#الحلقة 2️⃣

لم تكن تلك الليلة عادية بالنسبة لسارة. فقد بدت السماء ملبدة بغيوم ثقيلة، كأنها تحمل معها كل ثقل الأسئلة التي لم تجد لها إجابة بعد. كانت تجلس وحدها في غرفتها، تتأمل في السقف، فيما تدور الأفكار في رأسها كإعصار لا يهدأ. لقد أصبح فارس حاضرًا في قلبها وعقلها، لكن الحقيقة التي اكتشفتها عنه جعلتها تشعر وكأنها واقعة بين نارين: نار الحب، ونار الخوف.

في صباح اليوم التالي، تلقت سارة رسالة قصيرة من فارس:

"أحتاج إلى رؤيتك. هناك أشياء يجب أن تعرفيها. وحدكِ تستطيعين أن تقرري بعدها إن كنتِ ستبقين… أم ترحلين."

وافقت على لقائه، ولكن هذه المرة، قررت أن تكون قوية. اختارت مقهىً صغيراً مطلاً على البحر، حيث اعتادت أن تذهب إليه لتكتب خواطرها في أيام الهدوء. جلس فارس أمامها، عيونه لم تعد كما عهدتها؛ فيها قلق، وفيها شيء من الرجاء.

قالت له بهدوء مشوب بالحذر:

– "أنا لا أخاف منك يا فارس... لكني أخاف من مستقبلي معك."

أطرق برأسه، ثم رفع عينيه ونظر في عينيها مباشرة:

"كل ما فعلته في حياتي كان لأجل النجاة… لأجل البقاء حيًا. لكن منذ عرفتكِ، بدأت أشعر أن البقاء وحده لا يكفي."

سكتت سارة للحظة، ثم تمتمت:

"وماذا عن السرقة؟ عن الدماء؟ عن الذين يؤذَون بسببك؟"

تنهد فارس، وقال بصوت منخفض:

– "أنا عالق في شبكة… إذا خرجت منها، سأموت. وإذا بقيت فيها، سأفقدك."

وهنا، بدأت أول خيوط الصراع الحقيقي تظهر. سارة قررت ألا تكون مجرد فتاة تقف في الظل. أرادت أن تعرف الحقيقة كاملة، أن تواجه ماضي فارس بنفسها، حتى تقرر ما إن كانت قادرة على حبه رغم كل شيء. طلبت منه أن يصحبها إلى الحي الذي نشأ فيه، إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.

ورغم تردده، وافق فارس، واصطحبها إلى الأزقة التي لطالما كان يتجنبها معها. كان المكان ينبض بالخشونة، بالذكريات المؤلمة، بالوجوه التي لا تنسى. وهناك، التقت سارة بشخص غريب، رجل أصلع يحمل ندبة على خده، ويُدعى "راشد". كان أحد رجال فارس، لكنه لم يُخفِ امتعاضه من وجود سارة.

قال راشد ساخرًا:

– "منذ متى بدأت تُحضر الزهرات إلى مستنقعنا يا فارس؟ هل تنوي أن تقتلها أيضًا؟"

اشتعل وجه فارس بالغضب، واندفع نحو راشد دافعًا إياه إلى الجدار:

– "احترم نفسك. هذه المرأة... ليست كبقية من عرفتهن."

سارة وقفت مذهولة، تدرك لأول مرة خطورة ما دخلت فيه. لكنها لم تتراجع. بدأت تسأل، تبحث، تجمع قطع الصورة. واكتشفت أن فارس لم يكن مجرد مجرم صغير، بل أنه كان يتزعم واحدة من أخطر شبكات التهريب في طرابلس. وكان اسمه مدرجًا على قوائم المطلوبين، لكن بحذر ودهاء، ظل يتخفى.

وفي ذات ليلة، وبينما كانت سارة عائدة إلى منزلها، توقفت سيارة سوداء بجانبها فجأة، وانفتح الباب الخلفي بقوة. قبل أن تصرخ أو تتحرك، شعرت بيد تغطي فمها، وأُجبرت على الدخول.

الظلام خيّم، وصوت رجل في المقعد الأمامي قال بهدوء شيطاني:

– "قال لكِ إنه سيحميكِ

؟… هذا إن استطاع حماية نفسه أولاً."

2025/04/17 · 87 مشاهدة · 450 كلمة
نادي الروايات - 2026