لم يكن هناك إنذار.
لم يسبقه صوت، ولا تغيّر واضح في الضوء، ولا ذلك الإحساس البطيء الذي اعتاد عليه منذ الاستيقاظ.
الشيء أمامه تحرّك، وفقط عندها أدرك أن الانتظار كان خطأً.
اندفع جانبًا دون تفكير،
وفي اللحظة نفسها، مرّ عبر الموضع الذي كان يقف فيه شيء ثقيل، غير مرئي بالكامل، لكنه ترك أثره في الهواء.
ضغط حاد اخترق صدره، كأنه اصطدم بجدار غير موجود، وجعله يختنق للحظة.
اصطدم بالحائط خلفه.
كان يتوقع صدمة عنيفة، ألمًا يكسر تركيزه،
لكن الجدار لم يكن صلبًا كما يجب.
انحنى قليلًا تحت جسده،
ثم عاد إلى وضعه الطبيعي،
كأن المكان يسمح بالاصطدام…
ولا يسمح بالاعتماد عليه.
تراجع خطوة،
ثم استدار بسرعة.
الشيء الذي يطارده لم يكن كائنًا كاملًا.
لم يكن ظلًا خالصًا، ولا مادة.
حدوده غير واضحة، تتغيّر مع كل حركة في المكان،
لكن مركزه ثابت،
نقطة كثيفة من الوجود، لا تتحرك إلا عندما يتحرك هو.
أخذ نفسًا قصيرًا.
تراجع خطوة أخرى.
الشيء تقدّم خطوة.
لم يكن يهاجم،
كان يضغط.
الأرض تحت قدميه مالت فجأة.
ليس انهيارًا،
بل ميل مدروس،
كأن المكان نفسه يدفعه في اتجاه واحد فقط.
فهم الرسالة فورًا.
الوقوف… لم يعد خيارًا.
ركض.
اندفع للأمام،
وكل خطوة كانت أثقل من السابقة،
كأن الأرض تحاول إبطاءه دون أن توقفه.
المساحة أمامه تغيّرت بسرعة.
الجدران انسحبت،
والسقف ارتفع،
وانفتح المكان على مفترق ضيّق.
ممران.
الأيسر ضيّق، مظلم،
لا يرى نهايته.
الأيمن أوسع،
لكن أرضه مليئة بخطوط دقيقة، متشابكة،
تتحرك ببطء غير مطمئن.
لم يكن هناك وقت للمقارنة.
دخل الأيمن.
ما إن وطئت قدمه الأرض حتى تحرّكت الخطوط.
لم ترتفع دفعة واحدة،
بل بدأت بالاهتزاز،
ثم تمدّدت،
كأنها تحاول الإمساك بتوازنه.
اختلّ توازنه فورًا.
قفز خطوة للأمام.
انزلقت قدمه.
تدحرج على جانبه،
وشعر بالأرض تتغيّر تحته في كل لحظة.
ثبت نفسه بالكاد،
ووقف من جديد.
نظر خلفه.
الشيء الذي كان يطارده توقّف عند مدخل الممر.
لم يدخل.
لم يكن ذلك ارتياحًا.
كان أسوأ.
كان كأنه يعرف ما سيحدث.
الأرض خلفه ارتفعت فجأة.
ليس ارتفاعًا طبيعيًا،
بل اندفاع عمودي حاد،
دفع جسده للأمام بقوة.
لم يملك السيطرة.
اندفع،
اصطدم بالأرض،
وانزلق.
حاول أن يتشبث بأي شيء،
لكن السطح كان أملس،
يتغيّر مع كل حركة.
أمامَه،
انفتح شق عميق في الأرض،
لم يكن موجودًا قبل لحظة.
اتسعت عيناه.
مدّ يده بلا تفكير.
أمسك بشيء.
خشن.
بارد.
حقيقي.
شدّ قبضته بقوة،
وتوقّف الانزلاق فجأة.
جسده ارتجف،
ليس خوفًا،
بل من الجهد المفاجئ.
رفع رأسه ببطء.
كانت عصا.
مغروسة في الأرض عند حافة الشق،
لكنها لا تشبه ما حولها.
ليست من نفس المادة،
ولا من نفس اللون.
كأنها نقطة غريبة في مكان لا يقبل الغرابة.
شدّها.
لم تتحرك.
لكنها ثبتت.
جمع قوته،
وسحب جسده للأعلى،
ثم دفع قدمه إلى أرض أكثر صلابة.
تدحرج،
ثم توقف.
لهث طويلًا،
شعر بالألم في كتفه وذراعه،
لكن الألم كان واضحًا، حقيقيًا،
وهذا وحده كان مطمئنًا بطريقة غريبة.
نهض ببطء.
الأرض هنا مختلفة.
أكثر ثباتًا.
الخطوط المتحركة توقفت عند حدّ معيّن،
كأنها لا تستطيع تجاوزه.
التفت خلفه.
الشق ما زال هناك.
الخطوط ما زالت تتحرك على الجانب الآخر.
لكن الشيء الذي كان يطارده…
اختفى.
لا ظل.
لا ضغط.
لا حضور.
كأنه لم يعد معنيًا بما حدث.
نظر إلى العصا في يده.
لم تختفِ.
كانت بسيطة،
طولها مناسب،
سطحها خشن بما يكفي ليمنحه ثباتًا.
لم يكن يعرف لماذا كانت هناك،
ولا لماذا استطاع الإمساك بها في اللحظة المناسبة.
لكنه أدرك شيئًا واحدًا بوضوح:
هذا المكان لا يمنح شيئًا مجانًا.
ما أمسكه الآن…
كان نتيجة حركة واحدة صحيحة،
في لحظة واحدة صحيحة.
شدّ قبضته على العصا.
لأول مرة منذ الاستيقاظ،
لم يكن أعزلًا بالكامل.
لكن الإحساس لم يكن طمأنينة.
كان ثقلًا جديدًا.
كأن امتلاك شيء هنا
يعني أن المكان سيراقبه أكثر.
رفع رأسه.
الضوء من حوله بدأ يضعف.
ليس انطفاءً فجائيًا،
بل خفوتًا بطيئًا،
كأن الطاقة التي تحافظ على المساحة تُسحب تدريجيًا.
خطا خطوة.
لم يحدث شيء.
خطا ثانية.
اهتزّ الضوء قليلًا.
توقف.
شعر بإحساس غريب في قدميه،
ليس فقدان توازن،
بل فراغ.
نظر للأسفل.
الأرض ما زالت موجودة،
لكن الإحساس بها… يتلاشى.
رفع قدمه ببطء،
وأعادها.
لم يشعر بالاصطدام الكامل.
بدأ الفهم يتشكّل في ذهنه،
دون كلمات واضحة.
هذا المكان…
لا ينهار.
إنه يُلغى.
الضوء خفت أكثر.
الجدران بدأت تفقد تفاصيلها.
الحواف لم تعد حادة.
كل شيء يصبح أقل.
ثبت مكانه،
قبض على العصا بقوة.
ثم، دون صوت،
اختفت قطعة من الأرض على بعد خطوات منه.
لم تتشقق.
لم تسقط.
كانت هناك…
ثم لم تعد.
تراجع خطوة،
لكن الأرض خلفه لم تستجب بالطريقة نفسها.
مساحة الوقوف تضيق.
اختفت قطعة أخرى.
ثم ثالثة.
ليس بسرعة،
بل بثبات مرعب.
أدرك أخيرًا الحقيقة التي تجاهلها منذ البداية:
التوقّف هنا
ليس أمانًا.
هو فقط انتظار النهاية.
شدّ جسده،
نظر إلى الفراغ الذي يتقدّم نحوه ببطء،
وإلى العصا في يده،
وإلى المساحة التي لم تختفِ بعد.
لم يكن يعرف إلى أين سيقفز.
ولا إن كان هناك شيء أصلًا ليستقبل قفزته.
لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا أكثر من أي وقت مضى:
الأرض…
لم تعد مضمونة.
ومع اختفاء جزء آخر منها،
فهم أن اللحظة القادمة
لن تسمح له بالاختيار طويلًا.
لم يشعر بأن شيئًا انهار تحته،
بل بأن الإحساس بالوقوف نفسه
لم يعد حقيقة يمكن الاعتماد عليها.