استيقظ كايل على طعم الدم.

كان مستلقياً على ألواح خشب باردة، ووجهه ملتصقاً بكمّ رداء رطب تفوح منه رائحة العرق والدخان. حاول أن يفتح عينيه، فشعر بوخزة حادة تمر من صدغه إلى عنقه.

لم يكن ذلك سقف غرفته.

السقف هنا منخفض، تتدلى منه خيوط عنكبوت رمادية. في الزاوية وعاء ماء متشقق، وبجانبه سيف خشبي قصير فقد نصف مقبضه. خلف النافذة الضيقة ظهرت جبال سوداء تحت فجر شاحب.

رفع يده إلى وجهه.

أصابع نحيلة. مفاصل بارزة. خدوش قديمة على ظهر الكف.

وقبل أن يستوعب ما يراه، انفتح الباب بعنف.

«رَين؟»

دخل شاب عريض الكتفين، ورداء التلاميذ الخارجيين على جسده أنظف من رداء كايل بكثير. نظر إلى السرير كما ينظر شخص إلى كيس قمامة ترك في الممر.

«ما زلت حياً. هذا تحسن.»

لم يعرف كايل الاسم من صوته. عرفه من الذكريات التي اندفعت إلى رأسه بلا استئذان.

جارِك. تلميذ خارجي في طائفة الغراب الرمادي. قوي بما يكفي ليضرب الضعفاء، وضعيف بما يكفي ليحني رأسه أمام أي شخص أعلى منه.

ثم جاء الاسم الآخر، أثقل وأقرب.

رَين كارتر.

صاحب هذا الجسد.

شعر كايل بمعدته تنقبض. الذكريات لم تكن صوراً مرتبة؛ كانت شظايا: يد تمد وعاء أرز فارغاً، مشرف يصرخ في ساحة التدريب، نوبة سعال بعد محاولة فاشلة لتحريك النفس القتالي، ووجه جارِك وهو يعدّ نقوداً صغيرة في كفه.

قال جارِك: «ثلاث عملات نحاسية. هذا دينك.»

حاول كايل الجلوس. جسد رَين اعترضه فوراً. ألم في الضلع الأيسر، وثقل غريب في الصدر، كأن شخصاً وضع حجراً تحت عظم القص.

«ليس عندي مال.» خرج صوته خشناً.

ابتسم جارِك ابتسامة بلا فرح. «أعرف. لهذا جئت قبل أن يستيقظ مشرف الساحة. ستذهب إلى المقالع بدلاً من الساحة. عمل يومين، وربما تسدد نصف الدين إن لم تسعل دماً على الصخر.»

«ولماذا تهتم؟»

توقف جارِك لحظة. لم يتوقع جواباً.

قال: «لأنك اقترضت مني، رَين. ولأن أمثالك لا يفهمون الكلام إلا بعد أن يُؤخذ منهم شيء.»

مد يده وانتزع السيف الخشبي من قرب الحائط.

«خذ هذا بعد أن تدفع. لا تحتاجه في المقالع.»

استدار نحو الباب.

«لديك ساعة.»

أغلقه خلفه، لكن صوت خطاه بقي في الممر طويلاً.

ظل كايل جالساً على حافة السرير.

رَين كارتر.

طائفة الغراب الرمادي.

الجبال التسع.

كل اسم كان يضع قطعة في مكانها، إلى أن لم يبقَ مجال للشك.

لقد دخل رواية.

رواية قرأها قبل أيام قليلة فقط، حتى إنه كان يتذكر الصفحة التي أغلق عندها هاتفه في تلك الليلة.

سيد الرمح تحت الجبال التسع

. حكاية رونان آش، تلميذ الرمح الذي يبدأ بلا شيء ثم يشق طريقه بين الطوائف والجبال والحروب.

لكن رَين كارتر لم يكن شخصية في الحكاية.

كان اسماً لم يظهر قط.

أو هكذا ظن كايل، إلى أن تذكر سطراً عابراً في بداية الرواية:

«مر رونان عند وادي الغراب الرمادي، فلم يجد سوى بوابة سوداء ورماداً بارداً. كانت طائفة صغيرة، احترقت في ليلة واحدة، ولم ينجُ منها أحد.»

تصلب جسده.

لم يكن ذلك وصفاً لعالم بعيد الآن.

كان سقف الغرفة فوق رأسه. السيف الخشبي المسروق من قربه. والجرح القديم على ذراع رَين.

نظر كايل إلى الضوء خلف النافذة وحاول حساب الأيام.

سبعة.

بقي سبعة أيام على الحريق.

ضحك ضحكة قصيرة، ثم توقف حين وخزه ضلعه.

«رائع.»

لم يكن يملك مالاً ليسدد ديناً تافهاً. لم يكن يعرف أسلوب قتال. هذا الجسد لم يتجاوز المرحلة الأولى من تقوية الجسد، وحتى تلك المرحلة كانت مهزوزة. وإذا حاول أن يمرر نفساً قتالياً في ذراعه، ستعود إليه الذكريات الواضحة لرَين: ألم، سعال، ثم نظرات احتقار في الساحة.

كان أمامه حل بسيط.

يهرب.

يأخذ ما يستطيع حمله، ينزل من الطريق الجنوبي، ويختفي في قرية لا تعرف اسم طائفة الغراب الرمادي. ربما يعمل حطاباً. ربما يموت جوعاً بعد شهر. لكنه لن يحترق هنا.

حل بسيط.

وحل جبان.

ضغط كايل على فكه.

لم يكن بطلاً. لم يملك سبباً نبيلاً للبقاء. لم يكن يعرف هؤلاء التلاميذ، ولا يدين للطائفة بشيء. حتى رَين نفسه لم يحصل منها إلا على ديون وضربات وسقف يرشح ماءً.

لكنّه عرف ما سيحدث.

وعرف أن الذين سيموتون لن يعرفوا حتى لماذا ماتوا.

أدار رأسه إلى السيف الخشبي الذي أخذه جارِك. لم يكن السيف مهماً. المهم أن جارِك اختار أخذه في هذا الصباح بالذات، وأن رَين لم يقاوم. في ذكريات الجسد، كان نائب رئيس الطائفة يغير الحراسة كلما اقتربت مناسبة داخلية. وكانت البوابة الغربية تُغلق مبكراً هذه الأيام.

تفاصيل صغيرة.

تفاصيل لم تدخل الرواية قط.

نهض كايل ببطء. كادت ركبتاه تخونانه، فأسند كفه إلى الحائط حتى هدأ الدوار.

«أولاً، أعرف السبب.»

لم ينتظر المال ولا السيف. غسل الدم عن فمه، شد حزام الرداء، وخرج من الغرفة قبل أن يعود جارِك.

***

مر النهار ثقيلاً.

تجنب كايل ساحة التدريب، وتجنب المشرف بران، وتجنب جارِك حين رآه في الممر. لم يكن ذلك شجاعة أو خطة عبقرية؛ كان يعرف أن أي احتكاك الآن قد ينتهي بضربة لا يستطيع ردها.

بدلاً من ذلك، راقب.

راقب من يحمل الصناديق إلى المخزن. من يغير نوبات البوابة. من يذهب إلى قاعة السجلات ولا يعود منها بسرعة. استخدم ذكريات رَين عن الممرات الخلفية ومكان الحبال القديمة وحافة السور التي لا يصل إليها الحراس إلا عند المطر.

قبل الغروب، رأى نائب رئيس الطائفة هارڤن يخرج من القاعة الداخلية وحده.

كان هارڤن رجلاً في منتصف العمر، رداءه أرجواني داكن، وعيناه باردتان كأنهما لا ترى التلاميذ إلا أرقاماً في سجل. في الرواية، لم يكن اسمه موجوداً. لم يذكر المؤلف نائب رئيس طائفة احترقت في سطر واحد.

وهذا وحده جعله خطيراً.

انتظر كايل حتى اختفت الشمس.

ثم تبعه.

لم يقترب كثيراً. جسد رَين لا يسمح له بالجري، لذلك اعتمد على الظلال وعلى معرفته بمكان أنابيب الماء القديمة. مرت مرتان اضطر فيهما إلى الانبطاح خلف صناديق خشب حين مر حارس. ومرة اضطر إلى وضع يده على فمه كي لا يسمع هارڤن سعاله.

عند الجدار الغربي، توقف نائب رئيس الطائفة هارڤن.

كان هناك رجل ينتظره.

رجل طويل تحت عباءة جلدية سوداء. لم ير كايل وجهه، لكنه رأى الختم المعدني على معصمه: جبل أسود مشقوق بخط أحمر.

الجبل الأسود.

تسارعت دقات قلبه حتى خاف أن يسمعاها.

قال الرجل: «ليلة الأحد. هل تغير شيء؟»

رد هارڤن: «لا.»

«البوابة الغربية؟»

«ستبقى بلا حراسة بعد الجرس الثاني. الحراس سيكونون عند المأدبة، ورئيس الطائفة سيُدعى إلى القاعة الكبرى.»

سكت الرجل لحظة.

«والسجلات؟»

«تحرق مع القاعة.»

كان صوت هارڤن هادئاً. هادئاً أكثر مما يجب.

«لا أريد بقاء وثيقة واحدة عن الأرض أو البئر. أما التلاميذ الخارجيون…»

توقف، ثم أكمل بلا تغير في نبرته:

«النار أسرع من أن يخرجوا.»

انقبضت أصابع كايل حول حافة الحجر. خدشت كفه، فشعر بالدم الدافئ.

لم يكن الحريق كارثة.

كان صفقة.

باع هارڤن الطائفة لرجال الجبل الأسود، ومعها كل من لا يملك قيمة في الساحات الداخلية.

تحرك الرجل ذو العباءة أولاً. دفع كيساً صغيراً إلى هارڤن، فصدر منه رنين مكتوم.

«النصف الآن.»

أخفى هارڤن الكيس داخل ردائه.

«والنصف بعد أن ينتهي الأمر.»

غادرا في اتجاهين مختلفين.

لم يتحرك كايل إلا بعد أن ابتلعهما الظلام.

كان يملك الآن الحقيقة.

حقيقة لا يمكنه استخدامها.

لو ذهب إلى رئيس الطائفة، فمن سيصدقه؟ تلميذ خارجي مدين، جسده ضعيف، يراقب نائب الرئيس ليلاً من دون إذن. حتى لو صرخ بالحقيقة في الساحة، سيأمر هارڤن بسجنه قبل أن ينهي جملته.

ولو واجه هارڤن وحده، سيموت قبل أن يرفع يده.

جلس كايل على درج حجري خلف الجدار. كانت ساقاه ترتجفان، ليس من البرد وحده.

سبعة أيام.

أمامها طريق الهرب، وأمامه طائفة لا تثق به، وخائن يملك سلطة، وعدو يملك رجالاً وسلاحاً.

لم يطلب منه أحد أن يبقى.

ولهذا كان القرار قراره وحده.

قبل الفجر بقليل، وصل كايل إلى مفترق الطريق الجنوبي. إلى الأسفل امتد ممر ضيق بين أشجار الصنوبر؛ لو سلكه الآن، لن يراه أحد حتى يصل إلى القرى. في جيبه قطعة نقدية واحدة خبأها رَين تحت لوح السرير. ليست كافية لحياة، لكنها كافية لبداية هرب.

إلى الأعلى، كانت طائفة الغراب الرمادي ساكنة. خلف الجدران نام أناس لا يعرفون أن أسماءهم حذفت من قصتهم قبل أن تبدأ.

تذكر السطر الذي قرأه. لم يتذكر أسماءهم، لأن الرواية لم تمنحه أسماء.

لكنهم كانوا هنا.

يتنفسون. يتشاجرون على عملات نحاسية. يسرقون دواءً لأخ مريض. ويخافون من مقالع الصخر أكثر من خوفهم من حريق لا يعرفون أنه قادم.

«لا أعرف كيف أنقذكم.» قالها كايل بصوت منخفض.

ثم نظر إلى الطريق الصاعد.

«لكنني لن أترككم تحترقون وأنا أعرف.»

خطا إلى الأعلى.

لم يشعر بقوة جديدة. لم يلتئم ضلع رَين. لم تعد عملات جارِك إلى جيبه.

لكن الهواء أمامه اهتز.

ظهرت صفحة رمادية شفافة، كأنها ورقة قديمة معلقة في الفراغ.

[سجل المؤسس]

[تمت تلبية شرط البداية: اخترت حماية مكان لا يملك أحد غيرك سبباً لحمايته.]

[الطائفة الحالية: الغراب الرمادي — على وشك الانهيار]

[الأعضاء الموثوقون: 0]

[المورد المتاح: لا شيء]

[يمكنك الآن رؤية فرص الطائفة المرتبطة بما يحدث حولك.]

انتظر كايل حرارة تسري في عروقه. سلاحاً. حبة دواء. أي شيء يجعل قراره أقل غباءً.

لم يحدث شيء.

بقي جسده ضعيفاً، وبقيت ذراعه تؤلمه، وبقي حريق الطائفة بعد سبعة أيام.

تغير السطر الأخير.

[فرصة متاحة: أنقذ لينا مورو قبل شروق الغد.]

حدق كايل في الاسم.

لينا مورو.

رَين يعرفها. تلميذة صغيرة في قسم الأعشاب، تتحدث قليلاً، وتعطي نصف حصتها من الطعام لطفل يعمل في المخزن. في الغد ستُعاقب لأنها سرقت دواءً من الصيدلية.

لم تخبره الصفحة لماذا عليه إنقاذها.

ولم تقل له كيف.

كان ذلك مزعجاً.

لكنه كان واضحاً بما يكفي.

أدار كايل وجهه نحو مبنى الصيدلية، حيث بقيت نافذة واحدة مضاءة قبل الفجر.

«حسناً يا لينا.»

بدأ يمشي.

«لنرَ ما الذي سرقته.»

2026/08/23 · 6 مشاهدة · 1463 كلمة
S
نادي الروايات - 2026