تلاشت كل الأصوات حولنا، وتحولت القاعة إلى ساحة حرب صامتة.

بدأت الدقائق تتبخر كقطرات ماء على سطحٍ ساخن،

مرت الأسئلة الأولى كأنها شفرات حادة استنزفت نصف وعيي، حتى وصلت إلى:

[السؤال العاشر]:

​«إذا كنت تخاف من نفسك، فمن يحميك منك؟»

ابتلعتُ ريقي. هذا السؤال لم يكن مجرد حبر على ورق، بل كان يبدو كمرآة تُجبرني على النظر إلى أحلك زوايا نفسي.

في المجتمع العادي، سيقولون لك إن عقلك يحميك، أو مبادئك. لكن هنا؟ القواعد مختلفة تمامًا.

وضعتُ القلم على الورقة وكتبت:

«لا أحد يحميك من نفسك سوى تصالحك مع أسوأ نسخك. الخوف من الذات يحدث عندما نعامل أنفسنا كأعداء غرباء.

الحماية الحقيقية لا تأتي من الاختباء، بل من إدراك أن الوحش القابع في الداخل هو جزء منك، وعوضًا عن الهروب منه، عليك أن تروضه.

أو ربما تحتاج فقط أن تنام… لأنه الشيء الوحيد الذي يوقفك مؤقتًا.»

كان عقلي يعمل بأقصى طاقته، لدرجة أنني بدأت أشعر بصداع نابض خلف عينيّ.

الأسئلة لم تكن تتوقف عن نهش قناعاتي، وكلما أجبتُ عن سؤال، شعرتُ أن الورقة تمتص جزءًا من روحي.

حتى اصطدمت عيناي بـ [السؤال الخامس عشر]:

​إذا أحبك الجميع، فهل هذا يعني أنك حقيقي؟

ضحكتُ بسخرية في داخلي.

امتدت يدي لتكتب الإجابة بجرأة بدأت تتغذى على الصداع النابض في رأسي:

«هذا يعني أنك جيد في التمثيل.»

أطلقتُ زفيرًا طويلًا، وشعرتُ بالصداع ينتقل من مؤخرة رأسي ليتركز بمرارة في منتصف جبهتي.

التفتُّ سريعًا نحو الساعة الكبيرة و.. تبًا!

لم يتبقَّ سوى اثنتي عشرة دقيقة.

كانت القاعة من حولي تئن بصمت، بعض الطلاب استسلموا تمامًا ووضعوا رؤوسهم على الطاولات، بينما كان البعض الآخر يكتب بهستيريا تقترب من البكاء.

أجبتُ عن الأسئلة التي تلتها بتركيز هستيري، حتى وصلتُ إلى العقبة الأخيرة التي بدت وكأنها مصيدة صُممت خصيصًا لتدمير ما تبقى من خلايا عقلي:

[السؤال العشرون]:

«إذا كان الجميع يكذب مرة واحدة يوميًا، فهل قولهم إنهم صادقون يعتبر كذبة إضافية أم نفس الكذبة؟»

تصلب ظهري.

أعدتُ قراءة السؤال مرتين، وثلاثًا، وأربعًا. الكلمات بدأت تتداخل أمام عينيّ بفعل الإرهاق.

إذا كانت كذبة إضافية، فهذا يعني أنهم كذبوا مرتين، مما يكسر فرضية السؤال الأساسية بأنهم يكذبون "مرة واحدة فقط".

وإذا كانت نفس الكذبة، فكيف يمكن لقول "أنا صادق" أن يستوعب كذبة أخرى حدثت بالفعل في وقت سابق من اليوم؟

أمسكتُ برأسي بكلتا يديّ، وأنا أشعر أن دماغي يكاد ينفجر من شدة التناقض.

إذاً، كيف يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة؟

لطالما كان الإنسان يكذب، وحتى وإن كانت كذبة بيضاء فهي كذبة في نهاية الأمر.

وهنا نعود إلى جذور المرض...

لماذا يكذب الإنسان؟ الخوف، النجاة، تجميل الحقيقة...

الكذب ليس مجرد فعل، إنه طبيعة بشرية لحماية الذات.

انحنيتُ على الورقة، وضغطتُ بالقلم بقوة كادت تكسر سنّه، وكتبتُ الإجابة الأخيرة قبل أن أفقد عقلي:

«ليست كذبة إضافية، وليست نفس الكذبة. إنها كذبة الوعي.

في عالم يكذب فيه الجميع مرة واحدة، يصبح ادعاء الصدق هو القانون العام الذي يتفق الجميع على تزييفه لكي تستمر الحياة.

من يقول: أنا صادق، لا يكذب كذبة جديدة، بل يجدد رخصة العيش؛ لأن النزاهة المطلقة في عالم مشوه هي الجنون بعينه.»

تيك.. تاك.. تيك..

ما إن انتهيتُ من الحرف الأخير، حتى انطلق ذلك الصوت من جديد.

«دببببببببببم!!»

ضربة المراقب ذي الندبة على المنصة كانت أقوى هذه المرة، دوّت كصعقة رعدية هزت الجدران الرخامية للقاعة.

«انتهى الوقت! ارفعوا أيديكم عن الأوراق فورًا!»

في تلك اللحظة، سقط قلم الرصاص من يدي المرتجفة ليرتطم بالطاولة، محدثًا صوتًا ضاع وسط جلبة الأنفاس المتلاحقة في القاعة.

تركتُ جسدي يستند إلى المقعد الخشبي الصلب، وشعرتُ وكأنني خرجتُ للتو من زنزانة تعذيب نفسي. الصداع خلف عينيّ كان يلسعني كإبرة ساخنة.

أما بالنسبة لمعدتي.. فقد عادت لتعصر أحشائي بعنف، متأثرةً بجرعة الأدرينالين التي بدأت تتلاشى ببطء من دمي وتترك خلفها إرهاقًا حادًا.

كتمتُ غثياني بصعوبة، متمنيًا أن أخرج بسرعة.

تحرك المراقبون الثلاثة بآلية صامتة ومخيفة بين الممرات، يجمعون الأوراق بسرعة ودقة، دون أن ينظروا حتى إلى وجوهنا.

عندما وصل المراقب ذو الندبة إلى طاولتي، سحب ورقتي ببطء، ولم يتوقف حذاؤه أمام مقعدي هذه المرة، لكن عينيه التفتتا نحوي للحظة خاطفة أرسلت قشعريرة باردة في عمودي الفقري، ومضى دون أن ينبس ببنت شفة.

تنفستُ الصعداء، والتفتُّ حولي.

كان المشهد داخل القاعة بائسًا؛ مئات الطلاب بدوا كجثث هامدة استُنزفت أرواحها. بعضهم كان يبكي صامتًا، والبعض الآخر يحدق في الفراغ بصدمة كاملة. لقد انتهت المذبحة الفكرية.

ولم تكن لدي طاقة لأقف حتى.

عاد المراقبون الثلاثة إلى المنصة الرئيسية في الأسفل، ورتبوا الأوراق في صندوق حديدي أسود شديد الشبه بصناديق الذخيرة الحربية.

أُغلق الصندوق بقفل إلكتروني أصدر صوتًا حادًا: «طأطأ!».

[يرجى من المتقدمين الخروج من القاعة]

دوى الصوت الآلي الجاف عبر مكبرات الصوت، ليقطع حبل الصمت الميت الذي خلفته الصدمة الأكاديمية.

تحرك القطيع البشري مجددًا، لكن هذه المرة لم تكن الخطوات ثقيلة بفعل التوتر فحسب، بل كانت متثاقلة كخطوات جنود عائدين من معركة خاسرة.

أخيرًا..

نزلتُ الدرجات الخشبية بسرعة كانت تتحدى توازني، متفاديًا الارتطام بالملامح الشاحبة التي تحركت حولي كأشباح هائمة.

وضعتُ يدي على بطني التي كانت تتقلب كمرجل يغلي.

كانت القاعة تبدو وكأنها تضيق عليّ، ورائحة التدفئة الجافة تخنق ما تبقى من أنفاسي.

ما إن خطوتُ خارجها حتى استقبلتني برودة الجو القاسية كصفعة قوية على وجهي.

"أووووه..."

استنشقتُ الهواء البارد بجوع، وكأنني كنتُ غريقًا أخرج رأسه من المحيط في الثواني الأخيرة.

أسرعتُ بخطواتي نحو دورات المياه العامة القابعة في نهاية الردهة الطويلة.

لم أكن أهتم بنظرات المارة، ولا بالصمت الخانق الذي لا يزال يخيم على الأجواء.

دفعتُ الباب الثقيل بقدمي، وارتميتُ فوق حوض الغسيل الرخامي البارد، وفتحتُ صنبور المياه إلى الحد الأقصى.

لم أستطع كبح جماح أحشائي أكثر من ذلك؛ انحنيتُ وأفرغتُ كل ما في معدتي من عصارة مريرة ترافقت مع سعال حاد مزق حنجرتي.

بقيتُ على تلك الوضعية لعدة دقائق، غائبًا عن العالم، بينما كان الماء البارد يتدفق بغزارة فوق رأسي ويهبط على عنقي، ليعيد إيقاظ الخلايا التي ماتت داخل القاعة.

'لقد انتهى نصف الطريق... فقط تماسك حتى الغد.'

لطالما اشتهرت إسْكُوبْرا بغرابتها وطريقة اختيارها لطلابها؛ فكان على الطالب أن يجتاز مرحلتين: الاختبار الكتابي، ثم اللقاء.

رفعتُ رأسي ببطء، ونظرتُ إلى المرآة القابعة أمامي.

الوجه الذي حدق فيّ لم يكن وجهي؛ كانت الهالات السوداء قد حفرت خنادق عميقة تحت عينيّ، وشفتيّ جافتين وبيضاوين، وشعري الاسود يقطر ببطئ ماءً باردًا ينساب على وجنتيّ.

أغلقتُ الصنبور.

ساد الهدوء المكان لثوانٍ، ولم يكن يُسمع سوى صوت قطرات الماء وهي تسقط بانتظام في الحوض.

"اللقاء..." همستُ بالكلمة، فتردد صداها.

الجميع يعرف القواعد الخارجية لإسْكُوبْرا؛ الاختبار الكتابي لا يمنعك من خوض اللقاء، سواء كان ما كتبته في الورقة مهزلة تافهة أو شيئًا ملفتًا للانتباه.

إنها تلتقي بجميع المتقدمين دون استثناء، وهذا هو الجنون الحقيقي الذي تميزت به هذه الجامعة.

لكن اللقاء لم يكن شيئًا عاديًا، طبيعته تتغير كل سنة

"رن.. رن. رنين.."

تجمدت قطرة الماء على طرف ذقني قبل أن تسقط.

لم يكن هذا الرنين صادرًا من مكبرات الصوت، ولم يكن جرس القاعة، ولا رنين لهاتف ما

كان صوتًا قريبًا.. قريبًا جدًا.

-------

في القاعة الفارغة

عاد الصمت المطبق في القاعة 404، بعد أن أُفرغت من أجساد الطلاب الشاحبة، تاركةً خلفها رائحة الخوف المألوفة.

تنفس المراقب النحيل ذو النظارات الدائرية الصعداء، وقام بفك زر قميصه العلوي وهو يجلس على حافة المنصة:

"جيل هذا العام يبدو باهتًا كالعادة.. مئات الوجوه الخائفة، وإجابات منسوخة من كتب الفلسفة الرخيصة. كما أنني أرى أنك قد أصبحت صدئًا يا كين.. لماذا لم تطرد ذلك الفتى؟"

التفت المراقب ذو الندبة نحو الصندوق الحديدي الأسود، ولمعت عيناه ببريق غامض وهو يجيب بصوت منخفض:

"لأنه كان جريئًا.. جريئًا بما يكفي ليقف أمامي وينظر في عينيّ، وذكيًا بما يكفي ليرفض ما هو محدد له. إسْكُوبْرا لا تحتاج إلى عقلاء.

إسْكُوبْرا تحتاج إلى مجانين يعرفون كيف يقلبون الطاولة."

ضحك المراقب النحيل ذو النظارات الدائرية، والتفت نحو المراقب الثالث الذي كان صامتًا طوال الوقت:

"إذًا فهو يذكرك بذلك الشخص أيضًا.. ما رأيك يا مارك؟ أرى أن عينيك لم تتحركا عنه طوال الوقت."

لم يجب مارك فورًا.

تحرك ببطء نحو الصندوق الحديدي الأسود، وامتدت أصابعه الطويلة لتمسح على السطح المعدني البارد للصندوق.

"إنه ليس مثله"، قال مارك أخيرًا.

كان صوته هادئًا بشكل مرعب، خاليًا من أي مشاعر.

"ذلك الشخص كان يملك عيونًا تريد إحراق الجامعة بمن فيها، كان يهاجم القوانين التي وضعناها، ويضع قوانينه الخاصة، كالكارثة المتحركة."

أكمل مارك حديثه، والتفت ببطء نحو كين:

"أما المتقدم 1770، فعيناه لم تكونا تريدان إحراق المكان. عيناه كانتا تحاولان فهمه.

إنه يرى القواعد كلعنة، لكنه بدلًا من كسرها، يبحث عن الثغرة التي تجعل تلك اللعنة تعمل لصالحه. وهذا جنون أيضًا."

هز المراقب ذو النظارات رأسه بسخرية وهو يعيد ارتداء نظاراته بينما يقول بحدة:

" إسْكُوبْرا لا تخاف من الجنون.. إسْكُوبْرا تتغذى عليه."

2026/05/22 · 1 مشاهدة · 1334 كلمة
rryu rjch
نادي الروايات - 2026