كان البرد هو أول ما اجتاح حواس كايلين. لم يكن ذلك البرد العابر الذي يشعر به المرء عند ترك نافذة مفتوحة في ليلة شتائية، بل كان برداً قارسا يلسع جلده من الداخل.
حاول تحريك أصابعه ليمسك بلوحة المفاتيح. كان قد قضى أكثر من ست عشرة ساعة متواصلة في لعب "دموع السيادي"، محاولاً يائساً تجاوز الزعيم السري في الزنزانة الملعونة، ومؤكداً أنه غفا من شدة الإرهاق على مكتبه.
لكن أصابعه لم تلمس البلاستيك المألوف، بل غاصت في نسيج حريري ناعم، وبارد بشكل مزعج.
فتح عينيه ببطء. كانت الرؤية ضبابية، كأن طبقة من الرماد تغلف مقلتيه. رمش عدة مرات، محاولاً استيعاب المكان: سقف مرتفع للغاية، مزين بنقوش ذهبية معقدة تصور معارك قديمة لفرسان يمتطون وحوشاً مجنحة.
ثريا كريستالية ضخمة كانت تتدلى من المنتصف، تضاء بشموع لا تنبعث منها حرارة، بل توهج سحري خافت يميل للزرقة.
"أين... أنا؟"
خرج صوته مبحوحاً وضعيفاً، كحشرجة شخص لم يشرب الماء لأيام. لم يكن هذا صوته الأجش المعتاد، بل كان صوتاً يافعاً، هزيلاً، ومكسوراً.
حاول النهوض، لكن بمجرد أن أسند كوعيه على الفراش، اجتاحه دوار عنيف. شعر وكأن معدته تنقلب رأساً على عقب، فسقط من على السرير الواسع ليرتطم بالأرضية الخشبية المصقولة بقوة أخرجت الهواء من رئتيه.
"آخ... تباً!"
تأوه وهو يكور جسده على الأرض. كان جسده ثقيلاً، ومع ذلك بدا هزيلاً بشكل مرعب. نظر إلى يديه، لم تكن يديه الممتلئتين اللتين يعرفهما، بل كانت أيدٍ شاحبة، عروقها الزرقاء بارزة بوضوح تحت بشرة شفافة تقريباً، وأصابعه نحيلة ترتعش بلا توقف.
الذعر بدأ يتدفق في عروقه كالسم. تسارع تنفسه، وأصبحت أنفاسه قصيرة ومتقطعة. هل هو يحلم؟ هل هذا كابوس ناتج عن الإرهاق؟ قرص ذراعه بقوة كافية ليترك علامة حمراء داكنة.
الألم كان حقيقياً، حاداً ولاذعاً.
زحف بصعوبة نحو سطح عاكس لمحته عيناه في زاوية الغرفة، كانت مرآة طولية ذات إطار فضي مزخرف على شكل ثعابين متشابكة. استند على الحائط ليقف، وركبتاه ترتجفان وكأنهما غير قادرتين على حمل وزنه.
عندما سقط بصره على الانعكاس، توقف قلبه لثانية كاملة.
لم يكن هو.
كان يقف في المرآة شاب لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. شعره أسود فاحم طويل يصل إلى كتفيه، غير مرتب وملتصق بجبينه بسبب العرق البارد. عيناه كانتا غائرتين، بلون قرمزي باهت، وتحتهما هالات سوداء عميقة تبدو وكأنها كدمات.
كان يرتدي قميص نوم حريري أبيض، فضفاضاً جداً على جسده النحيل الذي يبدو وكأنه لم يتلقَ تغذية سليمة منذ سنوات.
تراجع خطوة للوراء، واصطدم ظهره بعمود السرير.
"مستحيل... هذا مستحيل..."
همس لنفسه، بينما بدأت الغرفة تدور به. هو يعرف هذا الوجه، لقد رآه مئات المرات، سخر منه، لعنه، واعتبره أسوأ تصميم لشخصية في تاريخ ألعاب تقمص الأدوار.
كايلين فاليريوس.
الابن الثالث لعائلة فاليريوس الدوقية. النفايات البشرية. الفضيحة التي تلطخ اسم واحدة من أقوى العائلات السحرية في إمبراطورية "إيثيلغارد". الشخصية التي لا تمتلك أي موهبة سحرية في عالم يحكمه السحر، والذي كان دوره الوحيد في اللعبة هو...
الموت.
اتسعت عيناه وهو يسترجع الحبكة. في اللعبة، "دموع السيادي"، تبدأ القصة بمذبحة. يتم اغتيال كايلين فاليريوس في ليلة عيد ميلاده الثامن عشر بطريقة وحشية على يد نقابة قتلة مجهولة. موته الشنيع يكون السبب الذي يدفع أخاه الأكبر، "ليون فاليريوس" - بطل اللعبة الحقيقي - للعودة من الجبهة وبدء رحلته في الانتقام وكشف المؤامرات.
نظر إلى التقويم الجلدي الموضوع على طاولة مكتب قريبة:
[اليوم الرابع من قمر الجليد، عام 842].
إنه اليوم.
بل، إنها الليلة. ليلة عيد ميلاده الثامن عشر.
"بـعععق!"
لم يستطع تحمل الرعب. سقط على ركبتيه وتقيأ عصارة صفراء مريرة على الأرضية الخشبية. جسده كان يرتجف بعنف، والعرق البارد يتصبب من كل مسام جلده.
هذا ليس انتقالاً ممتعاً. هو ليس البطل الذي سيجمع الحريم ويحكم العالم. هو مجرد أضحية، قطعة لحم رميت للكلاب لتحريك أحداث القصة.
"يجب... يجب أن أهرب." مسح فمه بظهر يده المرتجفة. حاول التفكير بمنطقية وسط العاصفة التي تعصف بعقله. إذا كانت هذه هي ليلة الاغتيال، فإن القتلة من نقابة "الظل الزاحف" في طريقهم إليه الآن. في اللعبة، الحراس خارج غرفته يكونون قد ماتوا بالفعل مسمومين.
ركض نحو باب الغرفة الخشبي الضخم وألصق أذنه به.
صمت. صمت مطبق ومخيف. لا صوت لدوريات الحراس، لا قعقعة لدروعهم.
كان قلبه يقرع في صدره كطبول حرب مجنونة. التفت يبحث عن سلاح، أي شيء. لم تكن الغرفة تحتوي على سيوف أو خناجر، فالدوقية لم تكن لتسمح لـ "القمامة" بحمل سلاح حقيقي. لم يجد سوى سكين فواكه فضية صغيرة ومزخرفة بجانب طبق من التفاح.
أمسك بالسكين. كانت خفيفة جداً، ونصلها غير حاد تقريباً. يا للسخرية.
فجأة، انطفأت الشموع السحرية في الغرفة دفعة واحدة.
غرق المكان في ظلام دامس، لم يقطعه سوى ضوء القمر المتسلل عبر النافذة الزجاجية الكبيرة.
انخفضت درجة الحرارة في الغرفة بشكل حاد، ورأى أنفاسه تتكثف كدخان أبيض أمام وجهه.
لقد وصلوا.
"من هناك؟!"
صرخ، محاولاً جعل صوته يبدو شجاعاً.
من زاوية الغرفة المظلمة، حيث لا يصل ضوء القمر، تشكل ظل. لم يكن إنساناً يسير، بل كان ظلاً ينزلق على الأرض، قبل أن يرتفع ليتخذ هيئة رجل يرتدي عباءة سوداء ممزقة الأطراف. وجهه كان مغطى بقناع جلدي يخفي كل شيء عدا عينين.
لم ينطق القاتل بكلمة. رفع يده، وفيها خنجر أسود منحني يقطر منه سائل أرجواني. سم "زهرة الموت". قطرة واحدة منه تكفي لشل الجهاز العصبي وإذابة الأعضاء الداخلية ببطء.
تذكر فوراً مهارة كايلين السحرية الوحيدة. كانت مهارة مثيرة للشفقة لدرجة أن اللاعبين أطلقوا عليها اسم "المهارة النكتة".
'جمرة وامضة!'
عصر قلبه، محاولاً استدعاء القوة السحرية الضعيفة التي يمتلكها، مستعيناً بذكريات الجسد. شعر بحرارة ضئيلة تتجمع في أطراف أصابعه.
أشار بيده نحو القاتل، وانطلقت شرارة صغيرة... بحجم شرارة ولاعة فارغة... وارتطمت بصدر القاتل قبل أن تنطفئ بصمت.
توقف القاتل للحظة. لو كان للقناع تعابير، لكان كايلين متأكداً أنه كان يرفع حاجبه سخرية.
ثم، اختفى.
"أين—"
لم يكمل الكلمة.
شعر بوجوده خلفه. قبل أن يتمكن من الالتفاف أو حتى استخدام سكين الفواكه السخيفة، شعر بشيء بارد وحاد يخترق ظهره.
لم يكن مجرد ألم. كان انفجاراً من العذاب الخالص.
الخنجر اخترق قفصه الصدري، محطماً العظام، ليخرج نصله الأسود الملطخ بدمائه من منتصف صدره.
"آآآآآه... غاااه..."
حاول الصراخ، لكن الدماء ملأت حلقه فوراً. بدأ يسعل دماً لزجاً ودافئاً. السم... السم كان مرعباً. شعر وكأن حمضاً يغلي يُسكب مباشرة في أوردته. كل عصب في جسده كان يصرخ متوسلاً الموت. سقط على ركبتيه، والقاتل يسحب الخنجر ببرود، تاركاً إياه يتهاوى على الأرض.
بركة من الدماء بدأت تتسع تحته.
كانت الرؤية تتلاشى، وتتحول إلى سواد تدريجي. الألم كان يمزق عقله. كان يرتعش، ويحتضر ببطء شديد على أرضية غرفته.
'هل... سأموت... هكذا؟ بعد دقائق من وصولي؟'
'كم هذا... مؤلم... أرجوكم... أوقفوا الألم...'
بدأ كل شيء يتلاشى. الصوت، الضوء، وحتى إحساسه بالأرض الباردة تحت خده. لم يبقَ سوى الظلام.
ثم.
...
[تم استيفاء شروط الموت.]
[تفعيل بركة السيادي المنسي: 'أصداء الساعة الرملية'].
[جاري إعادة ضبط الزمن...]
...
صوت ميكانيكي بارد، لا يشبه أصوات البشر، تردد في فراغ عقله.
وفجأة.
شهق بقوة، وفتح عينيه على اتساعهما.
الضوء. الشموع السحرية الزرقاء كانت مضاءة. السقف المزخرف بالفرسان.
كان مستلقياً على السرير الحريري مرة أخرى.
"هاه... هاه... هاه..."
جلس بسرعة، يلهث كغريق طفا للتو على السطح. تحسس صدره بجنون. لا توجد دماء. لا يوجد جرح. القميص الحريري الأبيض كان سليماً تماماً.
هل كان... حلماً؟
لكن قبل أن يتمكن من إقناع نفسه بذلك، ضربه ألم وهمي مرعب.
"آآآآآآآغ!"
سقط من على السرير مرة أخرى، متكوراً حول نفسه، يمسك بصدره بقوة. لم يكن هناك جرح جسدي، لكن جهازه العصبي كان لا يزال يرسل إشارات الألم القصوى. إحساس نصل الخنجر يمزق لحمه، وحرارة السم تغلي في عروقه، كان لا يزال محفوراً في دماغه وكأنه يحدث الآن.
جسده كله كان يتشنج. الألم النفسي والشبحي كان حقيقياً لدرجة أنه بدأ يتقيأ مرة أخرى، وعيناه تدمعان بلا توقف.
"ما...الذي...يحدث..!"
عاد به الزمن. لقد مات، وعاد إلى الحياة.
لكن الألم... الألم جاء معه.
وبينما كان يتلوى لدقائق على الأرضية الخشبية، يحاول استيعاب هذه اللعنة المرعبة التي تُسمى قدرة...
سمع صوت انطفاء الشموع السحرية دفعة واحدة.