الأرض، عام 3016 – شهر 10

على هذه الأرض بدأت الخطيئة… وعليها ستنتهي.

ـــ

"قبل سبعة عشر سنة"

شق شعاعٌ السماء في ليلة صافية، مثل شهاب يرجم شياطين الغواية.

الهواء بارد، والسماء صامتة إلا صوت الذي يخترق الظلام.

في مكانٍ ما، وقفت فتاة تطل من نافذة غرفتها، تنظر نحو السماء. ملامحها غير واضحة، فقط عيناها تتبعان ذلك الضوء الذي كان يحلِّق في السماء. فجأة، وبشكل غريب، غيّر الضوء طريقه، شعور بالذهول التهم جسدها.

رفعت الفتاة مرفقها عن النافذة وتراجعت خطوة إلى الخلف بعد أن رأت الضوء متجهاً نحوها. ركضت نحو الطاولة، والتقطت سيفاً بيدها اليمنى. لم تستوعب ما يحصل، فقد اقترب الضوء ثم اندفع نحوها.

لوّحت بسيفها، لكنه تفادى الضربة بسهولة واخترق بطنها.

حدث كل شيء بسرعة… سقطت الفتاة أرضاً فاقدة للوعي.

قلبها يدق ببطء، كأنه على وشك التوقف.

ما هي إلا دقائق حتى دخل عدة أشخاص. جميع الموجودين، بما فيهم الفتاة المستلقية على الأرض، لم يكن أيٌّ منهم ظاهراً، فقط ظلال تتحرك.

ـــ

"قبل ستة عشر سنة"

ـ لا تقلقوا، هذا طفل. سأعتني به جيداً، أعدكم بذلك. هذا الطفل سيكون مثل حفيدي، لا تقلقوا.

كان الشخص الذي يتكلم يرتدي رداءً أسوداً، غير ظاهر بالمرة، وأمامه ثلاثة أشخاص: طفل، واثنان من الأشخاص البالغين. كانت صورهم ظلامية، لا أحد يمكن رؤية ملامحه.

ـ نعتمد عليك… اعتنِ بطفلي جيداً.

ـــ

"الوقت الحالي"

صرخة قوية تشق الهواء، تتلوها انفاس متقطعة.

طفل في التاسعة من عمره يصرخ بكل ما يملك من قوة. شعور بالعجز والخوف يتغلغل في جسده، قلبه يخفق بقوة، طفل بشعر أبيض وعينين سوداويـتين تلمعان برعب ممزوجا بالذهول.

ـ أين أنتم؟ أين أنتم؟!

تعالت صيحاته وارتفعت آهاته، بينما يمشي بين بيوت مهدمة وطرق مدمرة. كل خطوة تثقل قلبه بالخوف، ورائحة الدخان تملأ رئتيه. حاملٌ في يده دمية مقطوعة اليد، يخرج من عنقها صوف أبيض.

ـ أخي… أين أنت؟

دموع تهطل من عينيه الواسعتين، ووجهه الأبيض صار أحمر من شدة الحرارة العالية، وعليه بعض الحروق التي نقشت في وجهه.

نار في كل مكان، الهواء لاذع، رائحة اللحم المحترق تختلط مع دخان المتصاعد، والنيران تلهث في الازقة

اشتدت حدة نيران في شوارع هذه المدينة الكبيرة، دخان يصعد نحو السماء مكوّناً سحباً سوداء، وكأن عذاباً حلّ على هذه المدينة.

شوارعها خالية… فقط جثث ملقاة على الأرض، لم تكن جثة واحدة كاملة. منهم من بلا رأس، ومنهم بلا يدين، وأخرى لم يبقَ منها سوى جسد بلا أطراف ولا رأس.

أما الطفل فكان لا يزال يتمشى بين المنازل المحطمة، لا يسمع صوتاً إلا صوته وصوت المنازل التي تلتهمها النيران.

فجأة، بين ظلال البيوت المهدمة والأسوار المحطمة، ظهر ظل أسود كان يراقب الطفل. لا يمكن الجزم: هل هو لرجل أم امرأة؟ هل هو إنسان أم كيان آخر؟

بدأ يتكلم، لكن كلامه غير واضح، فاللغة التي يتحدث بها غير مفهومة.

ـ حتى لو ذهبتَ لآخر الدنيا أيها الصبي، سأجدك. لن تهرب مني… لا تلمني، لكن هذا قدرك الذي اختارك.

تسلّل الكلام إلى أذن الصبي، لكنه لم يفهم شيئاً. التفت يميناً ويساراً، لكنه لم يرَ أي شخص سوى نيران ودخان.

ارتجف الطفل، أحس بالخوف، وتلعثم في كلامه:

ـ مَن… مَن أنت؟

ظهر الشكل الغامض أمام الصبي فجأة، لكن الصبي لم يرَ سوى ظل أسود واقف أمامه. أمسك الظل الأسود الطفل من رقبته ثم قال بصوت متعجرف:

ـ اليوم ستذوق عذاباً أبشع من الموت.

احمر وجه الصبي أكثر، وانقطع تنفسه. أما الكيان الأسود فابتسم، وبسرعة خاطفة صعد إلى السماء ومعه الصبي، وتوقف بين الغيوم السوداء.

لم يكن باستطاعة الطفل أن يخرج أي كلمة، فقد خرج لسانه من شدة القبضة على رقبته.

نظر الظل الأسود إلى المدينة تحتهم التي تلتهمها النيران، وبحركة خفيفة من يده ازدادت حدة النيران وارتفعت درجة الحرارة. بدأ الطفل يتصبب عرقاً أكثر من السابق، اشتعلت النيران في ملابسه، وبدأ جسمه يذوب.

هااااااااا.

صرخ الطفل بعد أن خفف الظل قبضته:

ـ آاااااااااه…!

اشتعلت النيران في شعر رأسه، واجتاحه ألم غير طبيعي فأطلق صرخة لو كان أحد في المدينة على قيد الحياة لسمعها.

ـ آااااااااااااععععه!!!

خرج صوت غريب من الظل الأسود: ـ واعواعولعوعاوع…

أما الطفل فقد اختفى كل شعره، وبدا أصلعاً. كان الألم الذي يمر به لم يذقه في حياته.

فجأة فقد وعيه، لأنه لم يتحمل الألم.

عندما رأى شبح الأسود الطفل فقد وعيه، لوّح بيده مرة أخرى نحو المدينة فخفت حدة النيران، ثم أشار بيده نحو الطفل فعاد شعر رأسه كما كان، وكذلك جسده وملابسه. تأوّه الصبي ثم استيقظ.

ـ وبعينين سوداويـن رمق الظل وهو يتألم، تشددت عضلات يده، وانفاسه خرجت حادة، الشفاء لم يطفئ الالم.

ـ آاااااااااااا!!!

ثم بدأ العذاب مرة أخرى… ومرة أخرى. ذابت ملابسه، جسمه احترق، شعره اختفى، ظهرت عظام من يديه وساقيه. فقد الوعي مجدداً… ثم شُفي. وبدأ العذاب مرة ثالثة.

نعم، لقد كان الكيان يعذب الطفل. أما عن السبب، فلا يعرفه سوى الظل الأسود.

تكرر العذاب مرات لا تُحصى. وبعد يوم، ورغم شفاء الصبي، إلا أنه لم يستيقظ. بدا مثل جثة هامدة.

تكلم الظل: ـ يبدو أن روحه تتلاشى.

تعذيب طفل بتلك طريقة ليس بسبب المتعة أو شعور بانشوة، كان سبب ذلك غاية يريد أن يصل لها الظل.

بعد أن قال ذلك، رمى الطفل في النيران. بدأ جسمه يذوب، وفي تلك اللحظة خرج شيء من جسده.

ـ وأخيراً… انتهى هذا العذاب.

هذا ما نطق به الشيء الذي خرج من الصبي.

ـــ

اختفت المدينة، كأنها مجرد سراب. تشقق الهواء، تحطمت صورة المكان، لم يعد سوى ظلام. وفي ذلك الظلام سُمعت بعض الكلمات:

ـ يوسافير… يوسافير… يوسافير…

فتح شخص عينيه، كان يتصبب عرقاً وصوت تنفسه متسارعاً. تأوّه قائلاً:

ـ آخ… يا رأسي…

ـ هل هي نفس الكوابيس مرة أخرى؟

ـ نعم… أشعر أن رأسي سينشق إلى نصفين.

ـ أصبحت هذه الكوابيس مزعجة في الآونة الأخيرة يا ترى، ما سببها؟

ـ أتمنى بنفسي أن أعرف…

كان الشخص المستلقي: يوسافير، ذو شعر مثل الفرو، كثيف جدا، وأسود كظلمة معتمة كليلة بلا قمر، وعينان لا تختلفان عن شعره سواداً، أو أشد سواداً. أنفه كان حاداً، وملابسه سوداء تتخللها خطوط بنفسجية.

الشخص الآخر كان يوراي، ذو شعر أبيض يصل إلى كتفيه، عيناه مغمضتان، بشرته بيضاء ناصعة، نحيف قليلاً، ملابسه بيضاء مختلطة بالفضي.

ـ غداً سنبدأ رحلتنا، لنأمل أن نجد سبب هذه الكوابيس.

أومأ يوسافير: ـ لكن علينا ألا ننسى سبب رحلتنا.

ابتسم يوراي: ـ أعرف، أعرف… مخلفات الحرب، كما قال الرجل العجوز.

عندما ذُكر الرجل العجوز، ظهرت لمحة حزن على يوسافير.

ـ هل تظن أننا سنجدها؟ سأل يوراي.

ـ سنحاول، وسنفعل ما بوسعنا.

ثم بعد ذلك أخرج يوسافير كتاباً قديماً من تحت وسادته وبدأ يحدق فيه.

ـ مخلفات الحرب… يا ترى، ما هي هذه المخلفات؟

رد يوسافير: ـ كنا صغاراً حينها، لهذا قال العجوز: "ستعرفون كل شيء في المستقبل". منعني من السفر حتى أصبح في السابعة عشرة. غداً هو اليوم تاسع عشر من شهر عشرة… غداً سأدخل عاماً جديداً.

ـ ونتمنى أيضاً أن نجد علاجاً لكوابيسك. ولا ننسى أننا عالقون في المستوى الأول، إن لم نخرج من هذه الجزيرة لن نعرف الطريق إلى الأمام.

ـ معك حق. علينا إيجاد طريقة لرفع مستوياتنا بسرعة، وأيضاً عليّ البحث عن ذلك الوغد من كوابيسي. إن كان حقيقياً… فسأمزقه.

جلس يوسافير وبدأ يقلب في الكتاب القديم، ثم ابتسم: ـ لدي هدف عليّ تحقيقه مهما كلّف الأمر.

ابتسم يوراي: ـ هل تقصد ذلك العالم الذي رأيته في كابوسك الأول؟ أنا متشوق لرؤيته، لكن هل تستطيع جعل هذا العالم مثله؟

ـ سنحاول… حتى لو اضطررنا لتدمير هذا العالم. صمت يوسافير قليلا. ثم أكمل كلامه: ـ لهذا علينا أن نجد مخلفات الحرب… كل شيء مرتبط بها.

دق دق دق.

ـ أخي يوسافير! أخي يوراي! هل أنتم هنا؟

ـ ادخل، قال يوراي.

فتح صبي صغير الباب، بعيون براقة نظر إليهما: ـ رئيس القرية ينتظركما عند الشاطئ.

ـ يبدو أنهم انتهوا من القارب، قال يوسافير.

أومأ يوراي: ـ في الوقت المناسب.

خرج يوسافير ويوراي من الكوخ، استقبلتهما أشعة الشمس بدفئها، بينما ضربتهما رياح قوية تحمل معها أجواء بحرية.

رفع يوسافير عينيه نحو القرية الممتدة أمامه. صفوف من الأكواخ الخشبية تتناثر على المنحدر، تعلوها أكوام من القش المصفر، بينما يحيط بالطريق طوب حجري متراصّ كأنه خطّ يد يرسم ممرًا عبر المكان.

أمام كل كوخ حديقة صغيرة محاطة بسياج بسيط. أشجار متوسطة الحجم تنتصب هناك، تتمايل أغصانها مع الريح ببطء، وأوراقها الصفراء تتساقط فوق الأسقف القشّية فتزيدها جمالًا وهدوءًا.

كل منزل وكل حديقة تنبض بالحياة، ضوء الشمس يلقي ظلالا دافئة على وجوههم.

في الحقول الصغيرة، رأى رجالًا ينحنون على التراب، يحرثون الأرض بمهارة تعوّد عليها جسدهم عبر السنوات. وبين الحدائق كان الأطفال يركضون بلا توقف، يصرخون ويضحكون، يطاردون بعضهم فوق العشب المبلل بالندى.

كانت القرية أكبر مما يتوقع، بيوت بطابق واحد تمتد على مسافة تبتلع الأفق، ورائحة التربة الرطبة تمتزج برائحة الخشب والقش لتمنح المكان حياة لا يشبهها أي مكان آخر.

أثناء سيرهما، ظهر أمامهما طفل فوق عمود عالٍ يرتدي قناع غزال، وفي يده كمان يبدو أنه من ابتكاره، لأنه يبدو سيئاً جداً، لكن رغم ذلك كان يصدر بعض الألحان.

على الأرض كانت بعض الفتيات ملقيات وكأنهن فاقدات للوعي، وبجانبهن بعض الأزهار الجميلة، وأمامهن دمى صغيرة.

ـ هاهاها! لقد أخذت أبناءكم، وسآخذهم بعيداً!

بينما كان الطفل آخر يقف امامهم ويضحك، كان ممسكاً لعبة صغيرة تشبه الحشرة.

وقف يوسافير ينظر إلى الأطفال الذين يلعبون وابتسم بعد أن تذكر الأيام الجميلة التي قضاها هنا، كانت حقاً أياماً جميلة.

فور أن رأى الأطفال يوسافير ويوراي، قفز الطفل من العمود، واستفاقت الفتيات، وصمت الطفل الذي كان يضحك، ثم ركضوا نحوهم:

ـ أخي يوسافير! أخي يوراي! لماذا لا تشاهدون عرضنا؟ إنه رائع!

فتح يوراي فمه: ـ إننا مشغولان، لقد نادى علينا زعيم القرية.

تأسف للأطفال، ثم قال أحدهم: ـ عندما تنتهون، عليكم أن تأتوا وتشاهدوا عرضنا.

ـ حسناً، قال يوسافير وهو يرفع إبهامه للأطفال.

ثم أكمل طريقه هو ويوراي والطفل معهم.

كلما مرّا بشخص، إما يبتسم لهم أو يلوّح بيده. كان الاثنان محبوبَين للغاية، خصوصاً يوسافير الذي كانت أول خطواته على هذه الجزيرة.

رأى أهل القرية نموه أمامهم، رغم أنه لم يكن له والدان، فقط رجل عجوز قام بتربيته.

مر الاثنان عبر طريق بين الأشجار الكثيفة التي تتخلى عن أوراقها الصفراء والبرتقالية الباهتة، وسرعان ما وصلا إلى الشاطئ.

كان الشاطئ خالياً، الهدوء يعم المكان ورائحة البحر تمتزج مع نسيم الصباح البراد، فقط قارب صغير على الرمال، وأمامه رجل عجوز بقبعة قشية تشبه نصف البرتقالة، يرتدي ملابس خضراء.

تقدّم به السن بحيث أصبح وجهه مليئاً بالتجاعيد، وفي يده عصا صغيرة يتكئ عليها.

بجانبه وقف رجلان في منتصف العمر، ابتسما فور رؤية يوسافير ويوراي.

ـ قاربكم جاهز يا صبيّان.

ابتسم يوسافير: ـ شكراً أيها الجد، لقد أشغلناكم معنا. وانحنى يوسافير قليلاً.

ـ تِسْك! ما الذي تقوله أيها الصبي؟ أنت واحد منا، لا داعي لهذه الرسمية. المهم، هل أعجبكما القارب؟

نظر يوسافير وكذلك يوراي، رغم أن عينيه مغلقتان.

ـ يبدو جيداً. المهم أن يخرجنا من هذه الجزيرة نحو الجانب الآخر.

ـ لا تقلقا، سيكفي. فالمسافة ليست بعيدة، فقط أربعين كيلومتراً غرباً.

كانت الجزيرة التي يقطنان فيها كبيرة قليلاً، طولها أربعة كيلومترات وعرضها 1.5 كيلومتر.

ـ هل قررتما؟ غداً سترحلان؟ سأل العجوز.

أجاب يوسافير: ـ نعم، غداً ستكون نهاية رحلتنا على هذه الجزيرة.

حدّق العجوز فيهما، بينما موجة من الذكريات ظهرت أمام عينيه عن يوسافير ويوراي عندما كانا صغيرين جداً. ورغم الحزن الذي ظهر في وجهه، إلا أنه سرعان ما أخفاه وقال:

ـ هيا، عليكم العودة لتجهيز أنفسكم، أمامكم رحلة طويلة.

مشى العجوز إلى الأمام، وتبعه الجميع.

نظر يوسافير ويوراي إلى ظهر العجوز، وغلف الحنين قلبيهما. كان لهذا الرجل العجوز فضل كبير عليهما.

ـــ

داخل الكوخ، وقف يوسافير أمام طاولة، وأمامه يوراي. وعلى الطاولة كانت خريطة.

ـ هل أنت واثق من هذه الخريطة؟ سأل يوراي.

ـ لا، لكن المهم أننا نعلم أن غرباً توجد قارة. سنذهب نحوها. لا يجب الوثوق في هذا العالم، هذا ما أكده العجوز.

وبينما هما يتحدثان، سمعا صوت صراخ من الخارج:

ـ أخي يوسافير! أخي يوراي!

خرج الاثنان، فإذا بالصبي نفسه الذي أتى قبل قليل، يلهث.

ـ ماذا هناك؟

ـ هناك سفينة قادمة نحونا!

ـ هل هي للجيش؟ سأل يوراي.

ـ لا! إن الراية التي تعلوها مغايرة لراية كنيسة اتحاد الأمم. إنهم ثوار! إنه نفس الثائر الذي أتى قبل ثلاثة أشهر وضُرب من قبل أخي!

ابتسم يوسافير: ـ ماذا؟ هل أتى للانتقام؟

رد يوراي بابتسامة: ـ يبدو كذلك.

ـ النهاية.

عدو… أم حليف؟

2025/11/24 · 88 مشاهدة · 1897 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026