ساد الصمت لثوانٍ طويلة، حتى بعد أن أُغلق باب القاعة خلف لاريس.

لم يجرؤ أحد على الكلام.

كانت الليدي إيفانا ما تزال جالسة في مكانها، وقد شحب وجهها حتى بدا وكأنه فقد كل قطرة دم.

ارتجفت يدها وهي تحاول رفع فنجان الشاي، لكن أصابعها لم تستطع الثبات، فسقط الفنجان على الطبق محدثًا صوتًا خافتًا.

ابتلعت ريقها بصعوبة. "إ... إنها كانت تخدعني، أليس كذلك؟" لم يجبها أحد.

تبادلت النبيلات النظرات بصمت. إلى أن قطعت الإمبراطورة الأم الصمت. "تابعن الحفل." لم يكن صوتها مرتفعًا. لكنه كان كافيًا ليعيد الحياة إلى القاعة.

عادت الأحاديث تدريجيًا... إلا أن الهمسات هذه المرة لم تكن عن حفل بلوغ الأميرة... بل عن اسم واحد فقط. لاريس فالمر.

توقفت العربة السوداء المزينة بشعار عائلة فالمر أمام الدرج الرخامي للقصر الإمبراطوري.

تقدّم الحارس الشخصي بخطوات هادئة، وفتح بابها، ثم انحنى وهو يمد يده إليها. "هل نغادر، سموك؟"

رفعت لاريس عينيها نحوه لثوانٍ، ثم وضعت يدها في يده ونزلت بخفة. "نعم..." قالتها بصوتٍ خافت. "...لنعد إلى القصر، يا آرثر."

أغلق باب العربة، وما لبثت الخيول أن بدأت تشق طريقها عبر شوارع العاصمة. في الداخل...

لم يكن يُسمع سوى صوت العجلات وهي تحتك بالحجارة، يتخلله بين الحين والآخر صهيل خافت. جلست لاريس بجانب النافذة، وأراحت رأسها على الزجاج البارد.

كانت المدينة تمر أمامها... لكن عينيها لم تكونا تريانها. كانت تنظر... إلى مكانٍ آخر. إلى زمنٍ آخر. ضحكات.

ضحكاتٌ بريئة ملأت الغابة.

تسللت أشعة الشمس بين أغصان الأشجار، ترسم بقعًا ذهبية فوق العشب الأخضر، بينما كانت فتاتان في الحادية عشرة من عمرهما تركضان بلا هدف، وكأن

العالم كله خُلق من أجلهما وحدهما. "لن تلحقِي بي!"

ضحكت لاريس وهي تستدير للخلف. "هذا لأنكِ تغشين!"

صرخت روزالين وهي تلاحقها. لم تكد تكمل جملتها...

حتى اصطدمت قدمها بجذع شجرة. "آه!"

هوت على الأرض. ساد الصمت لثانية... ثم انفجرت ضاحكة.

توقفت لاريس، واستدارت إليها وهي تزفر باستسلام. "كم أنتِ خرقاء." اقتربت منها ومدّت يدها. "هيا، انهضي."

رفعت روزالين رأسها إليها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة. أمسكت يد لاريس... لكنها جذبتها فجأة بكل قوتها. "روزالين!"

سقطت لاريس فوق العشب بجانبها. حدقت بها بصدمة، قبل أن تعلو ضحكتهما معًا. ضحكة... صافية. بريئة. لا تعرف الخيانة... ولا الدم... ولا الفراق.

استلقتا جنبًا إلى جنب فوق العشب، تحدقان إلى السماء الزرقاء، بينما كانت الريح تعبث بخصلات شعريهما.

قالت روزالين وهي تلهث من الضحك: "سنبقى معًا دائمًا... أليس كذلك؟" التفتت إليها لاريس، وابتسمت دون تردد. "دائمًا."

لكن... كانت بعض الوعود... أقصر عمرًا من أن تصمد أمام القدر.

حلّ الليل...

واختفى آخر خيط من ضوء الشمس خلف الأشجار، ولم يبقَ سوى ضوء القمر الباهت يتسلل بين الأغصان، يرسم ظلالًا طويلة على أرض الغابة.

ساد الصمت... صمتٌ ثقيل، حتى إن صوت أنفاسها المرتجفة كان يُسمع بوضوح.

جلست روزالين على الأرض، وقد شُلَّ جسدها من الخوف.

كانت تحدق أمامها بعينين متسعتين، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.

هناك... وقفت لاريس. لم تتحرك. كانت ثيابها البيضاء قد تلطخت باللون الأحمر، وخصلات شعرها الأسود التصقت بوجنتيها، بينما انزلقت قطرات الدم ببطء عن نصل السيف الذي كانت تمسكه.

لكن... لم يكن الدم هو أكثر ما أرعب روزالين. كانت نظرة لاريس. باردة... باردة إلى درجةٍ لم ترَ مثلها من قبل. لم يكن في عينيها خوف... ولا ندم... ولا حتى غضب.

وكأن كل المشاعر قد اختفت من داخلهما. ارتجفت روزالين، ثم انخفض بصرها ببطء... لتقع عيناها على الجسد الملقى عند قدمي لاريس. تجمدت أنفاسها. ا رتفع نظرها مرة أخرى نحو صديقتها. "لا... لاريس..." خرج اسمها بالكاد همسًا. لكن لاريس لم تجب. لم تنطق بكلمة.

ظلت واقفة في مكانها، تحدق إليها بتلك العينين الباردتين، بينما كان ضوء القمر ينعكس على نصل السيف الملطخ بالدماء.

بدت وكأنها... شخصٌ آخر تمامًا.

"سموك." ارتعش جفن لاريس. تبدد المشهد كالدخان، وعادت أصوات عجلات العربة تملأ سمعها.

"سموك... لقد وصلنا." رفعت رأسها ببطء، لتجد آرثر يفتح باب العربة بانحناءة محترمة.

أطلقت زفرة خافتة، ثم نزلت من العربة. رفعت عينيها نحو قصر فالمر الشاهق، تحيط به حدائق مزهرة بدت هادئة على غير عادتها.

حدقت فيه لحظة بعينين شبه فارغتين... ثم تقدمت نحو البوابة الرئيسية.

2026/07/04 · 1 مشاهدة · 629 كلمة
Nadine Osama
نادي الروايات - 2026