صفعة البرد الأولى لم تكن مجرد هواء بارد، بل كانت خنجراً غرزه الشتاء في رئة «إيل» الصغيرة.
كان في الخامسة من عمره عندما فتح باب الكوخ الخشبي وتسلل إلى الخارج. الأرض حول قرية «فارن» لم تكن بيضاء ناصعة، بل نُسجت بطبقة قاسية من الثلج الأحمر الصدئ، المصبوغ بغبار المعدن الذي يفرزه جبل الجليد المجاور. كانت أمه «ميرا» قد حذرته قبل أن تغفو من التعب: "لا تتجاوز عتبة الباب يا إيل، العاصفة تقترب." لكن السلة الخشبية بجانب الموقد كانت فارغة، ودفء الغرفة كان يحتضر.
مشى بخطوات ثقيلة. الجسد صغير للغاية، وركبتاه ترتجفان تحت قماش الكتان الخشن. عقل «آرين» ابن الثامنة عشرة كان يحاكم كل حركة؛ يعلم أن الخروج في هذا الجو أحمق، لكن رؤية أمه وهي تسعل طوال الليل دفعت أصابعه الخشبية للبحث عن أي غصن يابس عند طرف الوادي.
عند حافة الجرف المتجمد، أبصر فرع شجرة جوز صلب يبرز من بين الصخور. مد يده الصغيرة، لكن طبقة الجليد الناعم أسفل قدمه كانت أسرع.
انزلقت قدمه اليمنى.
اهتز العالم. انحدر جسده الصغير نحو السقوط، نحو قاع الوادي المليء بالأحجار الحادة.صرخ إيل، لا بصوت آرين الواعي، بل بصوت طفل مذعور يفقد توازنه.
وفي اللحظة التي طارت فيها قدمه الثانية في الهواء، امتدت ذراع خشنة مغطاة بفراء الثعلب الرمادي، وقبضت على طوق ثوبه بقوة ألمته في رقبته. سُحب إيل إلى الخلف وهوى على ظهره فوق الثلج الأحمر الصلب، يتنفس الصعداء في زفير أبيض كثيف.
وقف فوقه «هارون».
كان الصياد العجوز بجلده المجعد، وغطاء جلدي أسود يغطي عينه اليسرى المفقودة، يحمل على كتفه الفأس وبعض الفراء. لم يصرخ، ولم يبتسم. نظرت عينه الصالحة إلى إيل ببرود يشبه الجليد المحيط بهما.
"الأحمق يبحث عن الخشب تحت الصخور المصقولة، والصبي الذكي يعلم أن الموت هنا يرتدي حذاءً زلقاً." قال هارون وهو يسحب إيل من يده ليقيمه. "عد إلى أمك يا إيل. إن سقطت هنا، لن تكلف أمتك عناء البحث عن جثتك تحت الثلج."
مرت الأعوام الثلاثة التالية كأنها صراع يومي لا يهدأ.
في سن السادسة، ولدت أخته الصغرى «لينا». لم تكن القرية تتسع لأفواه جديدة، وكانت مائدة العشاء في كوخ ميرا تتلخص غالباً في حساء لفت خفيف وقطع خبز يابسة. لكن لينا، بعينيها الواسعتين اللتين تشبهان لون الجبال المخضرة في الصيف القصير، أصبحت المحور الذي يدور حوله عقل آرين المحبوس في جسد إيل.
كان آرين يشعر بإهانة لا تطاق. في أستيريا، كان سليل عائلة سيوف، وعلى الرغم من ضعفه، كان بإمكانه التحدث، والتفكير، وحمل السلاح. أما هنا، في جسد إيل، فإن أعظم إنجازاته اليومية هي تقطيع بصلة دون أن يقطع أبهامه، أو جلب سطل ماء دون أن يتجمد سطح الماء قبل أن يصل إلى الباب. ذاكرته الكاملة عن عالم آخر لم تمنحه قوة سحرية ولا عضلات خارقة. كان مجرد طفل فقير يرتجف من البرد.
حاول في مساء أن يقلد وضعية نصل الفجر التي تدرب عليها أعواماً في أستيريا. وقف في زاوية الكوخ، ورفع عصا حطب قصيرة فوق رأسه، ثم خطا للأمام كما كان يفعل وهو في الثامنة عشرة. لم يكمل الخطوة. تعثرت ساقاه الصغيرتان في بساط بالٍ، وسقط على ركبتيه أمام لينا التي كانت تزحف قرب الموقد.
صفقت لينا بيديها وضحكت. لم تكن تعرف أن أخاها يحاول استعادة شيء خسره؛ رأت فقط أخاً سقط بطريقة مضحكة. زحف إليها إيل، وخطفها قبل أن تقترب من الجمر. تشبثت بأصبعه الصغير فوراً، فهدأ غضبه لحظة.
في تلك الليلة فهم آرين أن تذكر حركة السيف لا يساوي امتلاك جسد ينفذها. إن أراد تغيير هذه الحياة، فعليه أولاً أن يتعلم ما يحتاجه طفل في فارن: أين يضع قدمه، متى يصمت، ومتى يطلب من شخص أكبر منه المساعدة.
"ضع كعبك أولاً يا إيل. دائماً الكعب."
كان صوت هارون يتردد في ساحة الصيد الضيقة خلف القرية. في سن السابعة، بدأ هارون يجمع أطفال فارن ليعلمهم كيف يبقون على قيد الحياة. لم تكن دروساً في البطولية، بل في النجاة البحتة.
وقف إيل في الثلج، يحمل سكيناً حديدياً قصيراً يعود لوالده الراحل. كان السلاح ثقيلاً على يده الصغيرة.
قال هارون وهو يشير بعصاه الخشبية نحو ساق إيل: "عندما يهاجمك شتاء فارن، أو ذئب ضائع، لن تنقذك شجاعتك. قدمك هي التي تنقذك. إن زلت قدمك، أنت ميت. إياك أن تقف على أطراف أصابعك فوق الجليد الأحمر."
ضرب هارون ساق إيل بالعصا ضربة خفيفة جعلت الصبي يترنح، لكن إيل استعاد توازنه بسرعة، وغرس كعبه في الثلج القاسي.
"جيد." زمجم العجوز الأعور، ثم أردف بلهجة جادة: "والأهم من هذا كله: إذا رأيت خصماً لا تطيقه، اركض. اصرخ حتى يسمعك الصيادون. لا تلعب دور البطل. الأبطال في فارن يتحولون إلى طعام للغربان قبل حلول الليل." ثم ثبت عينه في عين إيل وأضاف: "إن سمعت عواء كلبان الجليد، تعال إلى كوخي أولاً. لا تتجه نحو الوادي وحدك."
نظر إيل إلى السكين في يده. السكين كان قديماً، نصابه ملفوف بقماش بالٍ، وكان نصله قصيراً، لا يمنحه إلا مسافة خطرة للطعن المباشر. حاول آرين في داخله أن يحلل تقنيات القتال التي قيلت له في حياته الأولى، لكن جسد إيل القصير كان يرفض تنفيذ تلك الهجمات المعقدة. القوة هنا تخضع للقوانين المادية الصارمة: طول الذراع، وزن الجسد، وقساوة الأرض.
في منتصف شتاء عامه الثامن، تغير هواء قرية فارن.
لم تعد الرياح تحمل رائحة غبار المعدن فقط، بل جاءت معها رائحة الدم العفن.
في البداية، كانت مجرد آثار مخالب عميقة على جذوع الأشجار عند طرف الغابة الميتة. مخالب أكبر من مخالب الذئاب العادية، وتترك خلفها أثراً لزجاً يسودّ فيه الثلج الأحمر. ثم جاء اليوم الذي وجد فيه الصيادون ثلاثة من الماشية القليلة للقرية نافقة في حظيرتها الخشبية؛ لم تُؤكل أجسادها بالكامل، بل بقرت بطونها وأُكلت أحشاؤها بأسلوب يدل على الصيد من أجل العبث والترهيب.
جلس الصيادون في كوخ هارون ليلاً، وكان إيل يقف عند الزاوية يراقب ويتسمع.
"إنها كلبان الجليد." قال أحد الصيادين وهو يمسح عرقاً بارداً عن جبهته. "تحركت من القمم العالية. الجوع يقتلها هناك."
هز هارون رأسه، وعينه الصالحة تتألق تحت ضوء الشمعة الضعيف: "قطيع كامل. يعتمدون على التمويه في الثلج الأحمر. إنها لا تهاجم الرجال المجتمعين، بل تترصد المنعزلين. من اليوم، لا يخرج طفل ولا امرأة دون حراسة. وإن رأى أحدكم أثراً لها، يتراجع فوراً ويضرب جرس القرية."
كان خطر «كلبان الجليد» واقعاً ملموساً يحيط بالقرية كقيد يطبق على الصدر. لم تكن وحوشاً سحرية تتنفس النار، بل ضواري ضخمة، ذات فراء أبيض متسخ يختفي بين الثلوج، وفكوك قادرة على قضم عظم الفخذ بضغطة واحدة.
وكان آرين، عبر عيني إيل، يعلم أن قريتهم الضعيفة لا تملك السلاح الكافي لردع قطيع كامل إن قرر الهجوم المباشر.
بعد أسبوع من ذلك الاجتماع، في بعد ظهر يوم غائم، كانت لينا تلعب بالقرب من حاجز الكوخ. كانت أمهما ميرا تغلي بعض الأعشاب في الداخل.
خرج إيل ليجمع بعض قطع الخشب المتبقية. كانت لينا تجري خلف خرزة حمراء زجاجية، كانت قد وجدتها في أمتعة والدها القديمة. كانت الخرزة تتدحرج على الطبقة الجليدية المائلة التي تؤدي نحو حافة الوادي الصغير المقابل للقرية.
"لينا! ارجعي!" نادى إيل بصوت حاد.
لكن أخته الصغيرة، ذات الأعوام الثلاثة، لم تستمع. كانت تضحك وهي تلاحق الشفق الأحمر للخرزة.
ركض إيل خلفها. الجو كان صامتاً بطريقة مريبة. لا صوت للرياح، ولا صوت لطيور الجبال. فقط صوت احتكاك أقدام لينا الصغيرة بالثلج.
وفجأة، شق هذا الصمت عواء خفيض. ليس عواء ذئب عالي النبرة، بل زمجرة حشرجية منخفضة تأتي من بين الشجيرات المتجمدة عند حافة الوادي.
توقف قلب إيل.
رأى ظلاً أبيض ضخماً يتحرك بين جذوع الأشجار الميتة. عينان أصفرتان جائعتان تثبتان على جسد لينا الصغير التي كانت قد وصلت إلى نهاية المنحدر، تقريباً عند مدخل الوادي.
كان بإمكان إيل، بل كان يجب عليه وفقاً لقواعد هارون، أن يلتفت ويركض نحو القرية، أن يصرخ بأعلى صوت ليستدعي هارون والصيادين. القرية لم تكن بعيدة جداً، ربما دقيقتان من الركض السريع. لكنه نظر إلى لينا. كان الكلب قد بدأ يتحرك، يتسلل بخطوات خفيفة فوق الثلج، متأهباً للقفز.
لو ركض إيل لطلب المساعدة، ستكون لينا قد قُطعت إلى أجزاء قبل أن يقطع هو نصف المسافة.
خوف آرين، الذي عرف العجز في حياته السابقة، اندمج مع ذعر إيل، الأخ الذي حمى هذه العائلة ثلاث سنوات. امتلكه ذعر خالص، أغلق عقله عن التحليل المنطقي.
استل إيل سكين والده من حزامه. لم يصرخ ليطلب النجدة. بل جرى بكل ما أوتيت ساقاه البالغتان ثماني سنوات من قوة، مستقيماً نحو أخته.
"لينا! اهربي إلى البيت!" صرخ وهو يدفها بقوة نحو الأعلى. سقطت الصبية على الثلج وبدأت تبكي وهي تدرك الخطر أخيراً، تاركة الخرزة تدحرجت إلى الأسفل.
التفت إيل.
قفز «كلب الجليد» من بين الشجيرات. كان حجمه يماثل حجم ثور صغير، وفراؤه الملطخ بالثلج الأحمر يجعل رؤيته صعبة لولا عينيه الصفراوين وفمه المفتوح الذي يسيل منه اللعاب المتجمد.
تذكر إيل درس هارون:
ضع كعبك أولاً.
غرس كعبه في الجليد، وجثا على ركبة واحدة ليزيد من ثباته. عندما هجم الحيوان بفكيه المفتوحين، لم يتراجع إيل. مد سكين والده إلى الأمام، محاولاً طعن الوحش في رقبته كما تعلم في التدريب.
لكن السيف لم يكن سيفاً سحرياً، وإيل لم يكن فارساً.
استقر نصل السكين القصير في كتف الكلب الضخم. نفذ النصل بضعة سنتيمترات فقط قبل أن يصطدم بالعظم الصلب. انطلق صوت زمجرة ألم حادة من الوحش، وتناثرت قطرات دم داكنة على الثلج.
خطط آرين في ذهنه للطعنة الثانية، لكن واقع الجسد خذله.
أخطأ إيل تقدير طول النصل القصير. لم يكن السلاح طويلاً بما يكفي ليصل إلى قلب الوحش. وفي الوقت نفسه، انزلقت قدم إيل الخلفية على طبقة من الجليد الصقيل المخفي تحت الغبار الأحمر.
فقد توازنه.
سقط السكين من يده المتجمدة. وفي اللحظة التالية، ضربت المخلب الثقيلة لِكلب الجليد صدر إيل الصغير، حاطمة أضلاعه بضغطة واحدة، ومسقطة إياه على ظهره.
توقف الهواء في رئتيه. تضاءل رؤية العالم إلى بقع صفراء وحمراء.
رأى الفك الضخم يقترب من رقبته. لم يكن هناك ألم مفرط، بل برودة شديدة تنتشر في جسده بسرعة مرعبة، كأن الشتاء كله دخل إلى عروقه دفعة واحدة. سمع في لحظاته الأخيرة صوت أخته وهي تبكي بعيداً، وصوت خطوات ثقيلة تركض من اتجاه القرية—ربما كان هارون، ربما كانت أمه.
لكن الرؤية أظلمت تماماً.
انطفأ نفس إيل الأخير فوق الثلج الأحمر.
لم يعد آرين إلى أستيريا. بدلاً من ذلك، وجد نفسه يعوم في فراغ هادئ ومظلم، لا سقف فيه ولا برودة.
أمام عينيه، فتحت «صفحة الحصاد».
لم تكن القائمة تحتوي على نقاط خبرة، ولا شاشات برّاقة، بل كانت عبارة عن ورق رقّ قديم، كُتبت عليه السطور بحبر أسود يتألق ببطء، كأنه كُتب بريشة قاضٍ لا يرحم ولا يجامل:
[سجل العمر الثاني — المسار الأول]
العالم: عالم الجليد الأحمر، قرية فارن. الاسم: إيل. ما عشته: ثماني سنوات. ما صنعته: حميت لينا حتى النهاية. ما أخطأت فيه: سمعت تحذير هارون، ثم تجاهلت طلبه أن تطلب الدعم قبل دخول الوادي. ما ثبت في يديك: لم تتقن إلا حمل السكين.
لم يضف الدفتر رقماً آخر. لم يمنحه لقباً ولا وعداً. ترك الحقائق في مكانها، باردة كالجليد الذي مات فوقه.
ثم ظهرت كلمتان واضحتان:
[أعد نسج الحياة] [أغلق السجل]
وقف آرين في الفراغ. كانت ذاكرة الموت تتوهج في صدره: البرد القارس، صوت تحطم أضلاعه، وعجز جسده الصغير أمام القوة الغاشمة للوحش. لكنه تذكر أيضاً وجه لينا وهي تبكي، ووجه ميرا وهي تسعل في الكوخ الدافيء، ودروس هارون الشديدة.
كان يعلم أنه لو اختار «أغلق السجل»، سيعود إلى أستيريا بذاكرة هذه السنوات الثماني فقط، من دون أن يعرف كيف كان يمكن إنقاذ لينا أو تغيير الخطأ الذي قتله.
انعقدت إرادة آرين. لم تكن تجربة إيل مجرد حلم، بل كانت حياة كاملة عاشها وتألم فيها.
مد يده نحو الخيار الأول بثبات.
«أعد نسج الحياة.» قال آرين، ولم يسمح لصدى البرد أن يهز صوته.