"وداعًا، 1770"
سقطت الكلمات من فمه كأحجارٍ ثقيلة في بئرٍ عميق، ومعها انفتح ذلك الفك المليء بالإبر المعدنية باتجاه وجهي. كانت الرائحة خانقة، لدرجة أنني شعرت بأن رئتَيّ تحترقان.
لكن بدلًا من أن أصرخ، وبدلًا من أن أرتجف، ضحكتُ.
ضحكة مجنونة، خافتة، خرجت من أعماق ألمي المبرح.
"شكرًا لك.. لكونك أحمقًا."
"هاه؟.."
بانغ! بانغ! بانغ!
ثلاث رصاصاتٍ متتالية دوّت في الغرفة كأنها انفجارات في نفقٍ ضيق. ارتدت البندقية في كتفي بقوةٍ كادت تخلع كتفي الآخر، لكن الارتداد كان أروع شعورٍ شعرتُ به في حياتي.
تلك الرصاصات دخلت فمه بالكامل لتفجر ذلك الفك المشوه من الداخل إلى الخارج. طار الرأس الملعون كقذيفةٍ في الهواء، وتناثر سائلٌ أسود لزج على الجدار الأبيض الناصع، تاركًا خلفه دوائر سوداء تذوب كالحبر في الماء.
القبضة المعدنية التي كانت تخترق أحشائي فقدت قوتها فورًا، وارتخت أطرافه كحبلٍ مقطوع.
سقطتُ على الأرض، وارتطمتُ بالرخام بقوة، وصدى صرخات الكائن الميكانيكية لا يزال يتردد في أذنيّ.
"كان عليك ملاحظة محيطك جيدًا."
وقفتُ بصعوبةٍ بالغة، أضغط بيدي على جرحي النازف، بينما كانت قدماي تتخبطان فوق قطع الزجاج المكسور والدم الأسود.
نظرتُ إلى جثة الكائن الملتوية، ثم مسحتُ ببصري الجدران التي تحولت من بياضها البارد إلى لوحةٍ قانية تنزف حكايتها الخاصة.
منذ اللحظة الأولى، لم يكن تحطيمي للصور مجرد نوبة ذعر؛ كنتُ أختبر صلابة جلده ومناعته، وأراقب رد فعله.
وحين لم يرمش له جفنٌ مع تناثر الزجاج الحاد على جسده، تأكدتُ من فرضيتي:
أولًا: هذا الكائن ليس منيعًا.
ثانيًا: إنه لا يشعر بشيء، مما يعني أن جهازه العصبي لا يربط بين الأطراف والمركز.
كانت خطتي منذ البداية هي استدراجه نحو الجدار المعلق عليه سلاحه القديم.
وفي لحظة اندفاعه الأخيرة، حين انغرز مخلبه في جسدي، كانت يدي قد استقرت بالفعل على مقبض البندقية المعلقة خلفي، وبحركةٍ واحدة يائسة، سحبتها وأفرغت ما فيها في ذلك الفك المفتوح.
لقد كان خطئي الوحيد هو استهانتي بمدى سرعته، فكلفني ذلك جرحًا كان من الممكن أن يكون قاتلًا.
ربما كان ع...
كنت ألهث بشدة، وأحاول استجماع شتات وعيي المشتت، حين قطع صمت الغرفة صوتُ اصطدامٍ عنيفٍ بالباب الخشبي الثقيل.
"هل الجميع بخير؟! سمعنا دويّ انفجارات واهتزازات... ماذا بحق الجحيم؟!"
اقتحم الغرفة فريقٌ يرتدي زيًا أسود رسميًا، ملامحهم صارمة، ومسلحون بأسلحةٍ متطورة لا تشبه بندقية الصيد البدائية التي في يدي. توقفوا في مكانهم، وتلاشت الكلمات من أفواههم وهم يمسحون المكان بعيونٍ متسعة.
لم تكن نظراتهم موجهة إليّ، بل كانت تائهة بين كومة اللحم الميكانيكي المتمزق المتناثر على الرخام، وبين الجدار الذي نُقشت عليه دماءٌ سوداء.
"اللعنة..." قال أحدهم بينما ينظر إليّ.
"لم يكن بشرًا.." همستُ، بينما سقطت البندقية من بين يدي. "لقد ظهر.. ثم.. تحول."
ساد صمتٌ خانق، قطعه صوتُ خطواتٍ سريعة ومضطربة.
تقدم نحوي أحدهم، وعلى عكس زملائه الذين بدوا في حالة استغراب، اقترب مني بخطواتٍ موزونة وابتسامةٍ هادئة، دافئة بشكلٍ مريب.
وضع يده على كتفي بخفة، وكأنه يواسي طفلًا تائهًا، وقال بنبرةٍ ناعمة اخترقت صخب أفكاري:
"هدئ من روعك... أنت آمن الآن. ابقَ ثابتًا، سيأتي الطبيب قريبًا."
"أنا..." همستُ بصوتٍ خافت.
"نحن نعتذر، لم نتوقع أن يكون منهم. كان أستاذًا رائعًا." نظر الرجل إلى الأشلاء الممزقة التي يحاول أعضاء فريقه نقلها.
ثم ابتسم مرةً أخرى، والتفت إليّ، ولم تكن ابتسامته دافئة هذه المرة، بل كانت تحمل طابعًا إداريًا باردًا، كأنه أغلق ملفًا للتو. سحب يده من كتفي، ونفض قفازه الجلدي ببطء.
"لقد كان عليك الهروب منذ اللحظة التي أمسكتَ فيها بمقلة العين، ولكنك واجهته، وهذه شجاعةٌ منك."
انتظر...!
أكمل بينما كان بقية فريقه يغلفون أشلاء الكائن في أكياسٍ سوداء معتمة:
"لقد كان الأستاذ يعاني من خللٍ في المنظومة العصبية منذ فترة، ولكننا لم نعلم أنه سيتحول إلى هذا الشكل العنيف في أي لحظة."
التفت الرجل بظهره ليتابع عمل فريقه.
"لكني... ظننتُ أنه قلم، لذا أمسكت به. " قلت
"لكن، لقد كان من الخطير أن تنظر تحت المكتب..."
قال الرجل بلهجةٍ تفتقر لأي نوعٍ من التعاطف، كأنه يوبخ طفلًا خالف قواعد اللعبة، وليس شخصًا كاد يُقتل منذ لحظات.
"ماذا لو أخرج مجسًا وقتها بدلًا من أن ينتظر؟ كنتَ ستصبح ذكرى في ملفٍ إداري منسي."
ثم أعاد نظره إليّ ليتجمد للحظة.
كنت أبتسم ببساطة.
اتسعت ابتسامتي أكثر حتى بدت كأنها لا تنتمي لوجهي؛ كانت ابتسامةً عريضة، باردة، ومخيفة.
"شكرًا لك.. أنا ممتن لأنكم أتيتم."
أومأ الرجل، ثم التفت لينظر إلى فريقه.
ثم أضفت:
"لكن... أنا أعتذر على هذا."
"كما قلت، لا داع..."
بانغ! بانغ!
من الجيد أنني لم أرمِ البندقية بعيدًا.
كانت أصابعي قد تحركت بحركةٍ خاطفة، كأنها تعزف مقطوعة موسيقية على الزناد.
فانطلقت رصاصتان إلى ظهر الرجل الغريب بدقة؛ واحدة في قاعدة الجمجمة، والأخرى في منتصف العمود الفقري.
نظرتُ إلى الشخص الذي كان من المفترض أن يتحول إلى جثةٍ الآن، ولكن..
يا للمفاجأة اللطيفة.
كان واقفًا الآن أمامي بينما يمسك بكلتا الرصاصتين بمخلبٍ خرج من ظهره.
كان وحشًا أيضًا.
التفت إليّ بابتسامةٍ باردة.
"ردود فعل رائعة."
نظر إلى الرصاصتين في يده، ثم رمى بهما على الأرض، فأحدثتا صوتًا رنانًا ومستفزًا.
"أوه 1770، كيف عرفت بأمرنا؟" قال، وصوته هذه المرة لم يكن بشريًا، بل كان يشبه صوت احتكاك شفرتين ببعضهما.
نظر إلى عبوة البندقية الفارغة، وابتسمتُ بمرارة، رغم أن جرحي كان ينزف بغزارة، ورغم أن الرؤية بدأت تتغبش أمام عينيّ، وقلت:
"كيف عرفت؟... السؤال موجّه لك. كيف عرفت أنني أمسكتُ بمقلة عينه؟ كيف عرفت أنها كانت تحت المكتب؟ هذه الغرفة خالية من كاميرات المراقبة، أخبرني أنت... كيف عرفتَ بكل هذا؟"
"هذا رائع.. 1770، رائع للغاية."
لم تعد ابتسامته مجرد تعبيرٍ عن السخرية، بل تحولت إلى انشطارٍ في جلده، حيث بدأت ملامحه البشرية تتساقط كقناعٍ من شمعٍ مذاب.
خلف ذلك القناع، برزت عيونٌ متعددة، صغيرة كعيون الحشرات، تتحرك في اتجاهاتٍ متقاطعة دون تنسيق، بينما نمت من كتفيه أطرافٌ تشبه شفرات المناشير الدائرية.
لم تكن لديّ القوة للمقاومة أو حتى الحركة، بينما كان جميع أعضاء فريقه يتحولون ببطء إلى أشكالٍ مخيفة. الغرفة التي كانت يومًا ما بياضًا ناصعًا تحولت إلى مسرحٍ للمسوخ. كل واحدٍ منهم كان يتشكل بطريقةٍ أكثر رعبًا من الآخر؛ أحدهم نبتت من ظهره أجنحة جلدية مدببة، والآخر تمددت أطرافه لتصبح خيوطًا حريرية حادة كالشفرات.
وقتها شعرتُ بذلك... تلك الشفرة الحادة اخترقت قلبي بالكامل، وخرجت من الجهة الأخرى.
سقطتُ على ركبتي، بينما أشعر بأن وعيي يتلاشى بالكامل.
"أوه، 1770... 1770.. 1770.. كم أرغب بأكلك، 1770."
غرق وعيي بالكامل.
. . .
'17'
رأسي يؤلمني.
'177'
أحدهم يتحدث.
"1770"
من...؟
"لويان... استيقظ! لقد نادوا برقمك!"