وقف كايلين على قدميه المرتجفتين، متجاهلاً الوخز الوهمي في رقبته وصدره.

وفي تلك اللحظة بالضبط...

سمع صوت انطفاء الشموع السحرية دفعة واحدة. غرق المكان في السواد مجدداً.

هذه المرة، لم يضيع جزءاً من الثانية في الصدمة أو التردد. الخوف الذي كان يشله تحول إلى أدرينالين نقي، يحرق أوردته ويدفعه للتحرك بغريزة حيوان محاصر.

لم يلتفت نحو زاوية الغرفة حيث يتشكل القاتل الأول من الظلال، ولم يصرخ، ولم يحاول استدعاء سحره المثير للشفقة. بدلاً من ذلك، اندفع بكل ما أوتي من قوة نحو طاولة الزينة الثقيلة المصنوعة، وأمسك بكرسيها الخشبي، ورفعه فوق رأسه متجاهلاً ألم عضلاته الضعيفة التي احتجت على الوزن.

ركض نحو النافذة الزجاجية المقوسة والضخمة التي تفصل بينه وبين ليل قمر الجليد.

"هياااا!"

أطلق صرخة مكتومة من أعماق صدره، وألقى بالكرسي بكل طاقته نحو الزجاج.

كراااااش!

صوت تحطم الزجاج السميك كان يصم الآذان، ومزق سكون القصر كطلقة مدفع. تناثرت الشظايا اللامعة كحبات ألماس قاتلة تحت ضوء القمر الشاحب.

وفي اللحظة التي تحطم فيها الزجاج، شعر بتلك النسمة الباردة المألوفة خلفه، فالقاتل الأول كان قد انطلق نحوه.

لم يتردد كايلين، بل قفز عبر الإطار المحطم، غير عابئ بالشظايا الحادة التي مزقت قميصه الحريري وخدشت بطنه وذراعيه. ألقى بجسده في الهواء البارد، تاركاً غرفته، والقاتل، والموت المحتم خلفه.

وبينما كان في الهواء، متدلياً في الفراغ، التفت برأسه لا إرادياً. من خلال النافذة المحطمة، رأى القاتل ذا القناع الجلدي يقف عند الحافة، وخنجره الأسود ممتد في الهواء حيث كان كايلين يقف قبل ثانية واحدة. لو تأخر رمشة عين، لكان النصل قد استقر في عموده الفقري.

لكن انتصاره الصغير لم يدم طويلاً.

الجاذبية لا ترحم، وقوانين الفيزياء في هذا العالم لم تكن تختلف عن عالمه السابق. الرياح الباردة صفعت وجهه بقسوة وهو يهوي نحو الأسفل. ستة أمتار قد لا تبدو مسافة كبيرة في الواقع، لكن عندما يسقط المرء بجسد هزيل غير رياضي، فإنها تبدو كهاوية لا قاع لها.

حاول توجيه جسده في الهواء ليهبط على الشرفة الحجرية للطابق الثاني. رأى الدرابزين الحجري يقترب بسرعة مرعبة.

"تباً، تباً، تباً!"

غوااام!

اصطدم بأرضية الشرفة القاسية.

لم يهبط على قدميه كما يفعل الأبطال، بل كان الهبوط كارثياً. اصطدمت قدمه اليسرى أولاً بالأرضية الحجرية، وسمع بوضوح صوت طقطقة مقززة يتردد صداها في أذنيه؛ فالعظم لم يتحمل وزن السقوط.

ثم، وبسبب قوة الاندفاع، تدحرج جسده بقوة ليصطدم كتفه الأيمن بقاعدة تمثال حجري صغير.

"آآآآآآآآآآآغ!"

صرخة ألم حقيقية، نقية، وخالصة مزقت حنجرته. لم يكن هذا ألماً شبحياً من حياة سابقة، بل كان حقيقياً، فكاحله الأيسر قد تحطم، وكتفه الأيمن قد خُلع من مكانه تماماً.

تلوّى على الحجر البارد، يلهث ككلب يحتضر. الدموع الساخنة انهمرت من عينيه لتختلط بغبار الشرفة. الألم الجسدي كان يعميه، موجات من العذاب تنطلق من كاحله وكتفه لتضرب مركزه العصبي. ورغم ذلك، في زاوية مظلمة من عقله، كانت هناك راحة مريضة. فعلى الأقل، هو لا يزال يتنفس. لم يمت. لم يُعد ضبط الزمن.

'اصمت... اكتم صوتك أيها الأحمق...'

عض على ساعده السليم بقوة حتى أدميته، ليمنع نفسه من إطلاق المزيد من الصرخات. الصوت الذي أحدثه بتحطيم الزجاج كان كافياً لتنبيه كل من في القصر.

رفع رأسه بصعوبة نحو الأعلى. لم يرَ القاتل يطل من النافذة المحطمة؛ فنقابة "الظل الزاحف" لا تخاطر بكشف نفسها للعلن، ولا تستخدم طرقاً صاخبة في ملاحقة أهدافها. لقد خسروا عنصر المفاجأة في غرفته، وسيبحثون عن طريق آخر للوصول إليه.

يجب أن يتحرك.

استند إلى ذراعه اليسرى السليمة، وسحب جسده المحطم نحو الأبواب الزجاجية المزدوجة التي تؤدي إلى الغرفة الملحقة بالشرفة. كانت الأبواب غير مقفلة، فدفعها بضعف، وزحف إلى الداخل بصعوبة.

كانت الغرفة مظلمة تماماً. رائحة الغبار والأثاث المغطى بالأقمشة البيضاء أخبرته أنها إحدى غرف الضيوف غير المستخدمة في الجناح الغربي.

سحب نفسه حتى أسند ظهره المرتجف إلى الجدار البارد.

تنفسه كان حشرجة متواصلة. كل حركة صغيرة ترسل صدمات كهربائية من الألم عبر كاحله وكتفه.

'لا أستطيع المشي. ولا أستطيع الزحف بكتف مخلوع.'

أغمض عينيه، محاولاً تذكر أي معلومات طبية أو مشاهد من أفلام النجاة. يجب أن يعيد كتفه إلى مكانه. الفكرة بحد ذاتها جعلت معدته تتقلص، لكن البديل هو الموت ببطء.

بحث حوله في الظلام، ووجد حافة سرير خشبي صلب.

سحب قطعة من القماش الأبيض الذي يغطي السرير، وكورها، ثم وضعها في فمه وعض عليها بكل قوته. انحنى نحو الأمام، وثبت ذراعه اليمنى المتدلية والمشوهة ضد إطار السرير الخشبي.

'واحد... اثنان... ثلاثة!'

اندفع بجسده نحو الجدار، دافعاً مفصل الكتف بقوة غاشمة نحو مقبسه.

كروووك!

صوت احتكاك العظام وانزلاق المفصل كان أسوأ من الألم نفسه.

"ممممممممف!"

صرخ صرخة مكتومة ابتلعها القماش في فمه. الرؤية ابيضّت أمامه لثوانٍ معدودة من شدة الألم، وشعر بأنه على وشك الإغماء. انحنى يتقيأ عصارة فارغة على الأرض، والعرق البارد يغمره بالكامل.

لكن... الكتف عاد إلى مكانه. كان لا يزال يؤلمه بشدة، نابضاً كقلب ثانٍ ملتهب، لكنه أصبح قادراً على تحريك ذراعه جزئياً.

أما كاحله... فلم يكن هناك حل له. كان منتفخاً بلون أزرق داكن ومائلاً بزاوية غير طبيعية. قام بتمزيق جزء من الستارة القريبة، وربط كاحله بإحكام شديد لتقليل حركته وتخدير الألم بالضغط.

'يجب أن أخرج من القصر. أين أنا الآن؟'

اعتمد على ذكرياته عن لعبة "دموع السيادي". قصر الدوقية كان عبارة عن متاهة، لكنه كلاعب قضى ساعات في استكشاف خريطته. هو الآن في الطابق الثاني من الجناح الغربي. للوصول إلى الخارج، أمامه خياران، البوابة الرئيسية، وهي بالتأكيد محروسة أو مغلقة، أو مجاري تصريف المياه القديمة تحت الأرض، والتي تبدأ من قبو النبيذ في المطبخ.

قبو النبيذ. هذا هو هدفه.

وقف على ساقه اليمنى السليمة، مستنداً على الجدار، وبدأ يقفز ببطء، جاراً ساقه اليسرى المكسورة خلفه.

وصل إلى باب الغرفة، وفتحه ببطء شديد كي لا يصدر صريراً. أطل برأسه إلى الرواق الواسع المضاء جزئياً ببلورات سحرية خافتة.

وما رآه جعل دمه يتجمد في عروقه، وجعله ينسى ألمه للحظات.

الرواق لم يكن فارغاً.

على طول الممر الرخامي، كانت هناك جثث. ليس حراساً فقط، بل خادمات، وطهاة، وحتى بعض أفراد العائلة الفرعيين. الدماء كانت تلطخ الجدران المنقوشة واللوحات الفنية العريقة، راسمة لوحة تجريدية من العنف المطلق.

في نهاية الرواق، رأى ثلاثة رجال يرتدون عباءات سوداء وأقنعة جلدية، يسحبون جثة فارس مدرع ببطء نحو إحدى الغرف لإخفائها.

اتسعت عيناه في رعب حقيقي.

هذا لم يكن مجرد اغتيال للابن الثالث "القمامة".

تذكر القصة الأصلية للعبة فجأة. في ليلة عيد ميلاد كايلين الثامن عشر، لم يُقتل هو فقط، بل الدوقية بأكملها تعرضت لهجوم مفاجئ ومسح شامل من قبل نقابة "الظل الزاحف" بتكليف من فصيل سياسي معادٍ. الدوق، الدوقة، الخدم، الحراس... الجميع أُبيدوا في هذه الليلة. الناجي الوحيد كان الابن الأكبر "ليون"، بطل اللعبة، لأنه كان في ساحة المعركة الشمالية، وعاد ليجد عائلته رماداً.

هو ليس هارباً من قاتلين اثنين، بل محاصر في قصر مليء بعشرات، ربما مئات، من القتلة المحترفين الذين يمشطون المكان غرفة بغرفة لتأكيد مقتل الجميع.

ابتلع ريقه بصعوبة. فرصته في النجاة انخفضت من ضئيلة إلى معدومة.

'يجب أن أستخدم درج الخدم السري. إنه ضيق ومظلم، ونادراً ما يُستخدم.'

عاد أدراجه ببطء عبر الرواق، متخفياً في الظلال. كل خطوة كانت تتطلب جهداً ذهنياً هائلاً. كاحله المكسور كان ينزف داخلياً، وبعض الجروح التي أصابته من شظايا الزجاج كانت تقطر دماً على الأرضية الرخامية.

وصل إلى باب خشبي صغير مخفي خلف نسيج جداري يصور "سيادي الحكمة". فتح الباب وانزلق إلى الداخل.

كان درج الخدم عبارة عن سلم حلزوني حجري وضيق جداً، تنبعث منه رائحة العفن والرطوبة. لا توجد به أي إضاءة سحرية، مجرد ظلام دامس يبتلع كل شيء.

أسند ظهره إلى الجدار الحجري الخشن، وبدأ بالنزول قفزاً على ساق واحدة، ممسكاً بالدرابزين الحديدي الصدئ بيده السليمة.

عشر درجات. عشرون درجة.

الظلام كان يخيفه، لكنه كان حليفه الوحيد.

فجأة... توقف.

رعشة جليدية سرت في عموده الفقري.

من أعلى السلم الحلزوني، من حيث أتى، سمع صوتاً.

طقطق... طقطق...

خطوات هادئة، بطيئة، وموزونة تنزل السلم الحجري.

وضع يده على فمه ليكتم أنفاسه اللاهثة.

شرييييك...

صوت معدن حاد يُسحب ببطء على الجدار الحجري القريب، مولداً شرارات خافتة في الظلام وصوتاً يمزق الأعصاب.

"أيها الجرذ الصغير..."

صوت أجش، بارد كجليد الموت، تردد صداه في بئر السلم الضيق. كان يتحدث بهدوء، وكأنه يغني تهويدة مرعبة.

"هل ظننتَ أننا لن نلاحظ قطرات الدم الدافئة التي تركتها خلفك على الرخام الأبيض؟ أنت تنزف يا كايلين."

لقد وجدوه. أحد القتلة قد تتبع أثره.

نظر كايلين إلى الأسفل، فالظلام الدامس يمتد أمامه. نظر إلى الأعلى، الخطوات تقترب بثبات، وصوت احتكاك النصل بالجدار يدنو أكثر فأكثر.

كان محاصراً في مساحة لا تتجاوز متراً واحداً عرضاً، بساق مكسورة، وكتف بالكاد يعمل، وبدون أي سلاح.

الدائرة السحرية اليتيمة في قلبه كانت فارغة تماماً بعد أن استخدم "جمرة وامضة" في الحياة السابقة... انتظر!

اتسعت عيناه في الظلام.

عندما عاد به الزمن، عاد جسده سليماً. هل عادت معاناته السحرية أيضاً؟

أغمض عينيه وحاول الشعور بقلبه. نعم! الدائرة السحرية المشوهة كانت تنبض بحرارة ضعيفة. السحر قد أُعيد ضبطه أيضاً!

لكن... ماذا سيفعل بشرارة بحجم حبة حمص ضد قاتل محترف في مكان ضيق كهذا؟ لا توجد ستائر حريرية ليشعلها هنا، لا يوجد سوى الحجر البارد، والظلام...

الظلام.

فتح عينيه، وبدأ يبحث في جيوب سرواله الحريري الممزق بيده المرتجفة. في اللعبة، كايلين كان يحمل عنصراً واحداً تافهاً بشكل دائم في جيوبه، لأنه كان مريضاً بضعف البصر الليلي وكان يخاف من العتمة.

لمست أصابعه شيئاً أسطوانياً صغيراً وخشناً.

"مسحوق الفوسفور السحري". عنصر يُستخدم عادة لتسهيل إشعال المواقد في الشتاء، وينتج عنه وميض ساطع ومرعب إذا تعرض لشرارة مباشرة.

أخرج الكيس القماشي الصغير بسرعة.

الخطوات أصبحت قريبة جداً. أستطاع أن يسمع تنفسه الهادئ من فوقه مباشرة في الظلام.

"لا يوجد مكان للهروب، أيها القمامة. سأجعلها سريعة إذا توقفت عن المقاومة."

رأى انعكاساً خافتاً لعينين قاسيتين من خلال القناع الجلدي في العتمة، وشفرة سيف تلمع وهي ترتفع لتهوي على رأسه.

فتح الكيس بأسنانه، ونثر كل مسحوق الفوسفور في الهواء الضيق بينهما.

وبكل ما أوتي من يأس، صرخ في قلبه معتزراً سحره.

'جمرة وامضة!'

2026/03/10 · 3 مشاهدة · 1519 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2026