لم يُجب جونغ سيوو على سؤالي لوقت طويل.
وتركت الأمر كما هو. أحيانًا يكون الصمت بحد ذاته جوابًا.
“…واضح كثيرًا، أليس كذلك؟”
عاد جونغ سيوو ليفتح فمه حين كنت قد أنهيت كوب الرامن والنقانق، وكنت أبتلع البيضة المدخنة الثانية مع مشروب الأيوني.
كان صفار البيض الجاف يملأ فمي، فلم أستطع الرد، فاكتفيتُ بإيماءة.
“في العادة أحاول ألا أهتم بأمور كهذه… لكن مع سوك، الأمر لا يسير كما ينبغي.”
“…….”
“أعرف أنك أنت وهارو تحاولان إنعاش أجواء الفريق. شكرًا.”
بدا جونغ سيوو… محرجًا قليلًا.
لم يكن قد شرب.
لكن ربما ثمل بالأجواء، أو بنسيم هذا الفجر.
كان أكثر ارتخاءً من المعتاد.
و…أظن أنني كنت كذلك أيضًا.
“هيونغ.”
“نعم.”
“هل… أساعدك؟ في أمر سوك هيونغ.”
“…….”
أنت ترى فيه والدك، اليس كذلك؟.
ولهذا الأمر صعب، ولهذا أنت حذر.
حتى في اندفاعي، ابتلعت تلك الكلمات قبل أن تخرج.
لكن بعد أن سمعت كل هذا، لم أعد أستطيع التظاهر بعدم المعرفة والجهل.
بدا جونغ سيوو متفاجئًا قليلًا، ثم هز رأسه.
“لا، لا بأس.”
“…هل أنت متأكد؟”
“كان هناك شيء أردت أن أقوله لك عن سوك، لكن ليس من هذا النوع. هذه مسألة بيني وبينه. علينا نحن أن نحلها.”
“إذًا ماذا كنت تريد أن تقول لي؟”
“اه، ذلك….”
تردد قليلًا، لكن الصمت لم يطل.
“يبدو أن سوك يتعرض لضغط كبير، ليس بسببي فقط. في الجولة الثانية ظننت أن الأمر مجرد خوف من الإقصاء… لكن هذه الأيام يبدو أن الأمر أعمق.”
“أظن أنه عانى كثيرًا في الجولة الثالثة. ونتيجة إعلان القبول والإقصاء هذه المرة لم تكن جيدة.”
“يبدو أنه مرهق جدًا. لكنه يشعر بالراحة معك، لذا ظننت أنه ربما يفتح لك قلبه.”
“حسنًا… نعم. سأتحدث معه بلطف لاحقًا.”
لم يقل لي شكرًا ولا آسفًا.
اكتفى بإيماءة خفيفة، كأنه كان يتوقع مني ذلك. ثم شرب أخيرًا رشفة من قهوته التي اشتراها منذ قليل.
وكان في ذلك شيء… كأنه يثق بي ويعترف بي.
شعور لطيف.
وضع جونغ سيـوو كوب القهوة الذي ذاب ثلجه وأصدر خشخشة على الطاولة، ونظر إلي بابتسامة مشاكسة لم تكن موجودة قبل قليل.
“……?”
“هل لم تعد تشعر بعدم الارتياح تجاهي؟”
“…ها↗؟”
تبًا، صوتي انكسر.
هذا الهجوم المباشر بلا مقدمات لا يمكن التكيف معه.
“متى قلتُ إنني أشعر بعدم الارتياح قربك…؟”
“لكن لم تكن مرتاحًا تمامًا، صحيح؟ كن صريحًا.”
“كنت… قليلًا، قليلًا جدًا فقط، أخشى منك قليلًا. قليل جدًا. بهذا القدر فعلًا.”
“إذًا أنت لا تنكر.”
ظللت أشرح بإصبعي أنه كان مقدارًا ضئيلًا جدًا، ثم التقت أعيننا وانفجرنا بالضحك في الوقت نفسه.
“نعود؟”
سأل وهو لا يزال يبتسم، فأومأت.
رتبنا اثار ما أكلته، وعدنا نسير ببطء إلى السكن.
لم نتبادل الكثير من الكلام في الطريق.
كل منا كان غارقًا في أفكاره.
لكن ذلك الصمت… لم يكن مزعجًا على الإطلاق.
***
لكن في اليوم التالي مباشرة.
لا، بل بدقة أكبر، بعد بضع ساعات فقط.
ندمتُ على نزهة الفجر الهادئة تلك.
“هيونغ، هل بكيت…؟”
“أريد أن أبكي الان.”
وخز دان هارو جفني المتورمين المنتفخين بإصبعه مرارًا. نظر إلي خلسةً ليرى رد فعلي، وحين بدا أنني أتركه يفعل، بدأ يطعن هنا وهناك بلا تردد.
يضغط على الجفون المنتفخة بقوة، ويطعن خط الفك والخدود المتورمة أيضًا.
لم تكن لدي طاقة لأتعامل معه، فتركته وشأني، وانشغلت بدلك عضلات وجهي المتصلبة بأداة الغواشا بكل جد.
كانت تلك نتيجة كوب الرامن والنقانق وبيضتين ليلة أمس.
“هل الجميع هنا؟”
“سيوو هيونغ . سوك هيونغ لم يصل بعد. قال إنه سيأتي فور أن ينتهي من الاستحمام.”
رغم أنه أكل معي كوب رامن كاملًا بالأمس، ظهر جونغ سيـوو بوجه أنظف من المعتاد، بلا أي أثر تورم.
نعم، حتى لو تورم وجه التمثال قليلًا، يبقى تمثالًا.
ذلك الوغد تشا مينسوك كان من النوع الذي يتورم وجهه بسهولة، لكن يبدو أن جونغ سيـوو ليس كذلك.
حقًا، العالم غير عادل للغاية.
‘…مهلًا. أليس لدي مهارة؟’
بينما كنت أفرك وجهي بعنف بالغواشا، تذكرت متأخرًا أن نوع حياتي يحمل وسم #نظام.
إذا استخدمت مهارة <ما معنى ان اكون على طبيعتي؟> يمكنني إزالة هذا الانتفاخ بسهولة، فلماذا أعذب نفسي هكذا؟
‘إذا اختفى الانتفاخ فجأة الآن سيكون الأمر غريبًا جدًا… سأنتظر حتى قبل التصوير بقليل وأستخدمها بهدوء.’
في تلك الأثناء دخل سوك بعد أن أنهى استحمامه، منشفة على كتفه، مسرعًا إلى غرفة التدريب.
كان لا يزال هناك نحو ساعة قبل وصول طاقم الإنتاج.
شغل جونغ سيـوو جهازه اللوحي فورًا وأراه للجميع.
“كما قلت في الدردشة الجماعية، هذه الأغنية التي أريد دمجها مع ‘Where am I’. جربت أمس تركيب الهيكل قليلًا، وأظنها ليست سيئة. أود سماع آرائكم.”
ثم شغل مقطع فيديو.
كان تسجيلًا له في غرفة تدريب خاصة، بإضاءة خافتة وقيتار.
“……؟ هيونغ، هل لم تنم أصلًا؟”
“سجلت هذا ثم نمت. ساعة تقريبًا؟”
ومع ذلك لم يتورم وجهه؟
يجب أن أطعنه بإبرة يومًا ما. إن لم يخرج دم وانكسرت الإبرة، سأبلغ الأمم المتحدة أن هناك تمثالًا يتحدث هنا.
…أم ناسا؟
نمتُ ثلاث ساعات فقط، وبدأت أفكاري تنحرف.
“على أي حال، استمعوا.”
مرة غنى الأغنية كاملة كما كتبها والده ولم تُنشر، ومرة أخرى نسخة الماشوب مع الأغنية الأصلية.
خلال الفيديو الذي استمر نحو عشر دقائق، أنصت أعضاء الفريق بصمت إلى ما أعده جونغ سيـوو. وبفضل طباعته كلمات الأغنية مسبقًا، كان حفظها أسهل بكثير.
“…….”
استمعت بالأذن، لكن بعيني راقبت سوك الجالس أمامي.
لم يرفع نظره عن ورقة الكلمات ولو للحظة.
كان يقرأ كل حرف، كل حرف، وكأنه يمضغه ويبتلعه، يتمتم بهدوء،وأحيانًا يتتبع السطور بإصبعه ببطء كأنه غارق في التفكير.
“ما رأيكم؟ أظن أن الكلمات تندمج جيدًا، وقد تكون مناسبة.”
بعد انتهاء الفيديو، سألنا جونغ سيـوو.
بدا عليه قدر من التوتر.
بما أنني وافقت بالأمس، تركت دان هارو وسوك يجيبان بحرية دون أن أتدخل.
وكان دان هارو، الذي لا يزال يختلس النظر إلى الهيونعز، على وشك أن يتكلم،لكن سوك، واضعًا الورقة جانبًا، قال بصوت أعلى من المعتاد فجأة.
“لنقم بهذا.”
ليست ‘أريد’ ولا ‘ما رأيكم’، بل “لنقم بهذا.”
تجمد الجميع في أماكنهم أمام هذا الحزم غير المسبوق من سوك.
قد يبدو الأمر عاديًا، لكن بالنسبة لي كان الأمر أشبه بسوليفان حين رأت هيلين كيلر تفتح عينيها فجأة وتصرخ WATER
.(لحظة تاريخية)
لذا نظرت غريزيًا إلى جونغ سيـوو وأومأت بلا وعي.
“لنفعله، هيونغ. يبدو أنه يجب أن نختار هذه.”
“الأغنية جميلة جدًا. أنا أيضًا… الكلمات حقًا جميلة وأريد غناءها.”
دان هارو، رغم ميله لمراعاة أجواء الهيونغ، يملك الجرأة ليقول إن لم يعجبه شيء. ومع موافقته أيضًا، اتخذنا القرار بالإجماع.
‘إذًا المتبقي مسألة والد سيـوو هيونغ.’
فكرت طوال الليل، لكن لم أجد حلًا قاطعًا.
بعد حساب كل الاحتمالات وردود الفعل، كان القرار يعود في النهاية إلى جونغ سيـوو.
هل يكشف وجود ‘والده’ للعالم أم لا.
وإن سألتني، فأنا مع الكشف.
‘حتى لو ترسمنا لاحقًا، قد تتسرب القصة بطريقة ما. ربما من الأفضل استغلال الفرصة الآن وتقديم أقل قدر ممكن من المعلومات بشكل محسوب.’
لكن لأقول هذا، يجب أن أكون معه وحدنا. بأي ذريعة أخرجه؟
ألقيت نظرة على المتلألئ والخجول وهما يعيدان تشغيل الفيديو بعينين لامعتين.
حينها سأل خجولنا (اسف يا سوك هيونغ) جونغ سيوو بوجه متحمس.
“سيوو يا. هذه… قلت إن والدك كتبها، صحيح؟”
“آه، نعم. لماذا؟”
“أعرف أنه طلب غير لائق، لكن… إن كان ممكنًا لاحقًا، أود مقابلته مرة.”
“…اه. ذلك….”
اه، يا لهذا.
تبدل وجه جونغ سيوو سريعًا إلى حرج.
ومع مرور ثوانٍ بلا جواب، لوّح سوك بيديه بسرعة.
“آه، كان طلبًا ثقيلًا، اسف. أو… هل يمكن أن تنقل له رسالة فقط؟ الكلمات حقًا… كأنها تعزيني أنا تحديدًا. أود أن أنقل له هذا الشعور.”
“لا، ليس الأمر ثقيلًا….”
قاطعه جونغ سيوو بسرعة رغم ارتباكه.
كنت أعرف الحقيقة عن والده، لكن لا يمكنني إظهار ذلك.
اكتفيت بتهدئة دان هارو الذي بدا متوترًا، وربت على رأسه بخفة.
ما لم يطلب جونغ سيوو مساعدتي صراحة، فحديثهما عليهما حله.
حتى لو كان الموضوع عن والده الراحل.
‘…هو شخص يعرف كيف يقرر بنفسه.’
إن لم يرغب، لن يتكلم.
وإن رأى أن لا بأس، سيتكلم.
وإن أراد من خلال هذه الأغنية أن يعرف العالم بوالده،
فعليه أن يحسم موقفه بوضوح.
لا أعلم إن كان يفكر مثلي،لكن جونغ سيوو فتح فمه أخيرًا، واضعًا يده على حقيبة غيتاره.
“…توفي قبل أن أدخل الشركة.”
“آه… أنا، اسف—”
“لا. أنا لم أقل. وليس لديك ما تعتذر عنه.”
أطبق سوك فمه بقوة.
بدا كأنه اقترف ذنبًا، وكاد يحفر لنفسه حفرة. نظر إلي جونغ سيوو كأنه يطلب مني فعل شيء، لكنني هززت كتفي وأشرت بسرية نحو سوك.
ما دمت بدأت، أكمل.
تنهد جونغ سيوو قليلًا.
“…مع ذلك يمكنني نقل رسالتك.”
“……؟”
“حين أذهب لزيارة والدي، سأخبره عنك. إن أخبرته أن هناك من راى عزاء بأغنيته، سيفرح جدًا. شكرًا.”
“هل يمكنك فعلًا…؟ الكلمات حقًا… كأنها موجهة لي. أظنني سأظل أتذكر هذه الأغنية طويلًا.”
تدفق كلام سوك بوجه مشرق لم أره منذ مدة.
شعرت أنني سأبكي، فقرصت خد دان هارو بلا سبب.
نظر إلي بوجه يقول ‘كيف تفعل هذا بي؟’ لكنه لم يستطع الشكوى.
وبينما كان الاصغران يمثلون كوميديا صامتة، كان الاكبران يختتمان مشهدًا من دراما شبابية.
“ربما لاحقًا… هل تود أن تذهب معي لزيارة والدي؟ إن كنت مرتاحًا. المكان في سيول، ليس بعيدًا. أنت أول معجب به بعدي… اوه، ربما من المبكر أن أقول معجب؟”
“لا، لا. أنا معجب. سأصبح معجبًا. هل كتب أغنيات أخرى؟”
“نعم. إن اهتممت، سأسمعك لاحقًا.”
“شكرًا. أن يكون لديك أب كهذا… لا بد أنك فخور جدًا. أنا أحسدك.”
“…نعم. أنا فخور.”
في رد جونغ سيوو الأخير، كان هناك أثر رطوبة خفيف.
وبينما كنت أراقب حديثهما وقد بدا أنه أراحهما،فكرت.
على الأرجح، قرار جونغ سيوو بشأن ‘الكشف عن والده’…
لا يحتاج إلى نقاش إضافي.
***********
*هي قصة لوحده صماء و معلمتها و اول نطق لها
فصول بكرا بتنزل بوقت متاخر😅