لم يكن الموت مؤلماً كما تخيل كايل.

كان بارداً فقط.

بردٌ صافٍ اخترق رئتيه لحظة انزلقت دراجة التوصيل تحت شاحنة عند المنعطف المبتل. سمع صرخة قصيرة، صوت معدن يُطحن، ثم اختفى الشارع والضوء ويداه اللتان ظلتا تحاولان الإمساك بالمقود بلا فائدة.

فتح عينيه داخل سواد لا نهاية له.

لم يكن واقفاً ولا جالساً. لم يشعر بقدميه، ولا بثقل جسده، ولا حتى بضربات قلبه. أمامه امتد فراغ أسود كالمرآة، وفي أعلاه تفتحت حروف فضية باردة.

[تم تأكيد توقف العلامات الحيوية.] [الروح: مستقرة.] [تم رصد انحراف لا يملك مساراً.]

حدّق كايل في الكلمات طويلاً.

ثم قال بصوت خرج من مكان لا يعرفه: «أنا… ميت؟»

[نعم.]

لم يكن في الجواب تعاطف ولا سخرية. لم يأتِ صوت أصلاً؛ الكلمات ظهرت ثم بهتت، كأن السواد نفسه أجاب عنه.

ضحك كايل ضحكة قصيرة وجافة. كان يتوقع أن يتذكر أمه، أو غرفته الضيقة، أو الديون المتراكمة، أو آخر رسالة تركها من دون رد. لكنه لم يتذكر إلا شيئاً واحداً: صندوق الوجبات الذي طار من دراجته، وكيس حساء انقلب على الإسفلت.

«هذا كل شيء؟»

تشقّق السواد أمامه.

انفتحت ست نوافذ ضخمة، معلقة كأبواب زجاجية داخل الفراغ. تحت كل نافذة رمز يتوهج بلون مختلف.

[النظام المطلق — حق الاختيار الأول.] [أمام الروح المنحرفة ستون ثانية لاختيار نظام واحد وعالم واحد.] [بعد التأكيد، تحذف المسارات الأخرى من حقك إلى الأبد.]

انكمش صدر كايل، رغم أنه لم يعد يملك صدراً.

ستون ثانية.

في الظروف العادية كان يحتاج أكثر من ذلك ليقرر أي مطعم يختار بعد نهاية وردية طويلة. أما الآن، فكان عليه أن يختار حياته التالية.

انفتحت النافذة الأولى.

[نظام ناسخ السلالات] الوظيفة الأولية: أخذ بذرة موهبة من خصم تهزمه في مواجهة مكتملة.] الثمن: كل بذرة مزروعة ستؤثر في طبع حاملها.]

خلف الكلمات ظهر ظل رجل بعينين ذهبيتين، يمد يده إلى عنق وحش عملاق. جذبت الصورة كايل فوراً. قوة، مهارات، خصوم، وكل انتصار يتحول إلى شيء يملكه.

لكنه قرأ السطر الأخير مرة ثانية.

تؤثر في طبع حاملها.

«يعني أصير شخصاً آخر مع كل موهبة؟»

[احتمال متصاعد.]

أغلقها.

النافذة الثانية كانت وردية بلون شاحب.

[نظام رابطة القلوب] الوظيفة الأولية: تحويل الثقة المتبادلة إلى حماية وقدرات مساندة.] الثمن: الرابطة المزيفة تنقلب ندبة دائمة.]

رأى خيوطاً تربط أشخاصاً يقفون في أماكن متباعدة. كانت الفكرة جميلة، وربما ذكية. لكنه عرف نفسه جيداً بما يكفي ليعرف أنه لا يستطيع بناء حياته الجديدة على أن يحبّه الناس.

أغلقها.

الثالثة أظهرت قلعة مهدمة وتلاميذ منحنيين.

[نظام العرش الصغير] الوظيفة الأولية: تأسيس فصيل وتطوير أتباع مختارين.] الثمن: لا تزيد قوة الحامل مباشرة قبل ازدهار أتباعه.]

«لا.»

لم يحتج إلى قراءة البقية. لم يرد أن يبدأ حياته الجديدة مديراً لناس لا يعرفهم بينما هو عاجز عن حماية نفسه.

الرابعة: مرآة حمراء تعرض وجوهاً تموت بطرق مختلفة.

الخامسة: أحجار داكنة تنبض داخل عظام وحوش.

ثم السادسة.

لم تفتح مثل غيرها.

ظهرت بوابة حديدية طويلة وسط السواد، عليها ست حلقات متشابكة. خلف كل حلقة لمحة مختلفة: مدينة غارقة تحت نجوم لا تتحرك، صحراء يركض فيها رجال فوق ظلالهم، بحر أسود تبحر فيه سفينة مضيئة، وحديقة من سيوف مغروسة في أجساد حديدية.

[نظام أروقة العوالم المفقودة] الوظيفة الأولية: فتح ممرات إلى عوالم اقتُطعت من نهر التاريخ.] المكسب: فنون، آثار، معرفة، ورفاق لا يحصل عليهم من يهرب وحده.] الثمن: كل رواق يطلب قراراً، وكل قرار يعود إلى عالمك معك.]

توقف كايل.

لم تكن النافذة الأقوى. لا يوجد فيها وعد بنسخ موهبة، أو سيف أسطوري، أو جيش يتبعه. لكنها كانت الوحيدة التي لم تقل له كيف يصير أقوى فقط.

قالت له أين يمكن أن يذهب.

«هل هذه العوالم حقيقية؟»

[كانت حقيقية.]

«وهل أستطيع الرجوع منها؟»

[إذا دفعت الثمن الصحيح.]

أحس كايل للمرة الأولى بشيء يشبه الحياة يعود إلى داخله. لم يكن يريد موتاً آخر في غرفة بيضاء أو شقة صغيرة أو وظيفة تبتلع أيامه. إن كان سيحصل على فرصة غبية ومستحيلة كهذه، فليأخذ الطريق الذي لا يعرف نهايته.

مد يده إلى البوابة.

«أختار نظام أروقة العوالم المفقودة.»

ارتج الفراغ كله.

انفجرت النوافذ الخمس الأخرى إلى غبار أسود. لم يشعر كايل بالندم، لكنه فهم معنى الجملة الأخيرة الآن: لم يعد يملك فرصة ثانية للاختيار.

[تم تثبيت النظام.] [اختيار العالم المتاح.]

ظهرت أربعة أقراص مضيئة.

الأول أظهر صحراء ذهبية وجبالاً عائمة.

الثاني بحراً من الجزر والوحوش.

الثالث سهولاً عسكرية، فيها رايات وحراب وسماء رمادية.

أما الرابع، فكان قلعة سوداء تحت مطر غزير. فرسان يحملون سيوفاً تتوهج بخطوط زرقاء، وسحرة يقفون فوق أبراج حجرية، وفي الغابة خلف القلعة عيون ضخمة تلمع بين الأشجار.

[فالدور — ممالك السيوف والمانا.] التقييم: عالم مستقر نسبياً.] الفرص: بيوت سيف، أكاديميات مانا، آثار، نقابات، وحوش.] الخطر: النبلاء يملكون القانون، والضعفاء يملكون قبوراً كثيرة.]

ابتسم كايل رغم التوتر.

«اختيار لطيف.»

السطر الأخير هو الذي أقنعه.

العالم الذي يملك فيه الضعيف قبراً كثيراً يحتاج إلى شخص لا ينوي البقاء ضعيفاً.

مد يده نحو القلعة السوداء.

[تم اختيار فالدور.] [جارٍ نسج جسد متوافق بالاسم.] [الاسم المحفوظ: كايل.]

ظهر الألم فجأة.

ليس مثل ألم الحادث؛ هذا ألم ملايين الإبر وهي تغرز في عظام لم تكن موجودة قبل لحظة. انضغط السواد، وانطفأت البوابات، واندفع نحو كايل صوت رجل يصرخ بغضب.

«افتحوا الباب! لا تجعلوا الوغد يختنق قبل أن يصل إلى الحفرة!»

فتحت عيناه.

كان ممدداً على أرضية حجرية باردة. قيد حديدي عضّ معصميه. رائحة عفن ودم قديم ملأت أنفه. فوقه مصباح زيت صغير يرتجف نوره خلف قضبان زنزانة.

وفي زاوية الغرفة، كانت فتاة شاحبة الوجه تحدق به كما لو أنها رأت شبحاً.

قالت بصوت مرتعش: «كايل فالتر؟»

قبل أن يجيب، انفتحت نافذة فضية أمام عينيه.

[تم الهبوط.] [الجسد: كايل فالتر.] [الحالة: مُدان بحرق خزانة آثار بيت فالتر.] [الوقت المتبقي قبل تنفيذ العقوبة: 08:00.]

بدأ الرقم ينقص.

07:59.

وفي الجدار المقابل، خلف الباب الحديدي المغلق، دوّى زئير وحش جعل المصباح يهتز حتى انطفأت شعلته.

2026/08/22 · 3 مشاهدة · 895 كلمة
S
نادي الروايات - 2026