«لقد كان شرفاً لي أن أرافقكم في هذه الرحلة الطويلة. أتمنى لكم دائماً أياماً سعيدة.»
أرسلتُ بريدي الإلكتروني الأخير، ثم أطلقتُ زفرة ارتياح عميقة.
نظرتُ إلى الساعة؛ لقد تجاوز الوقت منتصف الليل، وكنتُ وحيداً تماماً في المكتب.
يبدو أن هذا هو حال المحرر الذي يقترب موعد نشره.
إن غياب الأمسيات وعطلات نهاية الأسبوع أمر مفروغ منه، فمن كثرة التحديق في المخطوطات طوال اليوم، تغيمُ الرؤية، ويتصلبُ الظهر، حتى أن عقلي يشعر وكأنه قد احترق قليلاً وفقد صوابه.
ومع ذلك، وللأسف الشديد، ما زلتُ أحب هذا العمل.
فلكل إنسان حكايته الخاصة.
والمحرر هو من يبحث عن الممتع من بين تلك القصص—سواء كانت عادية، أو غريبة، أو جيدة، أو سيئة—ليحيكها في كتاب، ثم ينقلها إلى القراء.
لعلها تساعدهم، ولو قليلاً، في هذه الحياة التي يخوضونها جميعاً للمرة الأولى.
أجل، لولا هذا الشعور بالإنجاز، من ذا الذي قد يطيق هذا العمل الشاق؟ خاصة براتب ضئيل يجبرني في مثل هذا الوقت على استقلال حافلة الليل المتأخرة بدلاً من سيارة أجرة.
حزمتُ أمتعتي وخرجتُ، فإذا بالساعة تشير بالفعل إلى الواحدة فجراً.
تساءلتُ لمَ أتكبد عناء العودة للمنزل طالما أنني سأنام قليلاً ثم أعود للعمل، لكن لديّ اجتماع مع كاتب غداً.
وبما أن هذا الكاتب يصرُّ دوماً على الحضور بالنعال المنزلي، فلا يمكنني أنا أيضاً أن أفعل مثله.
لذا، عليّ العودة للمنزل، الاستحمام، الحلاقة، واستبدال قميصي ذو القلنسوة القديم بملابس لائقة.
بينما كنتُ أفكر فيما إذا كان لديّ قميص مكويّ في المنزل، توقفت خطواتي فجأة...
أين أنا؟
حتى لحظة مضت، كنتُ أسير في طريق مألوف حيث توجد محطة الحافلات.
لكنني الآن أقف في ممرٍّ تملؤه أضواء ساطعة.
ممرٌّ من النوع الذي يؤدي إلى مترو الأنفاق أو المراكز التجاري تحت الأرض.
مهما بلغت درجة النعاس التي كنتُ أسير بها، لا أذكر أبداً أنني دخلتُ إلى مكانٍ كهذا؟تلفتُّ حولي ثم نظرتُ خلفي.
"أوه...؟"
بطريقة ما، كان هناك جدارٌ خلف ظهري تماماً.
بالنظر إلى كوني كنتُ أمشي للتو، كان هذا أمراً مستحيلاً من الناحية الزمنية والمكانية.
مددتُ يدي نحو الجدار وأنا بين مصدقٍ ومكذب.
*ـ طرَق!*
لقد كان جداراً حقيقياً.
جدار أسمنتي بارد، لا يندفع ولا ينفتح. وقفتُ مذهولاً للحظة، ثم نبشتُ جيبي وأخرجتُ هاتفي الذكي.
"ما هذا، لماذا هو معطل؟"
كان هاتفي فاقداً للإشارة تماماً، وحتى عرض التاريخ والوقت كان غريباً.
19 سبتمبر، 50، الساعة 07:16؟
أيُّ نوعٍ من الأخطاء البرمجية هذا......نقرتُ على هاتفي الذي أصبح كقطعة طوب، ثم تلمستُ رقبتي.
لحسن الحظ، كانت لا تزال دافئة.
يبدو أنني لم أمت من الإرهاق في الطريق.
إذن، ما خطب هذا الموقف؟ انتقال آنيّ؟ دخول عالم آخر؟ فخ بُعدي؟ خطرت ببالي قصص "أساطير المدن" التي قرأتها على الإنترنت.
لكن، أيعقل هذا؟ هل هي دعابة؟ عليّ الذهاب للعمل غداً!
رغم أنني لم أفهم شيئاً، إلا أنني استدرتُ.
على عكس الخلف المسدود، كان هناك طريق ممتد للأمام.
مشيتُ للأمام مدفوعاً بفكرة واحدة: عليّ الخروج من هنا.
انعطفتُ عند الزاوية جهة اليسار، فظهرت لي سلالم.
صعدتُ تلك السلالم ليتكشف أمامي فضاء جديد.
ما هذا المكان أيضاً......؟
رأيتُ من الداخل بناءً بتصميم عصري.
كان المكان واسعاً وفارغاً تماماً من البشر.
السقف المرتفع مصنوع من الزجاج، والسماء الزرقاء تنعكس من خلاله.
سماء زرقاء؟ ما الذي تقوله، كم الساعة الآن؟أمسكتُ بهاتفي لأرى الوقت، ولكن، تباً، لقد كان معطلاً.
أبعدتُ هاتفي الذي أصبح بلا فائدة ونظرتُ حولي.
سقف مرتفع، أرضية رخامية، ومتاجر مصفوفة على طول الجدران.
ظننته في البداية مركزاً تجارياً، لكن كانت هناك رسوم لقطارات مرسومة على الأعمدة.
لقد كانت صالة انتظار في محطة سكة حديد.
تلفتُّ حولي مجدداً لأتأكد من اسم المحطة. كانت هناك لوحة إرشادية في مكان قريب.
ولكن...
الكلمات لا تُقرأ.
ماذا يعني هذا، كيف لا يمكنني قراءة تلك الكلمات الكبيرة؟
كانت الكلمات المكتوبة على اللوحة الإرشادية يقيناً هي "الهانغل" (اللغة الكورية).
ومع ذلك، مهما حاولتُ، لم أستطع قراءتها أو فهمها.
فقط عندما ألقي نظرة خاطفة بطرف عيني، كانت تبدو وكأنها لغة كورية.
يا للسخرية، شخصٌ يعيش على "أكل الكلمات" (يعمل بالنصوص) لا يستطيع القراءة!
حاولتُ بكل قوتي وبتركيز شديد أن أقرأ تلك الحروف.
وفجأة، اجتاح أعماق عيني ألمٌ حاد كالوخز.
"آخ!"
بينما كنتُ أغطي عيني من الصدمة والألم، دوى صوتٌ جهوري.
"يا أنت! ألا تسمعني؟ أين نحن؟"
التفتُّ بذعر نحو مصدر الصوت.
تحركتُ بضع خطوات مبتعداً عن زاوية العمود، فظهر لي شباك التذاكر.
كانت هناك امرأة في منتصف العمر تصرخ بغضب أمام الفاصل الزجاجي لشباك التذاكر.
"لقد تِهتُ لفترة طويلة! لماذا لا تجيب؟ ألستَ موظفاً هنا؟"
من طريقة حديثها، يبدو أنها في نفس وضعي.
شعرتُ بالارتياح وتوجهتُ نحوها.
لكن فجأة، أدخلت المرأة ذراعها بعنف عبر الفتحة السفلية لشباك التذاكر.
"ألا يعتبر كلامي كلاماً بشرياً؟!"
بدت وكأنها تحاول الإمساك بتلابيب الموظف الجالس في الداخل.
ذهلتُ من جرأتها وأسرعتُ بخطواتي نحوها، ولكن في تلك اللحظة...
خرج من الفتحة التي أدخلت فيها يدها شيءٌ يشبه الحبل الطويل.
سسسسس—
تأرجح ذلك الشيء في الهواء للحظة، ثم بدأ يدور بسرعة كالمروحة، وبلمحة بصر... طار رأس المرأة.
شويك— طاخ!
رأيتُ ذلك الشيء المستدير وهو يتدحرج بعيداً، ثم نظرتُ للأمام مجدداً.
المرأة التي فقدت رأسها كانت لا تزال واقفة.
دون أن تسقط، بدأ الدم يندفع من رقبتها بقوة كصنبور إطفاء طار غطاؤه.
لم يستوعب عقلي ما حدث أمامي بعد.
لكن جسدي استشعر الخطر أسرع من عقلي، فاستدرتُ وبدأتُ بالركض.
التصقتُ خلف أقرب عمود، مثل نعامة لا تعرف كيف تختبئ سوى بدفن رأسها.
"ما هذا.. ما هذا.. إنه حلم. لا بد أنه حلم. أقول لك إنه حلم!"
كنتُ على وشك الانهيار من الهلع حين أمسكت يدٌ بكتفي.
"هـ..!"
كاد قلبي يتوقف من الرعب، لكنني لم أستطع حتى الصراخ.
لم يكن لدي أنفاس لأخرجها.
بينما كنتُ أفتح فمي من الصدمة، سمعتُ صوتاً بجانبي يأمرني بالصمت.
"ششش!"
أدرتُ رأسي بالقوة فرأيتُ رجلاً.
كان يمسك بكتفي بيد، ويضع سبابة يده الأخرى على شفتيه.
سألني الرجل بصوت خافت وهو على تلك الحالة.
"منذ متى وأنت هنا؟"
لم أستطع الرد، اكتفيتُ بتحريك فمي بصمت.
"هل أنت وافد جديد؟"
لم أجد ما أقوله هذه المرة أيضاً.
فأنا لا أعرف إن كنتُ جديداً أم قديماً، ولا أفهم أصلاً لمَ يُستخدم تعبير "دخلتَ إلى هنا".
نظر الرجل إلى حالتي المذهولة، ثم تمتم بشتيمة وسألني مجدداً.
"يا هذا، هل خدمتَ في الجيش؟"
"ماذا؟ نعم.. نعم."
"إذن استعد وعيك. لا تريد أن تموت هنا، أليس كذلك؟"
بدا الرجل الذي يوبخني في مثل عمري تقريباً.
كان يرتدي ملابس "كاجوال" ويضع أقراطاً في أذنه، ورغم أن نظارته تغطي نصف وجهه، إلا أن ملامحه الوسيمة كانت واضحة، لدرجة جعلتني أتساءل إن كان من المشاهير الذين لا أعرفهم.
بينما كنتُ أراقبه، فزعتُ مرة أخرى على صوت ارتطام.
دب، دب، كوانغ!
جاء الصوت من خلف العمود.
استرق الرجل النظر، وحذوتُ حذوه بتردد.
كانت الدماء لا تزال تسيل أمام شباك التذاكر، لكن المرأة الميتة اختفت.
وبدلاً منها، كان هناك شخص يرتدي بدلة رسمية أنيقة، يمسك بممسحة ضخمة وينظف بركة الدماء بجدية ونشاط.
"عامل نظافة؟"
ملابسه غريبة بعض الشيء، لكن يبدو أن هذا هو دوره.
كان بجانبه عربة تنظيف عليها سلة مهملات كبيرة.
لكن شيئاً ما كان غريباً.. بل كل شيء كان غريباً.
لقد مات شخصٌ للتو، فلماذا لا يتصلون بالشرطة ويبدأون بالتنظيف فوراً؟
والأهم من ذلك، لماذا يبتسم ذلك المنظف بابتهاج هكذا وهو يمسح الدماء؟
تأوهتُ من ذلك المشهد الغريب.
"ما الذي يحدث هناك بحق الخالق؟"
"لا أعلم."
"أين نحن؟"
"لا أعلم ذلك أيضاً. كنتُ في طريقي للمنزل بعد التمرين، وفجأة وجدتُ نفسي هنا."
كان سياق الكلام غير منطقي، لكنه نفس ما حدث معي.
"أنا أيضاً.. كنتُ عائداً من العمل."
"يبدو أنك مثل البقية."
"هل هناك آخرون؟"
"الآن.. لقد ماتوا."
"كم عددهم..؟"
"اثنان."
حين شحب وجهي ذعراً، أضاف الرجل بابتسامة باهتة.
"لكن يمكننا النجاة الآن. هذا.. لقد وجدناه قبل قليل..."
بينما كان الرجل يخرج شيئاً من جيبه، انهار صوتٌ هائل من السقف.
ويييييييييييينغ!
كان صوت صافرة إنذار.
سددتُ أذنيّ أمام ذلك الرنين الذي شعرتُ وكأنه سيفجر طبول أذني.
نظرتُ جانبي، كان الرجل أيضاً يقطب جبينه ويسد أذنيه بقوة.
لحسن الحظ، خمد ذلك الصوت بعد فترة وجيزة.
"لقد كان مزعجاً للغاية منذ قليل."
ما إن ساد الهدوء، حتى تمتم الرجل بلسانه وبدأ ينبش جيوبه مجدداً.
ثم أخرج ورقة مجعدة ومدها إليّ؛ كانت عبارة عن منشور مطوي من ثلاث طبقات، من النوع الذي تراه في كل مكان.
بمجرد أن استلمتُها منه، تحدث الرجل بسرعة.
"إذن، إذا نظرت هناك.."
بينما كنتُ أنظر إلى المنشور، انقطع كلامه بشكل غريب.
رفعتُ رأسي ونظرتُ جانبي.
قو- قو- قو-!
كان الرجل الذي بجانبي ينضغط وينكمش تماماً مثل دمية مطاطية.
مثل تلك الدمى التي يحاول الأطفال حشر رؤوسها داخل أجسادها حتى تتحطم في النهاية.
قو- قو- قاق!
استمر الرجل في الانضغاط تحت وطأة قوة ساحقة، حتى أصبح في النهاية مسطحاً تماماً مثل علبة صفيح دُعست بالأقدام.
تشواك—!
اندفعت دماؤه على الأرض وبللت حذائي.
وفي الوقت نفسه تقريباً، سمعتُ صوت "درررررر".
تتبعتُ الصوت، فإذا بعامل النظافة يبتسم خلفي.
تجاوزني الرجل ذو البدلة الأنيقة، ورفع ما تبقى من "الرجل" عالياً، ثم ألقاه في حاوية القمامة التي يجرها خلفه.
دب، دب، كوانغ!
كان هو نفس الصوت الذي سمعتُه من قبل.
حين استعدتُ وعيي، وجدتُ نفسي أركض.
«لكل إنسان حكايته الخاصة.»
وأنا أيضاً كذلك.
لكن القصة التي صنعتُها لنفسي كانت هادئة وواضحة المعالم، بحيث يمكنني تخمين إلى أين ستؤول؛ لم تكن أبداً بهذا الشكل الغريب والوحشي.
لماذا؟ لماذا عليّ أن أواجه هذا؟
وسط رأسي المليء بعلامات الاستفهام، خطرت لي جملة قصيرة.
«لا يوجد معنى كبير للأمر.»
كانت هذه جملة من رواية أحد كُتّابي.
«لقد حدث الأمر هكذا فحسب، لا يوجد معنى عظيم وراءه. وحتى لو وُجد، فهو ليس مهماً.»
«لا بأس، فالموت قد يكون أكثر رقة مما تتخيل.»
آه، ربما يكون الأمر كذلك فعلاً.
تلك المرأة طار رأسها فجأة، وهذا الرجل انضغط بغتة.
لقد حدث الأمر هكذا فحسب.
المعنى ليس مهماً، بل ربما لم يكن موجوداً من الأساس.
إذن، ماذا عني؟
هل يجب أن أموت أنا أيضاً بطريقة غريبة وأكتفي بالإيماء قائلاً.
'لقد حدث الأمر هكذا فحسب'
لو كان الأمر كذلك، لكان أسهل بكثير.
فالموت قد يكون أرقّ مما أتخيل.
لا.. لا تمزح معي.
أنت لست ميتاً طالما أنك لم تمت بعد.
بما أنني سأموت على أي حال، عليّ أن أجرب كل شيء.
فليس هناك ما هو أكثر إثارة للشفقة من عدم المحاولة والتخبط بيأس.
حشرتُ المزيد من الهواء في رئتيّ المشبعتين بالفعل، ثم أخرجتُ أنفاساً كنتُ أحبسها بصعوبة.
قبل قليل، قال ذلك الرجل إن بإمكاننا النجاة.
ولا يزال المنشور الذي سلمه لي الرجل عالقاً في قبضة يدي.
فتحتُه ونظرتُ إليه.
هذه المرة أيضاً، لم تكن الكلمات تُقرأ بسهولة.
ومع ذلك، واصلتُ التقليب في صفحاته، حتى استقر نظري على فقرة داخل المنشور برزت بوضوح تام.
كان مكتوباً هناك، وبكلمات استطعتُ قراءتها بوضوح شديد، ما يلي.
[قواعد نجاة المفقودين داخل محطة السكة الحديد حيث يدوّي الإنذار]
أنت الآن متواجد في «محطة السكة الحديد حيث يدوّي الإنذار»، وهي منطقة خاضعة لإدارة حكومة جمهورية كوريا.
بما أنك في وضع يهدد حياتك بالخطر، يرجى استيعاب قواعد النجاة التالية والإخلاء فوراً.
أنا عازمٌ على النجاة مهما كلف الأمر.
لكن، من ناحية أخرى...
شعرتُ برغبة في الصراخ 'ما الذي يفترض بي فعله الآن؟!'
____________
السلام عليكم
نظرا لضغط الامتحانات التنزيل يا بين يوم ويوم يا كل يومين فصل وتبقى حسب اذا توفر الوقت لترجمة أي فصول إضافية
بإختصار حاليا التنزيل غير مستقر
أي مستجدات بالأنستا:3e_2rl
مع السلامة