الناس لبعضها أرزاق، فاللهم قدر لي الأطيب والأوضح والأنقى.
※استمتعوا※
🦋---------------🦋
"من كان ذلك الرجل، آنسة غيرتون؟"
تبع نظر ريتشارد سبنسر ظهر الرجل الذي كان يفرّ هاربًا خلف سور قصر مونتاغو.
"……"
لم تُجب غريس. لا، لم تستطع الإجابة.
فحتى لو كان الفيكونت لوفلايس قد جاء بدوافع غير نقية، فهو ما يزال عمّها.
لم يكن بإمكانها أن تقول إنه جاء ليطلب المال أو أنه تصرّف معها بالقوة.
الاعتراف بذلك كان سيجلب العار لعائلة والدتها.
"سألتكِ من كان ذلك الرجل."
قبل أن تصل العربة إلى بوابة مونتاغو، كان ريتشارد قد سخر في داخله من منظر رجل وامرأة يتشاجران قرب القصر.
أي نوع من المجانين يقف ملتصقًا هكذا أمام قصر مونتاغو؟
لكن الحقيقة المؤسفة أن ريتشارد سبنسر لم يكن بارعًا في ملاحظة الوجوه.
أي شخص عادي كان سيلحظ فورًا أن الرجل متوسط العمر ويشبه غريس غيرتون.
أما ريتشارد، فلم يرَ سوى رجل.
أما الحقيقة المؤسفة الأخرى، فهي أنه رغم ضعف ملاحظته، كان تركيزه حادًا بما يكفي ليميز وجه غريس غيرتون وسط الفوضى.
وحين أدرك أن إحدى الشخصيتين هي غريس، أمر العربة بالتوقف فورًا.
وما إن نزل حتى زأر بصوت يشبه زئير الأسد.
"ما الذي تظن نفسك تفعله؟"
ارتعد الفيكونت أمام ذلك الصوت المدوّي، فترك غريس وفرّ هاربًا.
وحتى أثناء هروبه، ظل ممسكًا بالأشياء التي تمكن من انتزاعها.
"ل… لا أستطيع أن أخبرك."
ترددت غريس، وصوتها مهتز. ازداد ضيق ريتشارد بسبب تهربها.
كان ينوي الاعتذار، إصلاح ما انكسر بينهما، ومحو سوء الفهم المتراكم.
ألم تكن تحبني من قبل؟ كيف يمكنها أن تلتقي رجلًا آخر… بل أمام قصر مونتاغو المقدس؟
هل ملت مني؟ كيف حدث ذلك؟
كان دوق مانتوفا محقًا حين غنّى أن قلب المرأة كقصبة تتمايل مع الريح.
وكان محقًا أيضًا حين حذّر الرجال من الثقة بقلب المرأة.
لكن من يكون هذا الرجل؟ إن أردت تحطيمه، فعليّ أن أعرف اسمه.
أي أحمق يتصرف بهذه الوقاحة في وضح النهار؟ حتى أنا لم أقترب منها بهذا الشكل من قبل.
"إ… إن كنت قد جئت لرؤية اللورد مونتاغو، فـ… من فضلك ادخل."
شدّ ريتشارد فكه بقوة حتى برز خط ذقنه. قطع صوت غريس المتوتر دوامة أفكاره.
"آنسة غيرتون، أنتِ…"
"سـ …سأدخل لاحقًا."
"لماذا؟"
"أ…أنا آسفة. لـ… ليس الآن…"
غريس غيرتون، الشخص الوحيد القادر على إسكات كلمات ريتشارد سبنسر، أدارت له ظهرها ومشت بسرعة.
اتجهت نحو المكان الذي اختفى فيه الرجل الوقح خلف الجدار.
كيف تفعل هذا؟ تتركني هنا وتذهب خلفه؟ هل يحدث هذا فعلًا؟
تقدم ريتشارد دون تردد. كانت خطواته متسرعة ومضطربة، بلا أي مظهر من مظاهر الرقي.
وحين استدار خلف زاوية السور، رأى غريس عائدة نحوه ورأسها منخفض.
كانت شاردة إلى درجة أنها لم تنتبه لوجوده. اشتعل غضبه من جديد.
"لم يمضِ وقت طويل على وفاة السيدة مونتاغو، وأنتِ بالفعل تذهبين لرجل آخر؟"
آه، لماذا يكون حاكم الحب طفلًا أعمى؟
ريتشارد سبنسر، وقد التهمته الغيرة، تفوّه بكلمات صبيانية تافهة لا تليق إلا بطفل مدلل.
لو كان هناك متفرجون خلف الستار، لكانوا يتأوهون سخرية من هذه المسرحية الكارثية.
"مـ …ماذا تقول؟"
"هل إغواء الرجال بوجه بريء هوايتك؟"
رمشت غريس ببطء. أهدابها الطويلة أسدلت ظلًا على عينيها الغريبتين، فخفت بريقهما ثنائي اللون.
تلك العينان، اللتان كانتا تلمعان دائمًا حين تنظران إلى ريتشارد، كبريق شروق أحمر أو غسق أزرق بنفسجي، خبا نورهما كما يخبو الليل.
وفي اللحظة نفسها، تلاشت كل العلامات التي كانت تدل على حبها من طرف واحد.
وجنتاها المحمرتان، اللتان كانتا تنتفخان كخبز في الفرن، خمدتا. شحوبها ازداد، وتوقف تنفسها المتقطع. أصابعها التي كانت تتحرك بلا وعي انغلقت على نفسها كصدفة.
رأى ريتشارد التغير بوضوح.
كان تحولًا صادمًا، جعل قلبه يهوي فجأة.
"يـ… يا إيرل سبنسر."
غريس، التي كانت تكتم أنفاسها، تكلمت أخيرًا.
كان ريتشارد يحاول جمع قلبه المتناثر.
"آمل… ألا نلتقي مرة أخرى من الآن فصاعدًا."
القلب الذي كاد أن يمسك به سقط مجددًا، يتدحرج كما لو ارتطم بالأرض. خفق صدره بعنف.
"مـ …ماذا…"
"شـ …شكرًا لك على لطفك طوال هذه الفترة."
"ماذا…"
"سأستأذن الآن."
بدأت المسامير تتساقط من رأس ريتشارد سبنسر واحدًا تلو الآخر.
تجمدت أفكاره وحركاته معًا.
وفي تلك اللحظة، كانت كرة الرجبي تطير وتصيب ظهر أحد لاعبي فريق كلية كرايست تشيرش قبل أن ترتد بعيدًا.
كان ريتشارد قد انتزع الكرة من ثيريسيوس ولفورد، لكنه خسرها من جديد.
مسار كرة الرجبي لا يمكن التنبؤ به.
وهي حقيقة يعرفها جيدًا اللاعبون غير المحترفين.
***
الخاتم اختفى.
خاتم خطوبة ماري مونتاغو، والذكرى التي تركتها أنابيل غيرتون، اختفى تمامًا.
عندما صرخ ريتشارد كالأسد، أفلت الفيكونت لوفلايس يد غريس التي كان يمسكها بإحكام.
وفي تلك اللحظة، انزلق الخاتم الذي كان بالكاد ثابتًا في إصبعها إلى يد الفيكونت الجشعة.
في البداية، لم تلاحظ غريس فقدانه. وبينما كانت تفرك يدها المخدّرة، أدركت فجأة غياب الإحساس المألوف الذي اعتادت عليه طوال شهر كامل.
كان خاتمًا لا يناسب مقاسها تمامًا، لكنها أصرت على ارتدائه. أرادت أن تُبقي والدتها والسيدة مونتاغو قريبتين منها، ولو بهذه الطريقة.
بذعر، لحقت بالفيكونت، لكنه كان قد اختفى منذ زمن.
راحت تبحث في الأرض، علّ الخاتم يكون قد سقط، وعيناها تفتشان عن أي بريق.
"لم يمضِ وقت طويل على وفاة السيدة مونتاغو، وأنتِ بالفعل تذهبين لرجل آخر؟"
ثم سمعته… صوت ريتشارد سبنسر الساخر، المليء بالاستهزاء.
لم تكن غريس متأكدة إن كانت تريد رؤيته أم لا. ترددت بين الخروج من مخبئها أو البقاء داخله.
ومع ذلك، لو… فقط لو التقت به صدفة، كانت تنوي على الأقل أن تشكره متأخرة.
فهو من منع خطوبتها من ثيريسيوس ولفورد، وهو من أبدى اهتمامًا بها وبأطفال المدرسة الخيرية.
كانت مستعدة لمسامحته على كلماته القاسية مهما آلمتها.
ولو مدّ يده بصدق، لظنت أنهما قادران على تجاوز ما يفوق قدرتهما.
بل تساءلت بصمت إن كانت قادرة على الخروج من كهفها أخيرًا.
ولو فعلت، فلن تعود إليه أبدًا، وستواجه ريتشارد سبنسر الوحيد، الخائف، والأحمق وجهًا لوجه.
فكرة أن يكون ريتشارد وحيدًا وخائفًا وأحمق كانت لا تزال صعبة عليها. لكن شيئًا واحدًا بات واضحًا.
كان أنانيًا إلى حد لا يُطاق. يتصرف ويتكلم وفقًا لرأيه وحده، غير مبالٍ بمشاعر الآخرين.
ربما في الماضي كانت ستتجاهل كلماته الجارحة، كما فعلت في قاعة الاستحمام.
لكنها الآن لم تعد تريد ذلك.
كلمات السيدة مونتاغو الأخيرة ظلت ترن في قلبها
"عيشي كما تريدين، ولا تفعلي ما لا تريدينه."
لهذا، بعد الجنازة مباشرة، أخبرت أنطوني مونتاغو برغبتها في الانسحاب من التبني.
أرادت أن تعيش كغورتون، تفعل ما تشاء وتتجنب ما لا تريده. ورغم أن اللورد مونتاغو أقنعها بالتريث، إلا أن قرارها كان محسومًا.
والآن، دفعت ريتشارد سبنسر بعيدًا. لم تعد تريد أن تتأذى. لم تعد تريد التحمل.
الخسارات السابقة كانت تحافظ على توازن الأرجوحة.
لكن الجراح الجديدة كانت تشق سطحها ببطء. وفي المقابل، كان ريتشارد، وقد سقطت مساميره، يرتفع في الهواء خفيفًا بلا وزن.
وفي تلك اللحظة، انشقت الأرجوحة تمامًا، وسقط الجانب الذي كانت تجلس عليه غريس.
أما ريتشارد، المعلّق في الهواء، فسقط أخيرًا إلى الأرض.
وهكذا انتهت لعبتهما الفارغة. وأخيرًا، تخلت غريس عن الاختبار الذي ترددت فيه طويلًا.
يتبع…
🦋--------------------🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة | الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
*حسابي على الانستغرام :luna.aj7