تسللت أشعة الصباح عبر النافذة المحطمة، لتسقط فوق أرضية الشقة الباردة.

كانت خيوط الضوء الضعيفة تتسلل بين قطع الزجاج المتبقية في الإطار، وترسم خطوطًا شاحبة فوق الغبار المنتشر في أرجاء الغرفة. بدا الصباح هادئًا، لكن ذلك الهدوء لم يكن يشبه صباحات العالم القديم.

لا أصوات سيارات.

لا أصوات أشخاص يستعدون للذهاب إلى أعمالهم.

لا أطفال يركضون في الشوارع.

فقط رياح خفيفة تمر عبر النوافذ المحطمة، وتحرك الستارة القديمة ذهابًا وإيابًا.

جلس أكاتسوكي على ركبته أمام مارلين.

كان يمسك بيدها الصغيرة بحذر شديد.

كانت أطراف أصابعها مغطاة بخدوش كثيرة، وبعض الأظافر قد انكسر من شدة محاولتها خدش الباب.

فتح قطعة قماش نظيفة، وسكب قليلًا من المطهر عليها.

كانت رائحة المطهر قوية في الغرفة، واختلطت برائحة الغبار والخشب القديم.

ما إن لامس الجرح...

حتى ارتجفت مارلين قليلًا.

"آه..."

رفع أكاتسوكي نظره إليها.

"يؤلمك؟"

هزت رأسها بسرعة.

"قليلًا فقط."

تابع لف الضماد بصمت.

كانت عيناه مثبتتين على يدها، لكن ملامحه لم تكن هادئة كعادتها.

كان يشعر بثقل في صدره.

كلما رأى الخدوش، تذكر الباب الذي وجده بالأمس.

تذكر الأظافر المكسورة.

وتذكر الدم الجاف على الأرض.

كان يعرف أن مارلين لم تكن تحاول خدش الباب لأنها أرادت ذلك.

كانت تحاول الخروج.

كانت خائفة.

وكان هو السبب في تركها وحدها.

قال أخيرًا بصوت منخفض:

"آسف."

ابتسمت مارلين ابتسامة صغيرة.

"لا..."

"أنا من يجب أن يعتذر."

توقف عن لف الضماد.

رفع رأسه إليها.

"ولماذا؟"

خفضت رأسها بخجل.

"بكيت كثيرًا..."

"وأزعجتك."

تنهد أكاتسوكي.

ثم أكمل لف الضماد بهدوء.

"لا تعتذري."

صمت لثوانٍ.

ثم قال:

"لم يكن ذلك خطأك."

"...بل خطئي."

رفعت مارلين رأسها باستغراب.

قال وهو ينظر إلى أصابعها المجروحة:

"كان يجب أن أخبرك أنني ذاهب لجمع المؤن."

"لا أن أخرج دون كلمة."

شد الضماد برفق حتى انتهى.

وأضاف:

"وخطئي الأكبر..."

توقف للحظة.

"...أنني تركت طفلة صغيرة وحدها."

نفخت مارلين خديها فورًا.

وعقدت ذراعيها أمام صدرها.

"أنا لست طفلة!"

كان صوتها مليئًا بالاعتراض، لكنها بدت لطيفة أكثر من كونها غاضبة.

نظر إليها أكاتسوكي لثوانٍ.

ثم قال بجدية مصطنعة:

"معك حق."

اتسعت ابتسامتها.

"حقًا؟"

أومأ برأسه.

"أنتِ سيدة بالغة."

أشرقت ملامحها.

اقتربت منه قليلًا.

"حقًا؟"

قال وهو ينظر إليها من أعلى إلى أسفل:

"بالغة..."

توقف لحظة.

"لكن طولك لا يصل حتى إلى كتفي."

اتسعت عيناها.

ثم ضربت الأرض بقدمها الصغيرة.

"هذا ليس مضحكًا!"

وللمرة الأولى...

ارتسمت ابتسامة خفيفة جدًا على وجه أكاتسوكي.

ابتسامة بالكاد ظهرت.

لكنه لم يستطع إخفاءها.

قال بهدوء:

"إذن اعتبريها مجاملة."

وضعت مارلين يديها على خصرها.

ورفعت رأسها بفخر.

"إذن..."

"...أنا بالغة."

هز رأسه باستسلام.

"كما تقولين."

ضحكت ضحكة صغيرة ملأت الشقة الهادئة.

كان صوتها غريبًا وسط ذلك العالم الميت.

لكن ربما لهذا السبب بالذات...

كان جميلًا.

للحظات قليلة، لم تبدُ الشقة كمكان اختبأ فيه شخصان من نهاية العالم.

بدت كأنها منزل طبيعي.

شخصان يتحدثان في صباح عادي.

بعد أن انتهيا من تناول الإفطار البسيط...

وقف أكاتسوكي وحمل حقيبته.

تأكد من وجود السيف إلى جانبه، ثم نظر إلى النافذة.

كانت الشمس قد ارتفعت أكثر، وأصبحت الشوارع أوضح.

لكن الوضوح لم يجعلها أكثر أمانًا.

بل كشف حجم الدمار.

ثم نظر إلى مارلين.

"سنخرج."

أومأت بحماس.

وقفت بسرعة.

ثم مدت يدها حتى وجدت طرف معطفه.

أمسكت به.

نظر إلى يدها الصغيرة.

هذه المرة...

لم يطلب منها أن تتركه.

بل فتح الباب بهدوء.

وقبل أن يخرج، نظر إلى الممر.

تأكد من عدم وجود حركة.

ثم قال:

"ابقِي خلفي."

ابتسمت.

"حسنًا."

خرج الاثنان.

كانت المدينة لا تزال مدمرة.

السيارات المحترقة تملأ الطرق.

والرياح تحرك اللافتات الصدئة التي كانت تصدر أصواتًا معدنية خافتة.

بعض النوافذ كانت مفتوحة.

وأخرى كانت محطمة بالكامل.

كانت هناك آثار قديمة على الشوارع، لكن لم يكن أي منهما يريد التوقف للنظر إليها.

كان أكاتسوكي يسير بحذر، بينما كانت مارلين تمشي خلفه ممسكة بطرف معطفه.

كانت خطواتها أبطأ من خطواته، لذلك كان يخفف سرعته دون أن يخبرها.

بعد دقائق...

توقفت فجأة.

"أكاتسوكي."

توقف.

"ماذا؟"

أمالت رأسها قليلًا.

أغلقت عينيها.

أنصتت.

لم يقل شيئًا.

تركها تستمع.

مرت ثوانٍ.

ثم همست:

"هناك زمجرة..."

نظر حوله.

لم ير شيئًا.

أشارت بيدها نحو زقاق على يساره.

"من هناك."

اقترب بحذر.

ألقى نظرة سريعة.

كان الزقاق ضيقًا، وتنتشر فيه سيارة متروكة وصناديق مقلوبة.

وفي البداية لم ير شيئًا.

ثم...

تحرك ظل خلف السيارة.

رأى بالفعل زومبي يقف داخل الزقاق، مختبئًا خلف سيارة.

نظر أكاتسوكي إلى مارلين بدهشة.

"كيف عرفتِ؟"

ابتسمت بخجل.

"سمعته..."

"...كان يجر قدمه."

بقي صامتًا لثوانٍ.

ثم غيّر طريقهما دون كلمة.

بعد عدة خطوات...

قال بهدوء:

"سمعك..."

توقف لحظة.

"...أفضل من بصري."

ابتسمت ابتسامة واسعة.

"أبي كان يقول ذلك دائمًا."

نظر أمامه.

ولم يقل شيئًا.

لكن الجملة بقيت في ذهنه.

أدرك شيئًا لم يفكر فيه من قبل.

وجود مارلين معه...

لم يعد عبئًا كما ظن في البداية.

كانت تستطيع سماع أشياء لا يستطيع هو سماعها.

وكانت تعتمد عليه في أشياء لا تستطيع فعلها.

ربما لم يكن بقاؤهما معًا مجرد صدفة.

استمر الاثنان بالسير حتى وصلا إلى حي لم تطأه أقدام البشر منذ زمن.

كان المكان هادئًا بشكل غريب.

لا زمجرة.

لا صرخات.

ولا حتى صوت طائر.

توقف أكاتسوكي.

نظر حوله بحذر.

كانت الأبنية على الجانبين صامتة.

النوافذ السوداء تبدو كعيون مفتوحة تحدق بهما.

حتى الرياح أصبحت أضعف.

قال:

"...هادئ أكثر من اللازم."

بقي أكاتسوكي واقفًا في منتصف الشارع، وعيناه تتنقلان بين الأبنية الصامتة.

كان الهدوء ثقيلًا...

حتى إن صوت الريح وهي تمر بين النوافذ المحطمة بدا مرتفعًا.

قال بصوت منخفض:

"هذا المكان لا يعجبني."

مالت مارلين رأسها قليلًا.

"لأنه هادئ؟"

أومأ.

"في هذا العالم..."

نظر إلى الطريق أمامه.

"...الهدوء أحيانًا أخطر من الضجيج."

تابعا السير بحذر.

كان أكاتسوكي يسبقها بخطوتين، بينما كانت تمسك بطرف معطفه حتى لا تضيع.

بعد عدة دقائق...

وقع بصره على مكتبة صغيرة.

كانت لافتتها نصف مكسورة، والزجاج الأمامي محطم، لكن الباب لا يزال في مكانه.

توقف أمامها.

قال:

"سندخل."

ابتسمت مارلين.

"هل فيها طعام؟"

أجاب وهو يدفع الباب برفق:

"لا."

فتح الباب ببطء.

صرخ المفصل القديم بصوت خافت.

"لكن ربما نجد شيئًا يفيدنا."

دخل الاثنان.

غطى الغبار كل شيء.

كانت الكتب مبعثرة فوق الأرض، وبعض الرفوف قد انهارت.

تناثرت الأوراق في الزوايا، وتحرك بعضها مع الهواء القادم من النوافذ.

مر أكاتسوكي بين الرفوف يبحث عن خرائط أو أدوات يمكن الاستفادة منها.

كان يرفع بعض الكتب، ينظر تحت الطاولات، ويفحص الأدراج.

بينما أخذت مارلين تتحسس الرفوف بيديها بحذر.

كانت تمرر أصابعها فوق أغلفة الكتب.

لم تكن تعرف ألوانها، لكنها كانت تحاول تخيلها من ملمسها وشكلها.

توقفت فجأة.

"ما هذا؟"

اقترب أكاتسوكي.

وجد بين يديها صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

أخذته منها.

فتح غطاءه.

كان صندوق موسيقى قديمًا.

جلس أكاتسوكي على الأرض، وأخذ صندوق الموسيقى بين يديه.

كان الخشب قديمًا، وقد غطته الخدوش، لكن الآلية الداخلية ما زالت تعمل.

أدار المفتاح ببطء.

وانطلقت نغمة هادئة.

ملأت أرجاء المكتبة الخالية.

أغمض عينيه للحظة.

أما مارلين، فجلست بقربه وهي تبتسم.

"إنها جميلة..."

لم يجب مباشرة.

ظل يستمع حتى انتهت النغمة.

ساد الصمت.

قالت مارلين:

"أنت لا تبدو من الأشخاص الذين يستمعون إلى الموسيقى."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"ولماذا؟"

قالت:

"لأنك دائمًا صامت."

"كنت أظن أنك لا تحب شيئًا."

نظر إلى الصندوق بين يديه.

ثم قال:

"هذا ليس صحيحًا."

سكت قليلًا قبل أن يضيف:

"كنت أحبها."

مالت مارلين رأسها.

"حقًا؟"

أومأ بهدوء.

"بعد السيف..."

نظر إلى الصندوق.

"...كانت الموسيقى أكثر شيء أحبه."

بدت الدهشة على وجهها.

"لم أتوقع ذلك أبدًا."

أعاد إدارة المفتاح.

وعادت النغمة نفسها.

قال وهو ينظر إلى الأرض:

"عندما كنت أتدرب حتى أتعب..."

"كنت أعود إلى البيت."

"أرمي السيف جانبًا."

"وأشغل الموسيقى."

توقف.

"كانت تجعل العالم يبدو... أقل ضجيجًا."

ابتسمت مارلين.

"إذن أنت شخص لطيف."

تنهد.

"لا."

"الموسيقى كانت لطيفة."

"أما أنا..."

نظر بعيدًا.

"...فلم أكن كذلك."

ساد الصمت بينهما.

لم يكن صمتًا مزعجًا.

بل كان من النوع الذي لا يحتاج إلى كلمات.

بعد لحظات، سألت مارلين بهدوء:

"لماذا تحبها إلى هذا الحد؟"

رفع أكاتسوكي صندوق الموسيقى قليلًا.

ثم قال:

"لأنها تشبه الحياة."

عقدت حاجبيها.

"لم أفهم."

أدار المفتاح مرة أخرى.

وانطلقت النغمة.

قال:

"اسمعي."

أنصتت مارلين بكل هدوء.

تابع:

"ما دام هناك صوت..."

"...فهذا يعني أن هناك حياة."

توقفت النغمة فجأة.

ابتسم ابتسامة باهتة.

"لكن حتى عندما يضعف الصوت..."

"...لا يعني أن الحياة انتهت."

نظر إلى الصندوق.

"هذا الصندوق قديم."

"ومكسور."

"وصوته لم يعد كما كان."

"ومع ذلك..."

"...ما زال يحاول أن يعزف."

رفع نظره نحو النافذة التي يدخل منها ضوء الشمس.

وقال بصوت هادئ:

"أظن أن البشر يشبهونه."

"قد يتعبون."

"وقد ينكسر شيء بداخلهم."

"وقد يصبح صوتهم أضعف من السابق."

"لكن..."

توقف.

"طالما بقي فيهم صوت..."

"...فهم ما زالوا أحياء."

ابتسمت مارلين ابتسامة دافئة.

وضعت يدها فوق الصندوق.

ثم قالت بخفوت:

"إذن..."

"...أريد أن أبقى مثل هذا الصندوق."

نظر إليها أكاتسوكي.

ولأول مرة منذ وقت طويل...

شعر أن هذا العالم، رغم كل ما فقده، ما زال يخفي لحظات تستحق أن تُعاش.

نهايه فصل ثامن

2026/08/20 · 1 مشاهدة · 1355 كلمة
Bond
نادي الروايات - 2026