون كل شيء داخله منهاراً .

و بعد ساعات ، حلت شمس الظهيرة، حيث بقي الشاب جالسًا في مكانه، بلا حراك، متكئًا على الجدار . احتضن قدميه بذراعيه ، برفق شديد ، وكأنه يحاول أن يجمع جسده في كتلة واحدة حتى لا يتبعثر ، بينما كان ينتظر بصمت ما سيؤول إليه مصيره. كان الرجال الذين تركتهم تلك المرأة الصارمة في أماكنهم منذ الصباح ، أعينهم مثبتة عليه، كأنه وحده في هذا العالم، كأنه محور رؤيتهم ، بينما العبيد الآخرون، على الرغم من تباطؤ بعضهم في العمل، لم يُحاسبهم أحد، لم يلتفت إليهم مراقب، أما هو؟ فأن ارتكب خطأ واحدًا، فسيتلقى وجبة من الضربات الغير ضرورية .

لقد أصبح منبوذًا ، او بتعبير أدق ، لطالما كان كذلك ، أشبه بطيف لا يُلتفت إليه. حتى حين أُجبر العبيد الأخرون على المرور بالقرب منه، اختاروا طريقًا أطول، تفادوه كما لو أنه لعنة . لا أحد يقترب، و لا أحد يهمس ، و لا أحد يمد نحوه يدًا تحمل شيئًا من العزاء. وهو يعلم السبب جيدًا… فهو في أعينهم دمية جابيلين، ذاك المتفرج محب الألم، الذي راق له المشهد، واستطاب له صوت الأنين، حتى بات لا يستحق أن يُعامل سوى كشيء منبوذ، لا مكان له بين البشر.

وهكذا استسلم، لم يعد يفكر في بناء أي رابطة أو امتلاك صلة بأي أحد، فقد أدرك، بما لا يدع مجالًا للشك، أنه لم يعد كغيره، لم يعد سوى عبد بلا قيمة ، و ربما أقل من ذلك حتى ، إنه…الملعون .

ومرت الساعات، حتى صار قرص الشمس عموديًا فوق رأسه، يسقط حرارته عليه بلا رحمة. لا ظل يحميه، ولا ملجأ يقصده، سوى ذلك المكان الذي يقف فيه الرجال المراقبون بعيدًا عنه. بدأ الشعور بالدوار يتسلل إليه، جسده يغلي بفعل حرارة الشمس، وجروحه المتقيحة تصرخ تحت سيل العرق المالح المتصبب، حتى أن ملابسه ابتلت، و ألتصقت بجلده ، مما زاد الألم سوءًا.

لم يكن يرتدي سوى قميص أسود قصير الأكمام، خفيف القماش، وسروال من ذات النوع، يستر جسده بالكاد، لا يقاوم حرًا، ولا يصد بردًا. لكن ما الفائدة من ذلك؟ فلا شيء يقيه من ألمه، لا شيء يحميه من واقعه القاسي، سوى أن يغمض عينيه، ويسمح للوقت بأن يبتلعه أكثر.

في تلك اللحظة، كاد أن يسقط، جسده متثاقل، رأسه يدور، كل شيء حوله فقد تماسكه، لكنه لم يكن يملك حق الانهيار، لم يكن ذلك خيارًا متاحًا حتى . لو فقد وعيه الآن، لن يكون ذلك إلا دعوة مفتوحة لتلقي العنف ، سيتقدم الرجلان نحوه بلا رحمة، سيقتلعانه من غيبوبته بضربات لا مجال للتفاوض فيها ، وما من حاجة للمزيد من الألم، جسده محطم بما فيه الكفاية، جلده ممزق، أطرافه موشومة بالكدمات والجروح التي لم تلتئم بعد، فما الجدوى من إضافة المزيد؟ .

تحلى بالصبر. ثم المزيد من الصبر. كان الأمر كأن الوقت ذاته تحداه، كأن الساعات امتدت بلا نهاية، تمتص قوته شيئًا فشيئًا. ورغم ذلك، تمسك بذلك الأمل الضئيل، ربما يجره أحدهم إلى الداخل .

أغمض جفنيه للنصف ، كان لا يزال واعيًا، لكنه تمنى، للحظة واحدة فقط، أن يهرب من هذا الوجود، أن يتلاشى. ولكن في تلك اللحظة ، لمح المرأة الصارمة و هي تقترب ، خطواتها كانت ثابتة، مدروسة، لا عجلة فيها ولا تردد، كانت تقترب، وكان عليه أن يراقب، إن كان لديها شيء لتقوله، فلا بد أن يكون مهمًا.

توقفت أمامه مباشرة، تأملته للحظات، و بنبرتها الباردة المعتادة، قالت: "الجو حار هنا، أليس كذلك؟"

كان سؤالها أبعد ما يكون عن التعاطف. لم يكن سؤالًا يستوجب الرد، لم يكن إلا اختبارًا جديدًا. لكنه لم يملك سوى الإجابة، كان عليه أن يرد، مهما كان ذلك عبثيًا.

"أجل، إنه… كذلك."

ظل الصمت يحوم بينهما، لم تقل شيئًا، لم يتحرك شيء سوى النسيم المتقطع الذي لم يكن كافيًا ليمنح أي راحة. الترقب زاد من جهة الشاب ، كان أشبه بحصار غير مرئي، وكأن أي كلمة قادمة ستُثقل الهواء أكثر مما ينبغي.

وأخيرًا، نطقت : "اسمع، القافلة ستغادر هذا الموقع، ستنتقل إلى مكان جديد، تم تجهيز العربات والخيول لهذه الرحلة."

قالتها بلا انفعال، بلا اهتمام، وكأنها تخبره بأمرٍ لا يعنيه. أخرجت منديلًا من جيبها ومسحت العرق عن جبينها بحركة هادئة، وكأن الشمس لا تؤثر عليها كما تفعل به، وكأنها منفصلة عن هذا الجحيم.

فهم الأمر، لكنه لم يستطع ترك الفضول يمر دون مقاومة.

"تغادر القافلة؟ لكن… إلى أين بالتحديد؟" سأل الشاب .

"إلى مملكة كارتوغا، حيث قرر السيد جابيلين العودة إلى موطنه. هل سيستقر هناك؟ لا أعلم." ردت المرأة.

كانت كلماتها مباشرة، بلا وزن، بلا أي دلالة عاطفية، وكأن هذا الحديث مجرد إجراء لا يحمل أي أهمية.

للحظة، تفاجئ من عدة اشياء في الوقت عينه . جابيلين سيعود إلى موطنه، مملكة كارتوغا؟ ، ولكن الأغرب من هذا هو أن المرأة الصارمة ردت عليه ببساطة، بلا تهديد، بلا احتقار. كان هذه أول يتحدث فيها أحدهم إليه بدون أن ينطق بالشتم او الضرب .

تردد قليلًا، ثم نطق، نبرته مشوبة بذلك الألم الذي لم يعد يفارقه : "وهل سيتم أخذي أيضًا؟"

توقفت عيناها عليه، بؤبؤها الأرجواني حاد وثاقب، نظرة لا تترك مجالًا للشك، ثم ردّت، بصوت كان واضحًا بما يكفي لإنهاء أي نقاش: "أجل، ولهذا عليك الوقوف الآن. يجب أن تصعد في العربة التي ستنقلك… وهذا بالتأكيد ليس طلباً ، بل أمر."

كانت نبرتها واضحة، لا رحمة فيها ولا شفقة، تمامًا كما كان الحال منذ الصباح معها، وكما يبدو، سيحصل الشاب على زنزانة جديدة في مكان جديد. لم يكن ذلك مفاجئًا، بل كان مجرد استمرار منطقي لما يحدث، لكنه رغم ذلك، لم يستطع كبح أمله، أملٌ ضئيل بأن تكون الزنزانة القادمة على الأقل بنفس جودة زنزانته الحالية، ولو بالقليل.

ما إن سمع أمرها، حتى حاول الوقوف، لم يكن ذلك سهلاً، ساقاه بالكاد تحملانه، الألم الناجم عن إلتهاب الجروح حيث انتُزعت أظافره كان أشبه بسياط تغوص مباشرة في أعماق جلده، لكن السقوط لم يكن خيارًا، ولا التباطؤ كذلك. فور أن أصبح واقفًا، تقدم الرجلان اللذان كانا يراقبانه طيلة الوقت ، و كأنهما حصلا على أوامر مسبقة ، لم يكن هناك تردد في حركتهما، كل واحد منهما أمسك بكتف من أكتافه، بقبضة ثابتة، مما جعله أكثر اتزانًا رغم الألم الذي يزحف ببطء بين مفاصله.

كانت خطواتهم تتجه نحو مكان جديد، مكان لم يره من قبل، للحظة، بدا وكأنه يعبر الساحة التي اعتادها، ثم يدخل في ممر حجري بسيط في تصميمه، لكنه رغم بساطته، ترك أثرًا غريبًا في نفسه، هناك شيء ما في هذا المكان، في الجدران المتماسكة، في الأرضية التي تبدو وكأنها تحمل تاريخًا لا يُعرف، شيء جذب انتباهه رغم الإرهاق الذي يثقل وعيه.

واصلوا السير حتى توقفت المرأة فجأة، و ألتفت حول نقطة محورها ، اقتربت منه بخطوات ثابتة، ثم أخرجت قطعة قماش من حقيبة صغيرة مربوطة على خصرها، لم تكن بحاجة إلى شرح، ولم يكن بحاجة إلى أن يسأل، حين رفعت القماش ولفته حول عينيه، لم يقاوم، فقط انتظر.

"لنُكمل السير الآن."

قالتها بنفس النبرة المعتادة، وكأن كل ما يحدث كان مجرد إجراء روتيني لا يحتاج إلى تفسير.

تفهم الوضع، فهم أكثر مما يريد أن يفهم، هناك أشياء لا يجب أن يراها، سواء كان ذلك لسبب أو بلا سبب، لم يكن الأمر يهمه، لم يكن لديه إمكانية التساؤل، كل ما أراده هو أن يمر هذا اليوم دون أن يتم استدعاؤه لتمثيل مشهد تعذيبي آخر أمام جابيلين المختل، فذلك كان كابوسًا يستحق أن يتجنب التفكير فيه.

مع كل خطوة جديدة، شعر بتغير الأجواء من حوله، حرارة الشمس ثم رطوبة خانقة، ثم ظلٌ بارد بالكاد يخفف من وطأة الإرهاق، الأرض تحت قدميه تغيرت مرارًا، تراب، ثم حجر، ساخن مرة، معتدل مرة ، التباين كان مربكًا، وكأن المسافة التي يقطعونها تتجاوز مجرد تغيير المواقع.

" أين تقبع العربات بالتحديد؟" فكر الشاب

أصوات داخلية ازدحمت في ذهنه، يحاول أن يفهم، يحاول أن يقدّر كم المسافة التي قطعها، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا على الأقل—قدماه تؤلمانِه بشدة، لا يمكنه الوقوف أكثر.

و أخيرًا، توقفوا عن السير.

هذه المرة، شعر بأنه يقف على أرض ترابية، ولم يكن الظل ثابتًا، كان يتحرك بخفة على جلده الشاحب، كما لو أنه يعكس شيئًا أعلى منه. قبل أن يتمكن من التفكير فيما قد يكون، أُزيلت عصابة العين، واندفع الضوء إلى حدقتيه، مما أجبره على إغماضهما للحظات قبل أن يستعيد تركيزه.

ما رآه أمامه لم يكن ما توقعه.

الساحة كانت واسعة، أكبر مما تخيل، وكانت العربات متراصة واحدة تلو الأخرى، كل واحدة متصلة بتيار من الحركة والاستعداد للرحيل. لكن أكثر ما أثار انتباهه، العربة التي يقف أمامها، كانت مختلفة، تصميمها لم يكن مجرد إطار بسيط محمول على عجلات، بل أشبه بغرفة صغيرة من الخشب، وكأنها بُنيت لتحمل أكثر من مجرد حمولة عادية.

دون وعي، رفع رأسه قليلًا، أدرك حينها أن الظل المتحرك فوقه لم يكن إلا ظل شجرة، مجرد شجرة… لا أكثر، لا أقل.

"ارموه في الداخل وأغلقوا باب العربة جيدًا، وأثناء الرحلة، ابقوا أعينكم متيقظة، أوامر السيد جابيلين واضحة ولا تحتاج المزيد من التوضيح، مفهوم؟"*

نبرة المرأة كانت حادة، واضحة، لا مجال للنقاش.

"مفهوم!" جاء الرد من الرجلين، بنفس الانضباط الذي كان متوقعًا.

الشاب أدرك حينها أن هذه العربة ستكون له، ستكون وسيلة نقله إلى مركز آخر، وجهة جديدة لا يعلم عنها شيئًا، لا سبب له فيما يحدث، لكنه كذلك لا يملك خيارًا، كان مجرد قطعة يتم نقلها كغيرها، كأن يومه هذا مر بسرعة لم يستوعبها، لم يكن مجرد ساعات، بل لحظات انقضت بلا توقف، لم يكن هناك متسع لإدراكها، والآن… لم يتبقَ سوى الرحلة القادمة، رحلة لم تكن ضمن الحسابات. .

2025/05/06 · 62 مشاهدة · 3485 كلمة
Gorox
نادي الروايات - 2026