### **الفصل الأول: هدوء ما قبل العاصفة**
كانت رائحة "زيت الرنكة" المقلي تفوح من مطبخ القصر، ممزوجة بضجيج الخدم الذين يتسابقون لتجهيز مائدة الاستقبال. اليوم ليس يوماً عادياً في مقاطعة "فاليريان"؛ فالبطل المنتظر، الابن الأصغر أدريان، قد عاد أخيراً.
"أسرعوا! الكونت يريد كل شيء مثالياً،" صاح هانس، كبير الخدم، وهو يمسح عرقاً وهمياً عن جبينه. "أدريان هو مستقبل هذه العائلة، يجب أن يشعر بفرق الثرى عن الثريا."
في تلك اللحظة، مرّ شخص من أمام باب المطبخ بخطوات متثاقلة، يجر قدميه خلفه وكأنه يسحب أغلالاً غير مرئية. توقفت مارتا، الطباخة، عن التقطيع ونظرت بأسى.
"ها هو 'سيدنا' الأكبر،" همست بنبرة فاترة. "انظر إلى قميصه، إنه مجعد وكأنه نام فيه لأسبوع. هل يعقل أنه لم يغسل وجهه بعد؟"
رد عليها خادم شاب بسخرية: "يقولون إنه حاول رفع سيف التدريب الخشبي بالأمس في الساحة الخلفية، فالتوى معصمه وعاد لغرفته باكياً. إنه عالة على الكونت، مجرد ظل باهت بجانب تألق السيد أدريان."
---
في قاعة الطعام الكبرى، كان الصمت يسيطر على الأجواء رغم فخامة المائدة. جلس الكونت "فاليريان" على رأس الطاولة، ملامحه الصارمة لا تشي بأي عاطفة، لكن عينيه كانتا تلمعان بالفخر وهو ينظر إلى ابنه الأصغر، أدريان.
أدريان كان يجلس باستقامة عسكرية، درعه الفضي الخفيف موضوع بعناية بجانبه، ووسام الأكاديمية يلمع على صدره. كان يجسد "الكمال"؛ هدوءاً، وجمالاً، وقوة لا تخطئها العين.
وفجأة، دُفع الباب ببطء.
دخل "سيزار". كان شعره الأسود يغطي عينيه، ووجهه شاحب لدرجة تدعو للقلق. لم ينظر لأحد، بل اتجه مباشرة إلى الكرسي المقابل لأدريان وارتمى عليه بكسل أثار حفيظة الكونت.
"لقد تأخرت،" قال الكونت بصوت عميق وبارد.
"الدرج.. كان طويلاً جداً اليوم،" تمتم سيزار بصوت خافت وضعيف، وهو يحاول بصعوبة إمساك ملعقة الحساء، لدرجة أنها سقطت من يده مرتين قبل أن ينجح في رفعها.
الكونت زفر بضيق ونظر بعيداً، كأنه يخجل من النظر إلى ابنه الأكبر. "أدريان، أخبرنا عن رحلتك. يقولون إنك واجهت قطاع طرق في 'ممر الغسق' بمفردك؟"
بدأ أدريان في الحديث، لكن صوته كان غريباً.. كان يحمل بحّة لم تكن موجودة من قبل. "نعم يا أبي.. لقد.. كان موقفاً عادياً."
وبينما كان أدريان يتحدث، رفعت عيناه لتلتقيا بعيني سيزار.
في تلك اللحظة، ساد صمت مفاجئ في القاعة. توقف أدريان عن الكلام تماماً. تجمدت يده التي كانت تمسك الكأس، وبدأت مفاصل أصابعه تتحول للون الأبيض من شدة الضغط. قطرة عرق وحيدة انحدرت من صدغه وصولاً إلى فكه.
كان أدريان يحدق في أخيه الأكبر "الفاشل". بالنسبة للوالد وللخدم، سيزار كان مجرد شخص ضعيف يحاول بصعوبة شرب حسائه. لكن بالنسبة لأدريان، كان هناك شيء آخر.. شيء جعل غريزته التي صُقلت في معارك الموت تصرخ بشدة.
"أدريان؟ ما بك؟" سأل الكونت باستغراب وهو يرى ابنه البطل يشحب وجهه فجأة.
"لا شيء.." همس أدريان، لكنه تراجع بكرسيه مسافة بسيطة عن الطاولة، مسافة أمان عفوية. عيناه لم تفارقا سيزار، الذي كان في تلك اللحظة قد وضع الملعقة بملل وأسند رأسه على يده، مغلقاً عينيه وكأنه على وشك النوم في منتصف الوجبة.
"أخي.." قال أدريان بصوت مرتجف لا يناسب رتبته كفارس، "هل.. هل تنام جيداً في الليل؟"
فتح سيزار عيناً واحدة، نظرة خاملة، باهتة، لا تحمل أي ذكاء أو قوة. "الكوابيس مزعجة يا أدريان.. أفضل النوم في وضح النهار، حيث لا يوجد شيء يستحق الاستيقاظ لأجله."
ابتسم سيزار ابتسامة صغيرة مكسورة، ثم عاد لإغلاق عينيه.
الكونت ضرب الطاولة بيده: "يكفي! سيزار، اذهب إلى غرفتك إذا كنت لا تستطيع حتى إكمال وجبتك كالبشر. أدريان يحتاج للراحة، ولا أريد أن تلوث جو احتفالنا بكسلك."
قام سيزار ببطء، مترنحاً قليلاً، وخرج من القاعة دون كلمة واحدة.
بمجرد خروجه، أطلق أدريان زفيراً طويلاً وكأنه كان يحبس أنفاسه طوال الوقت. وضع يده على قلبه الذي كان ينبض بعنف، ونظر إلى الكرسي الفارغ الذي تركه أخوه. لم يقل شيئاً، لكن يده التي كانت ترتعد فضحت كل شيء.
كانت القاعة لا تزال تضج بمديح الخدم لأدريان، وبسخط الوالد على سيزار، لكن في تلك الزاوية المظلمة من الرواق، كان سيزار يسير ببطء، يده تلامس الجدران بوهن، تاركاً وراءه لغزاً لن يفهمه أحد.. إلا من رأى "الحقيقة" التي تخفيها تلك الملامح الباهتة.
_____________________
عاوز رايكم السرد حلو؟
الروايه البدايه حلوه ولا؟
عاجبكم الشخصيه الكسوله والغامضه؟
رايك مهم عشان احسن الروايه🙂