سمع كايلين صوت انطفاء الشموع السحرية دفعة واحدة. غرق المكان في ذلك السواد الكثيف مجدداً، وانخفضت درجة الحرارة في الغرفة فجأة، وتحولت أنفاسه المتقطعة إلى سحب بيضاء صغيرة تتراقص أمام عينيه الدامعتين.
كان لا يزال متكوراً على الأرضية الخشبية الباردة، ويداه تعتصران قميصه الحريري عند موضع قلبه. لم يكن هناك جرح، ولا قطرة دم واحدة، لكن عقله كان يصرخ بهستيريا بأن نصل الخنجر المسموم لا يزال مغروساً بين ضلوعه. الألم الشبحي كان يمزقه من الداخل، يحرق أطراف أعصابه، ويجعل كل عضلة في جسده الهزيل تنتفض في تشنجات لا إرادية.
"إنه... قادم..."
همس بصوت بالكاد سمعه هو نفسه، بينما كان يبتلع اللعاب الممزوج بطعم العصارة الصفراء التي تقيأها للتو.
تذكر ما حدث قبل لحظات، أو بالأحرى، في "الحياة" السابقة. القاتل ذو العباءة الممزقة والقناع الجلدي لم يدخل من الباب، بل تشكل من الظلال المتجمعة في الزاوية الميتة للغرفة، بجانب خزانة الملابس.
عض على شفته السفلية بقوة حتى تذوق طعم الدماء الحقيقي والدافئ. كان هذا الألم الجسدي الطفيف هو الخيط الرفيع الذي استخدمه لينتشل وعيه من بحر العذاب الوهمي.
'تحرك... تحرك أيها الجسد اللعين!'
صرخ في داخله، محفزاً كل ذرة من إرادة البقاء التي يمتلكها. اعتمد على كوعيه، ودفع جسده المرتجف للتدحرج نحو اليمين، مبتعداً عن البقعة التي كان يحتضر فيها قبل ثوانٍ.
فيييوو!
صوت شق الهواء كان خافتاً، لكنه كان مميتاً. في اللحظة التي تدحرج فيها، شعر بنسمة هواء باردة تلامس خده، متبوعة بصوت ارتطام مكتوم. عندما رفع رأسه ببطء والهلع يوسع حدقتيه، رأى الخنجر الأسود المنحني منغرساً بعمق في الألواح الخشبية للأرضية، بالضبط حيث كانت رقبته تستقر قبل جزء من الثانية.
ارتفع الظل من الأرض، وتجسد القاتل أمامه. من خلال شقوق قناعه الجلدي، رأى عينيه تضيقان بوضوح، لم يتوقع أن يتفادى ضربته الأولى. كيف لـ "القمامة"، الابن المنبوذ الذي لا يملك حتى دائرة سحرية مكتملة، أن يمتلك رد فعل كهذا؟
لم يمنحه فرصة للتفكير. ركل بقدمه الحافية حافة السرير ليدفع نفسه للخلف، وزحف كالسلطعون المذعور نحو الطاولة الصغيرة التي ترك عليها سكين الفواكه. كانت أصابعه زلقة بسبب العرق البارد، لكنه أطبق على المقبض المزخرف بكل ما أوتي من قوة، حتى ابيضت مفاصله.
وقف القاتل ببطء، وسحب خنجره المسموم من الأرضية بحركة سلسة لا تصدر صوتاً. سائل "زهرة الموت" الأرجواني كان لا يزال يقطر من النصل، يذيب الطبقة اللامعة للخشب بمجرد ملامستها.
"من... من أرسلك؟!"
صرخ محاولاً كسب الوقت. في اللعبة، الحوارات يمكن أن تؤخر الأعداء، لكن هذا لم يكن شاشة عرض، وهذا القاتل لم يكن ينتظر دوره في الهجوم.
تجاهله تماماً. انثنى على ركبتيه قليلاً، وانطلق نحوه كالسهم المظلم.
لم يكن هناك مجال للمراوغة هذه المرة، فسرعته كانت تفوق قدرة عيني كايلين البشريتين على التتبع. كل ما استطاع فعله هو رفع يده اليسرى بحركة غريزية لحماية وجهه، وتوجيه يده اليمنى التي تحمل السكين نحو الأمام.
شراااخ!
شعر ببرودة معدنية تخترق ساعده الأيسر، متبوعة بحرارة لاذعة جعلته يصرخ. الخنجر المسموم لم يخترق قلبه، لكنه شق طريقاً طويلاً في لحم ذراعه.
وفي نفس اللحظة، إصطدم سكينه الصغير بكتفه... لتنكسر شفرتها الرقيقة فوراً عند ملامستها للدرع الجلدي المقوى الذي يرتديه تحت عباءته.
"آآآآآه!"
تراجع للخلف مترنحاً، وأمسك بذراعه النازفة. الألم الحقيقي هذه المرة اندمج مع الألم الشبحي في صدره، ليخلقا سيمفونية من العذاب كادت أن تفقده وعيه. السم بدأ يسري في عروقه، شعر وكأن دماً يغلي يُضخ في ساعده، وبدأت أطراف أصابعه تتخدر وتفقد الإحساس.
القاتل لم يتوقف. استدار ببرود، وعيناه تركزان على حنجرته هذه المرة. كان يدرك أن السم سيقتله قريباً، لكنه أرسل لينهي المهمة بسرعة وبلا أثر.
'لا... لن أموت هنا ثانية!'
راجع خياراته بسرعة. القتال مستحيل، والمهارة السحرية "جمرة وامضة" لا تؤذي حتى ذبابة. لكن... ماذا عن البيئة؟
"جمرة وامضة!"
صرخ بالكلمات، معتزراً الدائرة السحرية اليتيمة والمشوهة في قلبه. شعر بوخز مؤلم في صدره.
تشكلت شرارة صغيرة في طرف إصبع كايلين السبابة.
بدلاً من توجيهها نحو القاتل، ألقى بها نحو الستائر الحريرية الثقيلة والمزخرفة التي تتدلى حول السرير الضخم.
الحرير الملكي لعائلة فاليريوس كان مدهون بزيوت عطرية سريعة الاشتعال لتعطير الغرفة. بمجرد أن لامست الشرارة الضعيفة النسيج، اشتعلت النيران بفرقعة مفاجئة، وارتفعت سحابة من الدخان الكثيف والضوء البرتقالي الساطع الذي أعمى مؤقتاً كلتا عيني كايلين وعيني القاتل المعتاد على الظلام.
تراجع القاتل خطوة للوراء، رافعاً ذراعه ليحمي عينيه من الوهج المفاجئ.
كانت هذه نافذته الوحيدة. تجاهل ذراعه اليسرى الميتة تقريباً، وركض بكل قوته نحو باب الغرفة. الدخان بدأ يملأ رئتيه، والسم كان يزحف نحو كتفه، يثقل حركته ويجعل رؤيته مشوشة.
'النجاة... فقط افتح الباب، اخرج إلى الرواق، اصرخ بأعلى صوتك... الحراس السحريون أو الخدم في الطوابق السفلية سيسمعونني!'
وصل إلى الباب. أدرك المقبض النحاسي بيده اليمنى المرتجفة. أدار المقبض بقوة، ودفع الباب بكتفه السليم.
انفتح الباب بصرير خفيف، واندفع خارجاً إلى الرواق الرخامي الواسع الخاص بجناح الابن الثالث.
"النجـ..."
حاول الصراخ طلباً للمساعدة، لكن الكلمة ماتت في حلقه.
لم يكن الرواق مضاءً بالبلورات السحرية المعتادة، بل كان غارقاً في ظلام موحش. وعلى بعد خطوات قليلة منه، رأى جثتي الحارسين المكلفين بحمايته، ملقاتين على الأرضية الرخامية، والدماء الداكنة تتسرب من تحتهما لتشكل بركة لزجة.
وقبل أن يتمكن من استيعاب المشهد، أو الالتفات للخلف للتحقق من القاتل الأول...
برز ظل ثانٍ من خلف تمثال نصفي قديم كان يزين الرواق.
لم يكن هناك وقت للتفكير. لم يكن هناك وقت للرمش. لمعت شفرة فضية طويلة في الظلام كخيط من ضوء القمر القاتل.
شعر بخط بارد، رفيع جداً، يُرسم بسرعة فائقة عبر رقبته، من الأذن إلى الأذن.
تسمر في مكانه وتوقف عن الركض. القاتل الثاني، الذي كان أطول وأكثر نحافة من الأول، مر بجانبه بهدوء شديد، ونفض سيفه الرفيع بحركة أنيقة ليزيل عنه قطرات دمه، ثم أعاده إلى غمده بـ "كليك" معدنية خافتة.
"هـ... هك..."
رفع يده اليمنى إلى رقبته بحركة بطيئة، غير مصدق. لمس جلده... فتدفق سائل دافئ وكثيف بين أصابعه، يندفع بنبضات متسارعة مع كل خفقة مرعوبة لقلبه.
لقد قطع حنجرته.
انهارت ركبتاه، وسقط على الأرضية الرخامية الباردة. كان الرعب الذي اجتاحه في تلك اللحظة أسوأ من الموت الأول، لم يكن يستطيع التنفس، فالهواء كان يدخل ويخرج من الشق الواسع في رقبته مصدراً صوتاً مقززاً، حشرجة دموية مرعبة. الدماء كانت تغمر صدره، وتتدفق إلى قصبته الهوائية، لتخنقه من الداخل.
كان يغرق في دمائه. نظر بعينين جاحظتين نحو السقف المقبب للرواق. كان القاتل الأول قد خرج من الغرفة المشتعلة، ووقف بجانب الثاني. نظرا إليه بصمت، يراقبان احتضاره، وهو يتلوى كالسمكة خارج الماء، يضرب بقدميه الأرضية الرخامية في محاولة يائسة وغريزية للحصول على ذرة أوكسجين.
الألم... كان لا يوصف. حرقة الاختناق، وبرودة انقطاع الحياة التدريجي، وحرارة الدماء التي تفارق جسده.
'مؤلم... أرجوكم... أمي... أي أحد... أنقذوني...'
بدأت الرؤية تضيق لتصبح نفقاً مظلماً. تلاشت أصوات النيران المستعرة في غرفته، وتلاشت برودة الرخام، وأسدل الموت ستائره السوداء عليه للمرة الثانية.
*
...
[تم استيفاء شروط الموت].
[تفعيل بركة السيادي المنسي: 'أصداء الساعة الرملية'].
[جاري إعادة ضبط الزمن...]
...
الضوء. الشموع السحرية الزرقاء. السقف المزخرف بالفرسان.
"هـــاااااااااه!"
انتفض كايلين على السرير الواسع، يشهق هواءً حقيقياً بأقصى ما تتسع له رئتاه، كمن انتُزع من قاع المحيط للتو. لكن قبل أن يستمتع بنعمة التنفس... ضربه الجحيم المزدوج.
"آآآآآآآآآآخخخ! كخخخ... غااااه!"
سقط من على السرير، يرتطم بالأرضية الخشبية بقوة، ويبدأ بالتدحرج بشكل جنوني.
الألم... يا إلهي، الألم!
كان جسده سليماً، والقميص الحريري ناصع البياض، لكن عقله وجهازه العصبي كانا في حالة انهيار تام. شعر بنصل الخنجر يمزق صدره، وبالسم يغلي في ذراعه اليسرى، والأسوأ من ذلك كله... شعر بشفرة السيف تقطع حنجرته، وبدماء وهمية تخنق قصبته الهوائية.
كان يسعل ويختنق لا إرادياً، يقبض على رقبته السليمة بكلتا يديه، ويخدش جلده بأظافره في محاولة مجنونة لفتح مجرى للهواء الدي كان مفتوحا من الأساس، الآلام تضاعفت، الموت الأول والثاني تراكما فوق بعضهما البعض، ليخلقا عذاباً شبحياً يفتت العقل.
الدموع كانت تنهمر من عينيه كالشلالات، واللعاب يسيل من فمه وهو يصرخ صرخات مكتومة لا يسمعها أحد سواه. كان يفقد عقله، فلا يوجد إنسان يمكنه تحمل تذكر تفاصيل احتضاره بهذه الدقة المروعة، مرتين متتاليتين، دون أن يُجن.
بقي يتلوى على الأرض لدقائق بدت كسنوات، يضرب رأسه بالخشب لعل الألم الجسدي يطغى على الألم الوهمي.
شيئاً فشيئاً، بدأ جهازه العصبي يستوعب أن الجسد سليم، وتراجعت الآلام الشبحية لتصبح مجرد نبضات خافته وموجعة في الخلفية، رغم أن ذاكرة الألم كانت محفورة بالكي في روحه.
استند إلى جدار الغرفة، يلهث، جسده كله مبلل بعرق بارد وكأنه خرج للتو من بركة جليدية. نظر حوله بعينين حمراوين يملؤهما اليأس المطلق.
الباب... فخ مميت. هناك قاتل ثانٍ ينتظر في الظلام لجز عنقه بمجرد خروجه.
الغرفة... فخ مميت. القاتل الأول سيظهر من زاوية الظل في أي لحظة.
القتال... مستحيل. هو ضعيف جدا.
"هيه... هيهيهيه..."
ضحكة هستيرية، مكسورة ومجنونة، هربت من شفتيه المرتجفتين. لقد أدرك حقيقة هذه القدرة الملعونة، إنها ليست نعمة، وليست طريقة لتصحيح الأخطاء بسهولة كما في الألعاب، بل هي حلقة تعذيب أبدية. إذا لم يجد حلاً، سيستمر في الموت، وتجربة آلام الموت تتراكم في عقله حتى ينهار تماماً ويتحول إلى جثة تتنفس بلا عقل.
نظر إلى طاولة المكتب، فالتقويم الجلدي لا يزال يظهر
[اليوم الرابع من قمر الجليد]. رفع رأسه ببطء.
كان هناك مخرج واحد فقط من هذه الغرفة، غير الباب. نظر نحو النافذة الزجاجية الضخمة والمقوسة التي تطل على حدائق الدوقية الخلفية. ضوء القمر الشاحب كان ينساب من خلالها بهدوء، يضيء الأرضية الخشبية.
غرفته تقع في الطابق الثالث من القصر الغربي. السقوط من هذا الارتفاع على الأرضية الحجرية للحديقة سيعني كسوراً مميتة، أو موتاً محققاً إذا سقط على رأسه.
لكن... تحت النافذة مباشرة، كانت هناك شرفة حجرية صغيرة تابعة للطابق الثاني، تبعد حوالي ستة أمتار للأسفل.
إذا قفز، وحاول التشبث بحافة تلك الشرفة... ربما، فقط ربما، يستطيع النجاة من هذه الغرفة الملعونة وتجنب كلا القاتلين. وإذا سقط ومات... حسناً، ألم تهشم العظام سيكون إضافة جديدة لمجموعته الشيطانية.
وقف على قدميه المرتجفتين، متجاهلاً الوخز الوهمي في رقبته وصدره.
وفي تلك اللحظة بالضبط...
سمع صوت انطفاء الشموع السحرية دفعة واحدة. غرق المكان في السواد مجدداً.