كان القرار كطعنة من الخلف.

فجأة، ومن دون مقدمات أو تمهيد، قرر جابيلين فريلي أن تنتقل القافلة إلى مملكة كارتوغا. بدا الأمر عبثيًا و مريبًا، كان القرار يحمل في طياته خرقًا للعادة التي اشتهرت بها قافلة الأحلام، تلك القاعدة الغريبة التي تُعرف بين أفرادها بـ"أربعة هنا وأربعة هناك". اسمها وحده كافٍ ليثير السخرية، ومع ذلك، كانت عند جابيلين شيء خاص.

القافلة تستقر في كل أرض لأربع سنوات. لا أكثر و لا أقل . ثم ترحل لمكان آخر ، و على هذه الحال ، وهذا هو النظام الذي حفظه كل من انضم إليهم. لكن الآن؟ لم تمر أربع سنوات بعد. ورغم ذلك، صدر القرار بالإنتقال . و كأن شيء ما جعل جابيلين يغير رأيه و يخرق عادته التي أشتهر بها .

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في كسر القاعدة، بل في وجهة الرحلة بحد ذاتها ... كارتوغا . اسم تلك المملكة وحده كان كافيًا ليوقظ في أعماق الشاب عاصفة من المشاعر المتضاربة. هناك، في تلك الأرض ، كان لقاؤه الأول مع جابيلين فريلي، التاجر المجنون و المنافق، الذي غيّر مجرى حياته إلى الأبد. شعر، للحظة، بشيء يشبه الحنين... لكنه كان حنينًا مسمومًا، خليطًا من الضعف والغضب، من الذكر و الرغبة في اللعن .

لم يكن الشاب راغبًا في الذهاب. بل كان في داخله يقاوم، يحتج، يصرخ في صمت. لكن هل يمتلك الحق في الرفض؟ بالتأكيد لا. ففي هذه القافلة، لا مكان للاختيار. الأوامر تنزل من الأعلى، بحدة لا تقبل النقاش، وتُنَفَّذ كما هي، دون تأخير. و بناء على هذا ، أمتثل الرجلان لأوامر المرأة الصارمة ، تلك التي لا تتردد في فرض سلطتها، فوضعوا الشاب في عربته الخاصة، وأغلقوا الباب بإحكام، ثم انصرفوا لإتمام الاستعدادات.

داخل العربة، وجد الشاب نفسه وحيدًا، مستلقيًا على ظهره في مساحة خالية إلا من صدى أفكاره . كانت العربة واسعة بما يكفي ليشعر ببعض الراحة، خالية من الرطوبة أو الروائح الكريهة. لحظة قصيرة لكن نادرة، شعر فيها بأنه إنسان... لا شيء أقل من ذلك ، لا شيء مكسور. فقط بشر، كما يجب أن يكون.

تصميم العربة كان بسيطًا، شبه بدائي، بلا زخارف ولا شيء يستحق الذكر . على جانبيها فتحتان صغيرتان، مربعتا الشكل، تسمحان بدخول نسيم خفيف، وتتيحان له مراقبة الطريق وهو يمر أمام عينيه ببطء. كانت تلك الفتحات نافذته الوحيدة إلى العالم، وإلى حريته المبتورة . كانت العربة، في تلك اللحظة، عالمه الصغير. عالم يحمل بذور التناقض: العزلة والطمأنينة، الأمان والقيود، الأمل واليأس.

لقد كانت فرصة نادرة لتجربة شعور بشري بسيط — حرية محدودة في أن يتنفس، أن يراقب، أن يتخيل. ومع ذلك، لم يكن جسده متعاونًا. الألم المستمر، المعتاد، عاد لينهش أطرافه ببطئ . مجبراً على الرضوخ مرة أخرى لقيود جسده، أن يقبل بعجزه، وأن يركّز فقط على النجاة ... لا أكثر.

بعد فترة من الانتظار داخل العربة المغلقة، سمعَ الشاب صوتًا يأتيه من الخارج. أحد رجال القافلة أقترب نجو العربة ، و من خلال الفتحة اليمنى للعربة ، تحدث قائلاً: "مسترخي هاه؟ لا بأس، إنها اللحظة الوحيدة التي ستسترخي فيها على أي حال." ثم ضحك ومضى مبتعدًا بخفة .

سمع الشاب كلماته بوضوح، لكن جسده لم يسعفه ليقوم برد فعل. كان الألم قد تسلل إلى كل جزء من جسده ، حتى أصبح تحريك إصابع يده تحديًا مؤلمًا. ورغم ذلك، بدأ يحاول. أولاً بتحريك أطرافه، ثم رأسه، ثم محاولة رفع جذعه ببطء. كل حركة كانت تولد المزيد من الوجع ، و كأن جسده مصاب بالجروح و الكدمات من الداخل ايضاً . ومع القليل من الإصرار ، استطاع أخيرًا أن يسند نفسه على الجدار الخشبي للعربة، مُحدثًا صوت ارتطام خافت. حيث أنه ألقى بجسده عليه كمن يلجأ إلى شيء ليساعده ، ثم استقر جالسًا، يلهث بصوت متقطع كأن الهواء من حوله ثقيل و خانق .

غاب بعدها في صمت ذهنه، يتحمل الوجع الذي أبى أن يتركه ، لكنه تعلّم كيف يتنفس تحته. خلال شروده في تفكيره ، استعاد صورة لشخص لم يرَ وجهه قط، لكنه بقي محفورًا في ذاكرته كذكرى دافئة وسط صقيع هذه الحياة التي تأبى تقديم أي رحمة في وجهه . أيدي... هذا هو كل ما كان يتذكره عنه، مجرد اسم لرجل كان له أثر أكبر من ملامح يمكن وصفها.

قبل ثلاث سنوات، حين كانت القافلة متمركزة على حدود مملكة فيريل، تحديداً عند الجنوب الشرقي ، بالقرب من النهر القاسم، الذي يقسم قارة فينغارد لقسمين ( فينغارد الشرقية و فينغارد الغربية ) . كان الشاب في زنزانة أقرب ما تكون إلى قبر. هناك، حيث يتقاطع الصمت مع العفن، تعرف على إيدي . لم تكن الزنزانة إلا غرفة سميكة من الطوب الحجري المصفوف ، باردة، ثقيلة في أبوابها، ومكتظة بالعزلة. كان الليل فيها أشبه بكابوس لا نهاية له ، وكانت الهلاوس تنهش عقله في العتمة، تدفعه للحركة بعشوائية مفرطة ، كمن يحاول التمسك بعقله قبل أن يفقده .

وفي أحدى تلك الليالي، سمع صوتًا يأتي من الجدار. لم يكن وهمًا ، بل شخصًا يتحدث إليه. كان هذا أيدي ، عبدٌ في الزنزانة المجاورة، أستطاع إزالة طوبة من الجدار الحجري، وفتح ثغرة صغيرة بحجم الكف. لم يكن أحد من رجال جابيلين يعلم بأمر تلك الفتحة، ببساطة لأنهم لم يكلفوا أنفسهم النظر جيدًا لأكتشافها .

حديثهما كان موعده في الليل ، بعد يوم شاق للأثنين . أيدي لم يكن مجرد عبد سجين ، بل رجل يمتلك فكرًا مختلفًا، كان يتحدث بعقلٍ متزن، بثقافة واضحة، بعلم لم يكن من الواقعي أن يمتلكه مجرد عبد ، بل شخص ذو مكانه خاصة و له احترامه . و مع مرور الأيام، بدأ يغرس في عقل الشاب بذورًا صغيرة من الفهم، يعلمه كيف يفكر، كيف يربط، كيف ينظر إلى العالم ككائن حر . ما قاله فريد لم يكن كثيرًا، لكن أثره بقي. كان ينير عقل الشاب بكلمات بسيطة و مفاهيم سهلة يعرفها الجميع ، ترك له أفكارًا ينشغل بها بدلاً من أن ينهشه الجنون في الظلمة.

وها هو الآن، في هذه العربة، يعود في ذكرياته فقط عن ذاك الرجل الذي لم يمنحه سوى المعرفة. لم يكونا صديقين، لم يتشاركا خبزًا او ملحاً ، لكن أيدي منحه شيئًا لم يمنحه أحد... منحه فرصة ليشعر بأنه إنسان قادر على الفهم. وهذا وحده كان يكفي لكي يظل اسمه حيًا في عقل الشاب.

لكنه شعر بالحزن. ليس لأن الذكرى موجعة، بل لأنه لم يكن قادرًا على تقديم أي شيء بالمقابل. لم يكن يملك شيئًا آنذاك، فقط جسدًا نحيلًا وروحًا تتأرجح بين الحياة و الموت الغير ممكن . وحتى تلك الروح، لم يكن متأكدًا حتى إن كانت ستبقى معه طويلًا أو يخسرها ايضاً .

وبينما تزدحم أفكاره، وتستعيد ذاكرته أنفاسها القديمة، تحركت العربة ، لتقطع سلسلة افكاره و تعيده للواقع . اهتز جسده قليلًا، لكنه لم يسقط. كان التوازن هشًا بالفعل بالنسبة له ، كما لو أنه تذكير بأن الاستقرار في هذا العالم مجرد وهم مؤقت، وأن حتى لحظات الاسترخاء، لا تأتي دون ثمن.

أدار رأسه ببطء نحو الفتحة الصغيرة إلى جانبه الأيسر، بالكاد استطاع أن يحرّك عنقه المتشنجة، لكن المشهد خلف الفتحة بدأ يتغيّر أمام عينيه المتعبتين. الأشياء تظهر وتختفي كأنها أطياف، إلى أن جاءه الصوت مجددًا، هذه المرة من الجهة اليمنى كما في المرة السابقة .

"لقد بدأت الرحلة، حاول أن تستمتع... طالما هو ممكن"، قال الرجل بصوت خافت، قبل أن يضحك ويبتعد، تاركًا الشاب وحده مع ما تبقى من وعيه.

لم يستطع الشاب أن يلتفت إليه، جسده لم يعد يطاوعه، ورقبته كانت اقرب لتكون متحجرة . في تلك اللحظة، نزلت دمعة من إحدى عينيه، سارت بهدوء على خده الشاحب . لم يكن يعرف بماذا يشعر حينها . كانت مشاعره مثل فوضى تصرخ وسط فارغ لا صدى فيه . وبشكل مفاجئ ، ارتسمت على وجهه ابتسامة مريبة، تبعتها ضحكة جافة، خافتة، لا تحمل أي أثر للعقلانية.

"أريد أن أموت"، نطق بها كمن لفظ آخر ما تبقى داخله من رغبة.

كانت كلماته مفاجئة، غريبة، وكأنها خرجت من شخص آخر يسكن جسده. يبتسم ويبكي في الوقت نفسه، لا يبدو محطمًا، ولا يبدو سليمًا أيضًا. كان مزيجًا محيّرًا من شيء لا يمكن وصفه، وكأن روحه تصرخ من الداخل، لكن دون صوت من الخارج . الألم في داخله لم يكن جسديًا فقط... كان أعمق من ذلك بكثير كما يبدو.

العربة بدأت تتحرك، ببطء، كأنها تشق طريقها بهدوء ، وسط اصوات حوافر الخيول و العجلات الخشبية العتيقة . يبدو أنهم يحملون شيئًا ذا قيمة، أو ربما شخصًا لا يريدون لفت الأنظار إليه. لكن الغريب في الأمر، أن جابيلين لم يكن برفقتهم. غيابه لم يكن عاديًا، فالقافلة لا تتحرك عادة دون أن يتقدمهم قائدها. ومع ذلك، تحركت.

في المقدمة، كانت تسير تلك المرأة الصارمة، على ظهر حصان أسود بشَعر أبيض ناصع، مظهره فريد لا يُنسى. إلى جانبها، كان هناك رجل ذو بنية جسدية قوية، شعره أشقر وملامحه ساحرة مملوءة بالثقة. ملابسه أنيقة ومرتبة، تكاد تضاهي جودة ما ترتديه المرأة الصارمة ، وربما تفوقها. سلاحه يلمع بثقة، سيف طويل بمقبض أسود وفضي، مشدود إلى خاصرته، مستقيم بشكل يوحي بالهيبة .

"تبدين عابسة، يا ماري. هل ضايقك أحدهم؟" قال الرجل، صوته يحمل ودًّا خفيفًا وشيئًا من المزاح.

تنهدت المرأة الصارمة التي تحمل أسم ماري، تأخرت قليلًا، لكنها ردت في النهاية ببرودها المعتاد: "هذا لا يعنيك، إيرك."

ابتسم الرجل المدعوا إيرك ابتسامة خبيثة، ثم قال: "هل هو بسبب ذلك الملعون؟ ربما أؤدّبه قليلاً، ألقّنه درسًا بسيطًا على جلده القذر حتى لا يزعج آنسة مثلك. ما رأيك؟"

عبست ماري بوضوح، لكنّها تماسكت. سحبت نفسًا عميقًا، ثم قالت: "لا، ليس بسببه. لم ينبس بكلمة منذ أخرجته من الزنزانة، ربما فقد صوته، أو ببساطة لا يريد الكلام. في كلتا الحالتين، لا أهتم."

ثم حثّت حصانها ليتقدم خطوة إلى الأمام، وأردفت: "وتعلّم منه شيئًا على الأقل ، الصمت نعمة. لو أنك تتقن الصمت مثلما تجيد الإزعاج، لعشت أطول." . قالتها بصوتٍ ثابت، بنبرة لم تتغيّر، لكن السخرية كانت واضحة هذه المرة.

إيرك لم يرد بشيء كبير ، فقط اكتفى بقول: "حسنًا، أيتها الآنسة." ثم سكت، ابتسامته اختفت للحظة، لكنها عادت، وإن كانت هذه المرة تحمل شيئًا من الغضب المكبوت.

واصلت القافلة طريقها نحو الجنوب، رغم أن وجهتهم الحقيقية تقع في الشمال، حيث مملكة كارتوغا. على الخريطة التي فتحتها ماري، كان واضحًا أنهم الآن داخل أراضي مملكة كورنتورا، تلك المملكة الواقعة في القسم الشرقي من القارة ( فينغارد الشرقية ) . ومن هناك، تحرّكت قافلة الأحلام، باتجاه مختلف عن المتوقع. فالطريق الجنوبي، كما أمر جابيلين، كان مقصودًا.

جابيلين، الذي لم يظهر مع القافلة، تبين انه غادر مع مجموعته الخاصة ، متجهًا نحو كارتوغا شمالاً بشكل مباشر ، على الأرجح في اليوم نفسه الذي شهد فيه تعذيب الشاب. قراره كان واضحًا، لا للتردد فيه.

"يا آنسة، لماذا نتجه جنوبًا؟ أليس من المفترض أن نذهب إلى الشمال؟ أعرف الاتجاهات، لذلك أعلم أن هذا ليس الطريق الصحيح."

كان من تكلّم أحد رجال القافلة، مظهره عشوائي، وحديثه يعكس طبيعته الساذجة. ماري لم تبدِ أي تغير في ملامحها، وفي لحظة فكرت أن تتجاهله، لكن في اللحظة التي أرادت أن ترد فيها ، جاءه الرد من خلفه بدلاً عنها .

"سؤالك غبي. نحن نسلك هذا الطريق لتفادي نقاط التفتيش. الطريق الجنوبي يمر عبر حدود المملكة دون مراقبة، وهكذا ننقل الملعون دون صداع و مشاكل مع الحرس الملكي أو الفرسان ."

كان المتحدث رجلًا آخر، صوته مرتفع ومزعج، لكن كلماته كانت منطقية و صحيح ، فهو من اعضاء القافلة القدامى ، و قد مر بهذا النوع من التنقل بالفعل في الماضي .

تفاجأ الرجل الساذج، ثم قال بلهفة: "أوه! هذه طريقة ذكية! سنستمتع بالرحلة أذن! ، لا تجارة ولا هموم، أليس كذلك؟" ثم وجه سؤاله مباشرة إلى ماري، بصوت مرتفع كأنه طفل يريد تأكيد موافقة والدته.

بدت ماري منزعجة من صوته المرتفع، وكأن الصوت وحده أهان حضورها. نظرت إليه بنفور مكبوت، قبل أن تتدارك نفسها وتتنفس بعمق، ثم قالت ببرود قاطع: "كلا، أيها الأحمق. سنمر ببعض القرى في طريقنا، وبما أننا قافلة تجارية، فسنقوم بعملنا كما يجب. هذه ليست نزهة، بل انتقال بدافع الربح و المكاسب . لا مجال للهو. والآن، تابع السير، وتوقف عن إزعاجي."

صمتٌ ثقيل أعقب كلماتها. الرجل الساذج ورفيقه تبادلا نظراتٍ مرتجفة، بينما تسللت قشعريرة باردة إلى عمودهما الفقري، ناتجة عن نبرة ماري التي رغم هدوئها، حملت تهديدًا صريحًا. كانت كلمتها فاصلة، كالسيف حين يُسحب لا ليُشهر، بل ليقطع.

استأنفت القافلة مسيرها وسط الصمت، ولم يمر نصف يوم حتى غطّى الليل الأفق ظلامه ( لكونهم انطلقوا عند الظهيرة ) ، فتوقفت القافلة وقررت التخييم. العبيد أنزلوا من العربات بأمر من إيرك ، وبدأوا في نصب الخيام وتحضير العشاء.

أما الشاب، فبقي في عربته، كما لو أنه ظلّ غائبًا عن كل ما يدور حوله . كان يحدّق بصمت عبر الفتحة اليسرى منذ انطلاق القافلة ، بعينين منهكتين، ووجهٍ يعلوه إرهاق لم يكن جسديًا فقط، بل امتد إلى صوته الذي بالكاد خرج همسًا: "الظلام... لقد عاد الظلام مجددًا..."

لم يرَ الشمس وهي ترحل، ولا يتذكر متى شاهد ذلك آخر مرة. ومع ذلك، فكرة غياب الضوء كانت مشهدًا جميلاً في ذهنه، لحظة خاطفة أنسته شعور الانكسار الذي لازمه طوال النهار.

لكن فجأة، انفتح باب العربة متبوعاً بصوت صرير حاد. لم يتحرك الشاب فورًا. حيث استغرق منه الأمر ثوانٍ ليدرك ما يحدث، ليلتفت بعدها ببطء... فقط ليتلقى صفعة بالسوط، مباشرة على وجهه.

صرخة مختنقة أفلتت منه: "آرغــه!"، وكأن جسده لم يكن مستعدًا لأي إيلامٍ جديد.

إيرك كان يقف عند الباب، مبتسمًا بابتسامة مريضة متعجرفة، يمسك بالسوط كأنه امتداد لرغباته . دخل العربة بأندفاع ، و أمسك الشاب من شعره بقوة مبالغ فيها ، وسحبه بقوة، ثم قذفه خارج العربة ، كما لو كان قطعة غير مرغوب بها. حتى سقط فوق مجموعة من الصخور ، و أحدها حلت أسفل ذراعه مما أدى لحدوث كسر فيها ، لكونه سقط على جانبه الأيسر ، و العبد الذي كان قريب من المكان ، سمع صوت الكسر ، مما جعله مرعوباً .

"أنت مرتاح داخل العربة؟ من سمح لك بذلك؟ ماري؟ كريغ؟ أنا؟ لا أحد سمح لك!" صرخ إيرك، وهو يقترب من الشاب الذي يتلوى على الأرض. وجهه كان محمرًا من الغضب، لكن صوته حمل احتقارًا أعمق: "لم أطق رؤيتك منذ البداية. أنت قبيح، مقزز... لا تستحق حتى شفقة الكلاب."

كان الشاب يمسك بذراعه المكسورة، لا يشعر إلا بالعظم المكسور تحت راحة يده ، مما سبب له الهلع و القلق الشديد و بالتأكيد ، كمية معتبرة من الألم الخام . كل شيء فيه كان يصرخ، بدءًا من الجروح القديمة التي عادت لتنزف، وحتى أطراف أصابعه الملتهبة ، التي انتزعت منها أظافره ، حيث بدأت تنزف مجدداً . ومع كل ضربة جديدة، كانت حواسه تُسحق تحت وطأة الألم الذي يتراكم مع مرور الثواني .

إيرك لم يتوقف. ضربه بالسوط عدة مرات ، ثم ركل جسده بقوة انتقامية ، ثم ركل الحجارة نحوه لكنها لم تؤثر . لم يكن يُعاقبه، بل يُفرغ فيه كل مشاعره المضطربة بشكل جنوني ، كأنه يحاول تحطيم شيء ما داخله، ليس الجسد فقط، بل إنسانيته.

"ماري تقول أني يجب أن أتعلم منك؟ منك أنت؟!" كانت نبرة صوته تغلي بجنون أناني، وشيء من الحسد، ثم بدأ يضرب بشكل عشوائي، كما لو أنه فقد السيطرة على يده، على وعيه، على نفسه.

انكمش الشاب حول جسده بشكل غريزي ، كقنفذ مذعور، يحاول عبثًا الاحتماء من الألم و الخطر بشكل يائس . في الوقت عينه ، أحد العبيد كان وقفاً مصدومًا، مذهولًا من هذا الاستعراض الوحشي للقوة، مشهد جسّد فيه مبدأ " القوي يأكل الضعيف " بأبشع صورة.

ثم، وفي اللحظة التي كان الشاب على وشك أن يصرخ أخيرًا ليطلق العنان لألمه ، ماري تقدمت من العدم و صفعت إيرك على وجهه ، مما أسفر عن احمرار وجهه من شدة الضربة ،

صفعتها على وجه إيرك كانت قوية، حادة، خاطفة. صوتها قطع الليل الحاد اقوف كل شيء ، و جمع بقية المتواجدين ضمن القافلة ، ليشهدوا على ما يحدث بأعينهم .

"بحق الجحيم اللعين ... ماذا تظن نفسك فاعلاً؟!" قالتها والغضب يتفجر من عينيها، وجبينها يكاد يتمزق من شدة العصبية .

إيرك في تلك اللحظة ، أصيب بالذعر ، و حاول التبرير وهو يبتسم ابتسامة مهزوزة: "كنت... ألقنه درسًا في الاحترام..." لكنه لم يُكمل.

"من أعطاك الحق في ذلك؟ من تظن نفسك!؟ فقط لأن السيد جابيلين مدحك مرة واحدة ، جعلك هذا تصاب بالغرور؟ لا تضحكني!" صوتها تصاعد كالإعصار، وفي لحظة خاطفة، ركلته في وجهه، فتكسر بعض أسنانه في فمه ، وسقط أرضًا.

تقدمت ماري، حتى داسَت وجهه بحذائها بلا رحمة : "جابيلين قال بصريح العبارة ، لا أحد يرفع أي يد لعينة على هذا العبد إلا بوجوده. هذا العبد... مخصص لإشباع رغباته. وليس لنجسٍ قذر مثلك حتى يتصرف بقوة عليه بينما انت مجرد حثالة بلا قيمة حصلت على ما تملك فقط لأنك تملقت للسيد جابيلين كالعاهرة اليائسة!" كانت كلماتها تنهال عليه كما تنهال قدمها على وجهه، سحقًا فوق سحق ، سخط فوق سخط .

العبيد ورجال القافلة وقفوا مذهولين. ليس لأنها فعلت ذلك بإيرك ، فهي تصبح عصبية في بعض الأحيان تفعل شيء كهذا ، لكن في هذه اللحظة ، كانت غاضبة أكثر من أي وقت مضى ، حتى أسلوبها اصبح أكثر سمومية و قسوة . هنا فقط، بدأت ملامح الخوف تتسلل إلى القلوب. هذا العبد...يجب أن يبقوا بعيدين عنه قدر الأمكان .

ماري استمرت في سحق رأس إيرك دون أدنى تردد، أقدامها، اللتان تبدوان رقيقتين للوهلة الأولى، كانتا تنغرسان في وجهه بضربات متوالية، قاسية بما يكفي لتحطم العظم تحت الجلد. مع كل ضربة، ترددت أصداء القوة الغاشمة التي تخفيها خلف مظهرها الأنثوي المتوازن، ذلك الغلاف المخادع الذي طالما جعل خصومها يستهينون بها .

عندما توقفت أخيرًا، كان صدرها يعلو ويهبط بأنفاس متسارعة، ووجنتاها المتوردتان من الجهد لا توحي أبدًا بشيء مما تكمنه خلف تلك النظرات الجامحة. ماري لم تكن مجرد امرأة تحمل لقب **"أنثى الدب الأشهب"** بلا سبب، بل كانت تجسد هذا اللقب بكل أبعاده. حين يعتريها الغضب، تغدو وحشًا يضرب بلا رحمة، كدبٍ استُفز من سباته الشتوي، لا يهدأ حتى يُسحق كل من تجرأ على إيقاظه.

كان جمالها يوحي باللطف، لكن كل من رآها في نوبة غضبها أدرك أنها ليست مجرد امرأة عادية، ليست الأقوى ، لكنها لم تكن الأضعف بكل تأكيد ، و ما فعلته الأن ، جزء بسيط لا غير ، و الجميع يدرك ذلك .

حين انتهت، وقفت منتصبة، أنفاسها لا تزال ثقيلة، وصدى عنفها يملأ المكان كما لو أن الأرض ذاتها قد ارتجفت تحت قبضتيها. عضلاتها لا تزال مشدودة، تستعد لضربة أخرى لم تأتِ، لكن غضبها، المتقد منذ لحظات، بدأ يخبو تدريجيًا، يحل محله شيء أكثر برودًا... وأكثر سيطرة.

التفتت نحو الشاب المنكمش على نفسه، جسده منحنيٌ وكأنه يحاول الهروب من الواقع المرير . لم يصدر منه أي شيء بعد كل ما حدث معه ، لا مقاومة، لا توسلات، فقط جمود تام، كأنه استسلم لكونه ليس أكثر من شيء قابل للسحق . تحركت ماري نحوه بخطوات بطيئة، حتى ركعت أمامه، أصابعها انتزعت رأسه من موضعه ، بحيث أجبرته على رفع فك الحصار عن نفسه .

كان فحصها له أشبه بنظرة صياد بعد انتهاء المعركة، تقييم صامت... حاسم. ثم، وبصوت مشوب بالغضب، لكنه أقل حدة من قبل، أمرت: "أحضروا المرهم السحري. السيد جابيلين يريد هذا العبد سليمًا. بلا خدش. هذا أمر!!"

لم يكن صوتها بحاجة إلى أن يكون تهديداً بشكل مباشر . لم يكن هناك شك أنها تعني ما تقول، كما أنها لم تكن بحاجة إلى التأكيد او تكرار ما قالته ، هذا القرار ليس رأفة، بل ضرورة.

لم يتمكن العبيد من النطق بحرف ، أعينهم تتنقل بين ماري الجاثية بجانب جسد الشاب الذي تعرض للضرب بشكل غير رحيم ، وبين إيرك الممدد على الأرض كخرقة مهترئة، لا حركة فيه، وكأن كل ضربة نزلت به قد سحبت منه طبقة من كبريائه، ثم إنسانيته، ثم وعيه. حتى أنفاسه كانت ثقيلة للغاية ، و الدموع تخرج من عينه المتورمة بصعوبة .

رجل من القافلة نفذ أمر ماري ، و احضر المرهم السحري ، علبة المرهم السحري بين يديه المرتجفتين ، قدمها لماري بهدوء ، و التي بدورها انتشلتها من بين يديه دون أدنى كلمة . أخرجت البعض منه في يدها و مسحت به على جسد الشاب . يدها أنزلقت برفق فوق ذراعه المكسورة، تدهن مكان الكسر بخفة غير معتادة منها، كأنها تحاول تلطيفه ، لا مداواته فقط. انتقلت بعد ذلك إلى وجهه، ثم إلى أماكن الجراح الظاهرة التي استطاعت الوصول إليها فقط ، حتى انتهت .

بعدها أشارت بيدها بخفة ، فتقدم رجلان، حملا جسد الشاب المتألم بحذر، وأعاداه إلى العربة التي سُحب منها قبل قليل كما تُسحب المواشي . لم يقاوم، لم يتحرك، فقط عيناه نصف مفتوحتين و يتنفس بشكل متقطع .

وقفت ماري ببطء، كتفيها مشدودان، وجهها لا يزال يحترق من أثر الغضب المكبوت. تقدمت بخطوات ثقيلة نحو جسد إيرك الساكن، ثم وضعت قدمها على صدره بثقلٍ متعمد ، وضغطت بقوة جعلت صدره يرتج، ثم قالت بنبرة شديدة الوضوح، تبرز تهديدًا لا يحتمل التأويل: "إن لمست هذه اليد ذاك العبد مرة أخرى، فأقسم لك أنني سأرسلك إلى عالم الموتى بأبشع طريقة تخطر في بالي ، لدرجة أن حرس الجحيم بعينهم لن ينظروا إليك " توقفت لحظة، رفعت رأسها، لتواجه الجميع، ثم أكملت بصوت أكثر حدة: "وهذا يشملكم كلكم. هل هذا واضح؟!"

الكلمات ارتطمت كالسياط في آذانهم، لا مجال للنقاش، لا فرصة للرفض . حرّك الجميع رؤوسهم بسرعة، علامة على الطاعة، لا اقتناعًا، بل خوفًا. ماري لم تكن شخصًا يمكن الوقوف في وجهه، ليس بعد ما رأوه يحدث لإيرك، الرجل الذي كان يُنظر إليه على أنه أحد أقوى الرجال في القافلة... والآن، بلا صوت، بلا مقاومة، مجرد جسدٌ مضروب فوق التراب. مما أظهر حقيقته ، أنه مجرد مدعي ، كذب على نفسه ، و صدق كذبته .

داخل العربة، كان الشاب مستلقيًا، جسده يرتجف بخفة، لكن كل رعشة كانت تحمل ألمًا أعمق مما يبدو. عيناه نصف مغلقتين، تحدقان في الفراغ وكأنهما فقدتا القدرة على التمييز بين الواقع والخيال.

أنفاسه كانت ضعيفة، بالكاد تتحرك في صدره، وكأن الحياة فيه تتردد، غير متأكدة إن كانت تريد الاستمرار أو التوقف. كل شهيق بدا وكأنه قد يكون الأخير، وكل زفير كان مجرد محاولة للبقاء.

الصمت كان ثقيلًا، محاطًا به كغبار الزمن، لا أحد يتكلم، لا أحد يقترب. وكأن العالم كله ينتظر ليرى إن كان هذا الجسد سيختار الحياة... أم سيتركها ترحل.

2025/05/09 · 64 مشاهدة · 3431 كلمة
Gorox
نادي الروايات - 2026